إسرائيل تستغل مفاوضات روما لتثبيت السيطرة على الـ700 كلم2

مانشيت - المدنالخميس 2026/08/13
البيت الأبيض واشنطن (غيتي)
تمثل مرتفعات علي الطاهر النموذج الأوضح لسباق الجغرافيا مع الدبلوماسية. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

توحي المؤشّرات الواردة من واشنطن بأنّ الإدارة الأميركيّة حريصة على إحياء مسار الاتفاق الإطاريّ، عبر ضغوطها الدبلوماسيّة من جهة، والحراك المكوكيّ الميدانيّ الذي يقوده رئيس مجموعة التنسيق العسكريّة الأميركيّة، الجنرال جوزف كليرفيلد، على خطّ بيروت، تل أبيب من جهة ثانية. وينصبّ حراك واشنطن في اتّجاهين، انسحاب إسرائيل من الجنوب، ولو تدريجيًّا، ونزع سلاح حزب الله.

ولكن، في المقابل، تخوض إسرائيل سباقًا لفرض واقع جيوعسكريّ جديد على الأرض قبل جولة المفاوضات الثامنة. وعلى الرغم من حديث واشنطن عن استئناف المفاوضات في روما، خلال أيلول، فإنّ ممارسات إسرائيل الميدانيّة ومواقف مسؤوليها تؤكّد سعيها إلى اقتطاع أجزاء واسعة من الجنوب، وتدميرها وتجريدها من مقوّمات الحياة. وقبل أن يغادر كليرفيلد بيروت، حسم وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس نيات تل أبيب بإعلان أنّها باتت اليوم تسيطر على 700 كيلومتر مربّع من جنوب لبنان، وأنّها لن تنسحب من "المنطقة الأمنيّة"، ما لم يُجرَّد حزب الله من سلاحه بالكامل. وتوعّد كاتس باستمرار عمليات الهدم والتجريف.

اللافت أنّ هذا الإعلان الإسرائيليّ قوبل برفض واعتراض أميركيّ مباشر، إذ كشف مسؤول في الخارجيّة الأميركيّة لشبكة "أكسيوس" عن انتقاد البيت الأبيض لتصريحات كاتس، مؤكّدًا أنّه لا يوافق على بقاء قوّات إسرائيليّة بصورة دائمة في لبنان، بناءً على الاتفاق الإطاريّ الموقّع. وقال إنّ الاتفاق ينصّ على إعادة انتشار تدريجيّة مرتبطة بجدول زمنيّ ومراحل محدّدة. وبالتوازي، كُشف عن قائمة قصيرة تضمّ بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا، بوصفها دولًا محتملةً للمشاركة بقوّات للتحقّق من نزع سلاح حزب الله في الجنوب، عبر تفتيش القرى والبلدات. لكنّ الإعلام الإسرائيليّ ما زال يسرّب معلومات مفادها أنّ لا اتفاق حتّى اليوم على الجهة التي ستتولّى التحقّق.

وفي أيّ حال، لم تنجح محادثات كليرفيلد في بعبدا واليرزة في فتح ثغرة إيجابيّة لتوسيع "المناطق التجريبيّة" أو لجم الاعتداءات، بل أقدم الجيش الإسرائيليّ على تفجير مجمّع الورود السكنيّ، المؤلّف من 14 مبنًى، في كفرتبنيت، ومدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسميّة في زوطر الشرقيّة، إلى جانب تفجيرات وحرائق طاولت مبانيَ سكنيّةً في مجدل زون وبني حيّان والمنصوري، فيما واصلت المسيّرات والمدفعيّة تمشيط مرتفعات علي الطاهر وكفرشوبا وكفرا، حيث تشير التقديرات إلى أنّ تل أبيب حسمت قرارها بالسيطرة على التلّة، بعد رفض المقترح الأميركيّ بتسليمها إلى الجيش اللبنانيّ.

وفي الوقت الحرج، في مواجهة التحدّي الإسرائيليّ، ووسط الحاجة إلى أعلى درجات التضامن الداخليّ، جاءت ملابسات الخلاف في جلسة البرلمان الأخيرة. وفيما ناقش مجلس الوزراء مجريات الخلاف، أصدر وزير الدفاع ميشال منسّى بيانًا قال فيه إنّ "الجيش مُنع من الكلام خلال جلسة مجلس النواب"، لحماية حقوقه في قانون العفو العام، متعهّدًا ألّا يكون هذا الصمت قدر المؤسّسة العسكريّة.

واقعيًّا، تبدو إسرائيل في صدد استخدام المفاوضات مع لبنان غطاءً زمنيًّا لتثبيت واقع السيطرة على 700 كيلومتر مربّع، وحسم السيطرة على المرتفعات، بدءًا بعلي الطاهر. وفي المقابل، يقف لبنان الرسميّ مكبّلًا بضغوط واشنطن التي تحاول منع الانهيار الكامل للاتفاق الإطاريّ. وفي انتظار ما ستؤول إليه الاتصالات التمهيديّة لجولة أيلول، يبقى الجنوب ساحةً مفتوحةً للمغامرات الإسرائيليّة وخطط السيطرة والتوسّع.

 

اتفاق واحد وقراءتان متناقضتان

تتعامل واشنطن وتل أبيب مع الاتفاق الإطاريّ بوظيفتين مختلفتين. تريده الإدارة الأميركيّة مسارًا متدرّجًا يربط بين تنفيذ الجيش اللبنانيّ خطّة نزع السلاح، وإعادة الانتشار الإسرائيليّ على مراحل. أمّا إسرائيل، فتتعامل معه بوصفه أداةً لفرض التنفيذ على لبنان قبل تقديم أيّ خطوة مقابلة، أي تثبيت الاحتلال إلى حين التحقّق الكامل من نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكريّة.

هذه الفجوة لا تتعلّق بتفسير لغويّ لبنود الاتفاق، بل بترتيب الالتزامات وبميزان القوّة الذي يحكم تنفيذها. فلبنان يريد خطوات متزامنة، تتقدّم فيها عمليّات الجيش داخل المناطق التجريبيّة بالتوازي مع انسحاب إسرائيليّ ووقف للهدم والقصف. أمّا تل أبيب، فتطالب بإنجاز الشقّ اللبنانيّ أوّلًا، وتحتفظ في الأثناء بالأرض وبحرّيّة استخدام القوّة.

لذلك، لا يكفي الاعتراض الأميركيّ على تصريحات كاتس لتعديل الوقائع. فالقول إنّ الوجود العسكريّ الدائم يتناقض مع الاتفاق يكتسب قيمته فقط إذا اقترن بإلزام إسرائيل بجدول الانسحاب. أمّا الاكتفاء بتسجيل الاعتراض، مع استمرار التدمير والسيطرة، فيجعل الموقف الأميركيّ حدًّا سياسيًّا نظريًّا لا قيدًا فعليًّا على الحركة الإسرائيليّة.

 

رقم الـ700 كيلومتر مربّع رسالة تفاوضيّة

لم يعلن كاتس مساحة السيطرة الإسرائيليّة اعتباطًا. فإشهار رقم 700 كيلومتر مربّع يهدف إلى نقل الاحتلال من مشاهد متفرّقة داخل قرى ومرتفعات إلى واقع جغرافيّ قابل للقياس، يمكن إدخاله لاحقًا في المساومة. وبذلك، لا تعود المفاوضات محصورةً بآليّة تنفيذ اتفاق قائم، بل تصبح تفاوضًا على مساحة جديدة فرضتها إسرائيل بالقوّة.

يؤدّي هذا الإعلان وظيفتين، الأولى مخاطبة الداخل الإسرائيليّ بأنّ الحرب أنتجت "منطقة أمنيّة" واسعة، والثانية إبلاغ لبنان والوسيط الأميركيّ بأنّ الانسحاب لن يكون عودة تلقائيّة إلى الحدود، بل ثمنًا مقابل نزع السلاح الكامل. وهنا يتحوّل الاحتلال من خرق للاتفاق إلى ورقة ضغط مستمدّة منه، وفق القراءة الإسرائيليّة.

كما أنّ التدمير المنهجيّ للمباني والمدارس والممتلكات ليس أثرًا جانبيًّا للتحرّك العسكريّ، بل جزء من إعادة تشكيل المنطقة. فالأرض التي تُفرَّغ من سكّانها وتُقطع عنها مقوّمات العودة تصبح أسهل ضبطًا، وأصعب استعادتها إلى الحياة الطبيعيّة، حتّى إذا انسحبت القوّات منها لاحقًا. بهذا المعنى، لا تصنع إسرائيل حزامًا عسكريًّا فحسب، بل حزامًا مدمّرًا يفرض على لبنان كلفة إعادة إعمار هائلة.

 

علي الطاهر: معركة على موقع الجولة المقبلة

تمثّل مرتفعات علي الطاهر النموذج الأوضح لسباق الجغرافيا مع الدبلوماسيّة. فالموقع الحاكم بين الليطاني وهضبة النبطية يمنح المسيطر عليه قدرةً على الإشراف والتحكّم بمساحات واسعة، ويجعله ورقةً عسكريّة تتجاوز قيمتها حدود التلّة نفسها.

كان المقترح الأميركيّ بتسليم المنطقة إلى الجيش اللبنانيّ محاولةً لإنتاج مخرج يحول دون توسيع المواجهة، ويمنع تثبيت السيطرة الإسرائيليّة المباشرة. لكنّ فشل المقترح، ثمّ انتقال إسرائيل إلى القصف والتمشيط ومحاولات التقدّم، يعني أنّ تل أبيب فضّلت الاحتفاظ بالورقة الجغرافيّة على منح الوساطة إنجازًا يمكن البناء عليه.

ومن هنا، يصبح حسم السيطرة على علي الطاهر قبل الجولة الثامنة محاولةً لتغيير نقطة انطلاق التفاوض. فإذا انعقدت جولة أيلول بعد تكريس الوجود الإسرائيليّ في المرتفعات، سيدخل الوفد اللبنانيّ مطالبًا باستعادة أرض إضافيّة، بينما تدخل إسرائيل وفي يدها مساحة جديدة قابلة للمقايضة. وهذا هو جوهر الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، تحسين الموقع التفاوضيّ بالنار قبل العودة إلى الطاولة.

 

آليّة التحقّق: العقدة المؤجّلة

يتقدّم الجانب التقنيّ من الاتفاق ظاهريًّا، لكنّ السؤال الأشدّ حساسيّةً لا يزال بلا جواب، من يتحقّق من نزع السلاح، وبأيّ صلاحيّات؟

ظهرت بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا ضمن قائمة الدول المحتملة للمشاركة في آليّة التحقّق، لكنّ المعلومات المتضاربة بين "رويترز" والإعلام الإسرائيليّ تكشف أنّ الاتفاق لم ينضج بعد. فطرح الأسماء شيء، والاتفاق على تركيبة البعثة وتفويضها وحرّيّة حركتها شيء آخر.

وتزداد المسألة تعقيدًا مع المطلب الإسرائيليّ بتوسيع التفتيش ليشمل المنازل الخاصّة داخل القرى الجنوبيّة. فهذا الطرح لا يختبر قدرة الجيش اللبنانيّ على نزع السلاح فقط، بل يضع الدولة أمام تحدٍّ قانونيّ واجتماعيّ وأمنيّ، لأنّ دخول المنازل يتطلّب مذكّرات قضائيّة، وقد يثير توتّرًا مباشرًا مع الأهالي وحزب الله.

كما أنّ تشكيل بعثة أجنبيّة خارج المظلّة الأمميّة يفتح خلافًا على المرجعيّة، وعلى علاقتها بالجيش اللبنانيّ، وما إذا كانت ستراقب عمله أم تشارك بنفسها في التفتيش. ولذلك، قد تتحوّل آليّة التحقّق، التي يُفترض أن تسهّل التنفيذ، إلى واحدة من أعقد نقاط جولة أيلول.

 

كليرفيلد بلا اختراق ميدانيّ

تحرّك كليرفيلد بين تل أبيب وبيروت يعبّر عن رغبة أميركيّة في منع انهيار المسار، لكنّ نتائج زيارته بقيت دون مستوى التصعيد. فلم يحصل لبنان على موافقة على منطقة تجريبيّة ثانية، ولم تتوقّف عمليات الهدم، ولم يبرز جدول واضح لإعادة الانتشار الإسرائيليّ.

هذه الحصيلة تكشف حدود الوساطة الأميركيّة في مرحلتها الراهنة. فواشنطن قادرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتوحيد بعض الخرائط والتعريفات، لكنّها لم تُظهر بعد قدرةً على تحويل رفضها الوجود الإسرائيليّ الدائم إلى انسحاب فعليّ.

وفي المقابل، تستفيد إسرائيل من استمرار المحادثات لأنها تمنع تحوّل اعتداءاتها إلى قطيعة سياسيّة شاملة، وتمنحها الوقت لاستكمال عملياتها. وهكذا، يصبح استمرار التفاوض في حدّ ذاته مصلحةً إسرائيليّة، ما لم يرتبط بمهل وضمانات وخطوات متبادلة قابلة للقياس.

 

خلاف الحكومة في التوقيت الأسوأ

في الداخل، جاء الخلاف بين سلام ومنسّى في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى توحيد الموقف حول الجيش، بوصفه الطرف المكلّف بتنفيذ أكثر بنود الاتفاق حساسيّةً. فأيّ اهتزاز في العلاقة بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع ينعكس مباشرةً على صورة المرجعيّة السياسيّة التي تغطّي عمل المؤسّسة العسكريّة.

حاول سلام احتواء الأزمة، مؤكّدًا أنّه يكنّ الاحترام لمنسّى، وأنّ غيابه عن مجلس الوزراء لن يطول، وأنّ الحكومة مؤلّفة من 24 وزيرًا وليست "24 حكومة". كما أُقرّت بنود وزارة الدفاع لمنع تعطيل عملها. لكنّ بيان منسّى أظهر أنّ المشكلة تجاوزت سوء تفاهم عابرًا، بعدما وضعها في إطار "إسكات صوت الجيش" وخذلان عائلات الشهداء.

وتكمن خطورة الخلاف في أنّ إسرائيل وواشنطن تطالبان الجيش بأدوار استثنائيّة، بينما يجد نفسه داخليًّا موضوع تجاذب حول حقّه في الكلام وحدود تمثيله السياسيّ. لذلك، لا يكفي ترميم العلاقة الشخصيّة بين سلام ومنسّى، بل ينبغي تثبيت آليّة واضحة للتنسيق بين الحكومة ووزارة الدفاع وقيادة الجيش، منعًا لتحويل المؤسّسة إلى ساحة مزايدات.

 

جولة أيلول أمام امتحان الجدوى

لن يكون السؤال في الجولة الثامنة ما إذا كانت المفاوضات ستُستأنف فحسب، بل ما إذا بقي لديها ما تنتجه. فالمسار الذي لا يوقف التدمير ولا يوسّع المناطق التجريبيّة ولا يفرض إعادة انتشار مقابلة، يصبح إدارةً للأزمة أكثر منه طريقًا إلى حلّها.

يحتاج لبنان قبل العودة إلى روما إلى تثبيت ثلاثة مبادئ، تزامن الخطوات، ووضع جدول واضح للانسحاب، ومنع إدخال شروط تمسّ السيادة وحرمة المنازل من دون مرجعيّة قانونيّة لبنانيّة. كما يحتاج إلى موقف داخليّ موحّد يمنح الجيش غطاءً سياسيًّا واضحًا، بدل تحميله وحده كلفة تنفيذ اتفاق يتداخل فيه العسكريّ بالسياسيّ.

أمّا واشنطن، فعليها أن تحسم التناقض بين رفضها البقاء الإسرائيليّ الدائم، وقبولها العمليّ باستمرار إسرائيل في توسيع سيطرتها. إذ لا يمكن إنقاذ الاتفاق الإطاريّ بالبيانات وحدها، فيما تعيد الجرّافات والمتفجّرات رسم الجنوب.

وعليه، تقف جولة أيلول أمام مفترق حقيقيّ، إمّا أن تتحوّل إلى مسار يلزم الطرفين بخطوات متوازنة، وإمّا أن تبقى مظلّةً دبلوماسيّة لواقع ترسمه إسرائيل بالنار. وفي الحالة الثانية، لن يكون الاتفاق قد انهار رسميًّا، لكنّه سيفقد وظيفته، فيما تتحوّل الـ700 كيلومتر مربّع وعلي الطاهر والقرى المدمّرة إلى الحدود الفعليّة لمرحلة جديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث