ترأّس رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام، بعد ظهر اليوم، جلسةً لمجلس الوزراء غاب عنها وزير الدفاع الوطنيّ ميشال منسّى ووزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، في وقتٍ استحوذت تداعيات الخلاف الذي انفجر خلال الجلسة التشريعيّة الأخيرة على جانب أساسيّ من موقف رئيس الحكومة.
وسعى سلام إلى احتواء الأزمة من دون التراجع عن تفسيره الدستوريّ لما جرى، فنفى أن يكون قد منع منسّى من دخول قاعة مجلس النواب، أو أن يكون رأي الجيش قد غُيّب عن مناقشة قانون العفو العام. وأكّد أنّ وزير الدفاع "صديق" يكنّ له كلّ مودّة واحترام، وأنّ غيابه عن جلسات الحكومة "لن يطول"، لكنّه شدّد في المقابل على أنّ رئيس الحكومة يمثّل مجلس الوزراء ويتكلّم باسمه، وأنّ الحكومة واحدة وليست "24 حكومة".
وإذ أقرّ مجلس الوزراء معظم البنود المدرجة على جدول أعماله، بما فيها البنود العائدة إلى وزارة الدفاع، أعلن وزير الإعلام بول مرقص أنّ المجلس لن يعقد جلسات خلال الأسبوعين المقبلين، على أن يعود بعدها إلى الاجتماع في جلسة مخصّصة للبيئة وأخرى عاديّة.
سلام ينفي منع منسّى من دخول البرلمان
في أوّل رواية رسميّة مفصّلة لما جرى، قال سلام إنّه لم يطلب من وزير الدفاع عدم دخول قاعة مجلس النواب أو الامتناع عن المشاركة في الجلسة التشريعيّة، مؤكدًا أنّ المعلومات المتداولة في هذا الشأن "غير صحيحة".
وأوضح أنّ المسألة تعلّقت بصلاحيّة الكلام باسم الحكومة، مضيفًا: "أحكام الدستور لا جدال فيها، من حيث إنّ رئيس الوزراء يمثّل الحكومة ويتكلّم باسمها". وتابع أنّه أبلغ منسّى بذلك، فلم يعد هناك داعٍ، وفق تعبيره، إلى كلام إضافيّ من الوزراء.
وبذلك، وضع سلام الخلاف في إطار دستوريّ يتعلّق بوحدة موقف الحكومة، لا في إطار منع وزير الدفاع من الحضور أو إسكات المؤسّسة العسكريّة. لكنّ هذا التوضيح يبيّن في الوقت نفسه أنّ أصل الإشكال لم يكن مجرّد سوء تفاهم إجرائيّ، بل خلافًا على حقّ منسّى في إلقاء كلمة تتّصل بموقف الجيش من قانون العفو العام، وحدود استقلال الوزير في التعبير عن رأي وزارته داخل المجلس النيابيّ.
"رأي الجيش لم يُغيَّب"
رفض رئيس الحكومة الاتهامات القائلة إنّ موقف الجيش من قانون العفو العام لم يصل إلى مجلس النواب، واصفًا هذا الكلام بأنّه "افتراء".
وأوضح أنّ مذكّرة خطّيّة أُعدّت في هذا الخصوص، وأُرسلت إلى المجلس النيابيّ بعد موافقته عليها، كما أنّ وزير الدفاع عرض موقف الجيش سابقًا أمام اللجان النيابيّة.
وقال سلام: "لا يزايدنّ أحد علينا في حرصنا على الجيش ووفائنا لشهدائه الأبرار"، مذكّرًا بالمساعي التي قامت بها الحكومة لتأمين الدعم للمؤسّسة العسكريّة، وتجهيزها، ورفع رواتب أفرادها وضبّاطها، والحفاظ على معنويّاتهم وكرامتهم.
وأضاف أنّ حرصه على الجيش وتحصينه كان وراء رفضه السماح بأيّ تأويل قد يوحي بأنّ المؤسّسة العسكريّة طرف في الداخل اللبنانيّ أو أنّها على خلاف مع أيّ جهة. وشدّد على أنّ الجيش "جيش كلّ لبنان"، داعيًا من يحرص على المؤسّسة إلى التوقّف عن "المزايدات الرخيصة" في هذا الملفّ.
ويأتي ردّ سلام بعد بيان شديد اللهجة أصدره منسّى، اعتذر فيه من أهالي شهداء الجيش، وقال إنّ المؤسّسة العسكريّة "مُنعت من الكلام" في مجلس النواب، وإنّه لم يتمكّن من رفع صوتها عندما كان يجب أن يُسمع.
مودّة شخصيّة وتمسّك بالتضامن الوزاريّ
على الرغم من حدّة الردّ على الاتهامات، أبقى رئيس الحكومة باب التسوية مفتوحًا، مشيرًا إلى أنّ غياب وزير الدفاع عن مجلس الوزراء "لن يطول".
وقال عن منسّى: "إنّه صديق أكنّ له كلّ مودّة واحترام وتقدير، وهو ملتزم، شأنه شأني، بالدستور والتضامن الوزاريّ".
وختم موقفه بالتأكيد: "نحن حكومة واحدة، ولسنا أربعًا وعشرين حكومة، وجميعنا ملتزمون بمبدأ التضامن الوزاريّ وبالدستور بحذافيره".
وتجمع مقاربة سلام بين الاحتواء السياسيّ والحسم الدستوريّ، إذ حرص على عدم تحويل مقاطعة منسّى إلى أزمة استقالة أو انقسام حكوميّ، لكنّه رفض في المقابل منح الوزراء مساحةً منفصلة للكلام باسم الحكومة من خارج الموقف الذي يحدّده رئيسها.
ولم يُعلن عن حصول اتصال مباشر أو مصالحة بين سلام ومنسّى، كما لم يُحدَّد موعد عودة الأخير إلى مجلس الوزراء. غير أنّ تعليق الجلسات أسبوعين يمنح الاتصالات وقتًا لمعالجة الخلاف قبل الاستحقاق الحكوميّ المقبل.
الوزراء يدعون إلى تطويق الأزمة
قبيل انعقاد الجلسة، توالت مواقف وزاريّة دعت إلى احتواء الخلاف والحفاظ على وحدة الحكومة، مع تأكيد دعم الجيش ووزير الدفاع.
وقال وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجّار إنّ "كلّ الوزراء والحكومة يقفون إلى جانب المؤسّسة العسكريّة والجيش اللبنانيّ، ووزير الدفاع هو على رأس وزارته، وكلّنا في الاتّجاه نفسه".
وردًّا على سؤال بشأن احتمال استقالة منسّى، قال الحجّار إنّه "وزير موجود في الحكومة ومعروف بمناقبيّته"، وإنّ رئيس الحكومة معنيّ بتضامن وزرائه، مضيفًا: "ما في شيء ما بينحلّ".
من جهته، تحدّث وزير الدولة لشؤون التنمية الإداريّة فادي مكّي عن وجود "حلحلة"، مؤكدًا أنّ المشكلة بين سلام ومنسّى "عم تنحلّ". كذلك، رأى وزير الزراعة نزار هاني أنّه يمكن معالجة الموضوع داخل مجلس الوزراء.
أمّا وزير الصحّة العامّة ركان ناصر الدين، فقال إنّ منسّى "شخص محترم"، وإنّ ما حصل "ما كان لازم يصير"، معتبرًا أنّه كان على رئيس الحكومة الاستماع إليه. واكتفى وزير الثقافة غسان سلامة بالقول: "إن شاء الله خير".
وفي موقف لافت، قال وزير الصناعة جو عيسى الخوري إنّه "أصبح في الحكومة وزراء مصنّفون A وB وC"، من دون أن يوضح المقصود بهذا التصنيف.
إدانة التدمير الإسرائيليّ جنوبًا
إلى جانب الأزمة الحكوميّة، تناول سلام في مستهلّ الجلسة عمليات التدمير الممنهج التي تنفّذها القوّات الإسرائيليّة في قرى الجنوب، معتبرًا أنّها تشكّل انتهاكًا لقوانين الحرب واتفاقيّة جنيف.
ورفض "جملةً وتفصيلًا" تصريحات وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس بشأن بقاء القوّات الإسرائيليّة في لبنان وغزّة وسوريا.
وقال سلام إنّ الإدارة الأميركيّة "حسنًا فعلت" عندما ردّت على كاتس، معتبرةً أنّ أيّ وجود إسرائيليّ دائم في لبنان يتنافى مع الإطار الثلاثيّ القائم بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.
ويأتي موقفه في ظلّ استمرار عمليات تفجير المنازل وتجريف الممتلكات والبنى التحتيّة في الجنوب، بالتزامن مع المساعي الأميركيّة لاستكمال تنفيذ المناطق التجريبيّة واستئناف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
إشادة بقوانين العفو والإعدام والإعلام
نوّه سلام بإقرار مجلس النواب عددًا من القوانين التي تندرج، وفق قوله، في الإطار الإصلاحيّ الذي التزمت به الحكومة في بيانها الوزاريّ.
وأشاد أوّلًا بقانون إلغاء عقوبة الإعدام، معتبرًا أنّه يؤكّد أنّ العدالة تحمي المجتمع من دون انتقائيّة، ويعزّز التزام لبنان بالمعايير الحقوقيّة الدوليّة والمبادئ الأساسيّة لحقوق الإنسان.
كما تناول قانون العفو العام، واصفًا إيّاه بأنّه ذو "أهمّيّة وطنيّة كبرى"، لأنّه يساهم في رفع الظلم عن فئات من الموقوفين والمحكومين، ويخفّف الاكتظاظ الكبير في السجون، الذي لا يليق بكرامة الإنسان. ومع ذلك، أقرّ سلام بأنّ القانون "ليس مثاليًّا".
ونوّه كذلك بإقرار قانون الإعلام الجديد، بعد سنوات طويلة من الانتظار.
مباشرة التفاوض مع "سوليدير"
تطرّق رئيس الحكومة إلى القرار الصادر عن مجلس الوزراء في جلسته السابقة، والمتعلّق بوضع أسس المباحثات مع شركة "سوليدير" بشأن تمديد مدّة عملها.
وأوضح أنّه أبلغ الشركة بمضمون القرار، وشدّد على ضرورة أن تباشر اللجنة الوزاريّة التي يرأسها نائب رئيس الحكومة طارق متري المباحثات فور ورود جواب "سوليدير".
إقرار معظم البنود وتعليق الجلسات
انتقل مجلس الوزراء بعد ذلك إلى دراسة جدول أعماله، الذي ضمّ بنودًا عاديّة ومنتظمة، بينها عدد من البنود المرجأة من جلسة السابع من آب، وأقرّ معظمها.
كما أقرّ المجلس المرسوم رقم 3214 بعد تعديله، وفق ما أكّده مرقص ردًّا على أسئلة الصحافيّين. ولم يوضح وزير الإعلام مضمون التعديل ضمن المعلومات الرسميّة التي تلاها.
وأعلن أنّ مجلس الوزراء لن يعقد جلسات خلال الأسبوعين المقبلين، بناءً على اتفاق مسبق، على أن تُعقد بعد ذلك جلسة مخصّصة للبيئة، إلى جانب جلسات عاديّة.
ولم يبحث المجلس أيّ ملفّ يتعلّق بوزارة التربية بسبب غياب الوزيرة ريما كرامي، فيما أُقرّت البنود العائدة إلى وزارة الدفاع رغم غياب منسّى، منعًا لتعطيل عمل الوزارة.
وبين مقاطعة منسّى واللغة التصالحيّة التي اعتمدها سلام، انتهت الجلسة من دون إعلان حلّ نهائيّ للخلاف، لكن مع قرار واضح بعدم السماح له بتعطيل عمل وزارة الدفاع أو تفكيك التضامن الحكوميّ. ويبقى الاختبار في عودة الوزير إلى مجلس الوزراء بعد توقّف جلساته أسبوعين، وفي ما إذا كانت الاتصالات ستنتج تسويةً تتجاوز العبارات الاحتوائيّة إلى معالجة أصل الإشكال.




