إنّ قوانين العفو العام هي قوانين استثنائية شاذّة تنتهك مبدأ الشرعية الجنائية. والأخطر أنها الخرق الأفظع لمبدأ فصل السلطات؛ حيث تتدخل السلطة التشريعية بالتواطؤ مع السلطة التنفيذية في شؤون السلطة القضائية.
إنّ المبرّر العام لقوانين العفو العام هو طيّ صفحة الحرب وحماية المقاتلين والمقتتلين بهدف إنجاز مصالحة وطنية. وبالتالي، لا يمكن أن تشكل هذه القوانين مناسبة جديدة لضرب دولة القانون وتشريع السلاح خارج إطار الدولة عبر تبرئة مقاتلين لإدماجهم في مجموعات مسلّحة جديدة، عابرة للحدود، حاقدة على القوى الشرعية ومُشبَعة برذائل التطرف الديني، واستثمارهم في نزاع مسلّح جديد.
إنّ قوانين العفو، من زاوية أخرى، هي إدانة للقضاء وتشكيك بالعدالة. وفي حال وجود تقصير في أداء السلطة القضائية، فالواجب يقتضي معالجة هذا التقصير عبر إصلاح قضائي، لا تهريب المتهمين والمحكومين من تحت قوس العدالة الذي تهتزّ ركائزه بسبب ضربات المطارق السياسية والأمنية والمالية والمافيوية والميليشياوية.
فبدلاً من تحصين القضاء وإقرار تشريعات تُؤمّن تسريع المحاكمات وتضمن المحاكمات العادلة وتحترم قرينة البراءة، ها هي السلطة، لتغطية فشلها، تلجأ إلى مقايضة العدالة بتشريعات عفو عام بالتراضي - مكمّلة لآفة العدالة بالتراضي؛ لتكريس حكم الميليشيات المذهبية كطعنة في ظهر "الشرعية".
وبدلاً من السعي الدؤوب للحدّ من الإفلات من العقاب، تسعى السلطة المنقلبة على أسس دولة القانون واتفاق الطائف إلى إفلات المجرمين، لتحضيرهم لاستلام مقاليد الدولة الجديدة، أسوة بقانون العفو العام الذي صدر عام ١٩٩١.
إنّ المؤسف الذي يصدم في آنٍ واحد، أنه أصبح للمجرم طائفة ومذهب، وأن شهداء المؤسسة العسكرية يُعبَث بكرامة رفائدهم كأنهم ليسوا شهداء الوطن.
أمّا الجريمة الموصوفة، فهي الترويج لقانون الإعفاء من العدالة عبر خطاب كراهية قائم على بثّ الفتنة الطائفية مع "مؤسسة الوطن لإطفاء المذهبية".
هذه السقطة السياسية ليست إلّا تكريساً لمبدأ شريعة الغاب، وتشجيعاً لعدالة استيفاء الحقّ بالذات.
إنّ حملة التحريض على شرف الوطن هي ضربٌ في صميم السيادة التي تبكي من حدود لبنان عبر روما إلى واشنطن، مروراً بهرمز علي الطاهر ودويلة حارة حريك.
فعلاً، إنه وطنٌ يستحق البكاء عليه وذرف الدموع حين ترى من يُسَمَّون "رجال دولة" يقايضون العدالة بتشريع فئوي؛ فتتكشف وجوههم وينزعون شرعيتهم بأنفسهم، إذ إنه "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" وفق الدستور اللبناني.
وعلى كل حال، ليس كلّ نصّ تصوّت عليه مجموعة من النواب يُعدّ قانوناً؛ فالنص المُصوَّت عليه يجب أن يقترن بعدّة معايير ليصبح قانوناً، وأبرزها: التجرّد والعموميّة والإلزام وقابلية التطبيق والأهم مطابقته للدستور وللمبادئ العامة للقانون.
ابكه فاليوم نهاية دولته، إنّ الشهيد يموت يوم تبرئة قتلته.




