تتحوّل سلسلة تلال علي الطاهر، وفق روايةٍ نشرتها صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة، إلى واحدةٍ من أعقد ساحات المواجهة بين الجيش الإسرائيليّ وحزب الله، وسط حديثٍ عن حصار عشرات المقاتلين داخل شبكةٍ من الأنفاق الاستراتيجيّة، وقطع طرق الإمداد والخروج أمامهم، بما يضعهم أمام ثلاثة احتمالات، تصفها الصحيفة بأنّها سيّئة جميعها: الاستسلام، أو البقاء داخل الأنفاق حتّى الموت، أو الخروج منها وخوض مواجهةٍ مباشرة مع القوّات الإسرائيليّة.
وتأتي هذه التطوّرات الميدانيّة في ظلّ جمودٍ يخيّم على المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وفي وقتٍ تستعدّ فيه بيروت لجولة محادثاتٍ ثامنة لم يُحدَّد موعدها النهائيّ بعد. غير أنّ المسار السياسيّ، الذي كان يُفترض أن يقود إلى انسحابٍ إسرائيليّ تدريجيّ وترسيخ ترتيباتٍ أمنيّة جديدة، لا يزال يصطدم بالعقدة المتّصلة بسلاح حزب الله ومستقبل وجوده العسكريّ جنوب نهر الليطاني.
السلاح في صلب العقدة التفاوضيّة
بحسب "معاريف"، تحمل الرسالة الإسرائيليّة إلى الجانب اللبنانيّ موقفًا واضحًا مفاده أنّه لن يكون هناك انسحابٌ من الأراضي اللبنانيّة، ولن يُتوصَّل إلى تسويةٍ نهائيّة، قبل حصر السلاح بيد الحكومة اللبنانيّة وإنهاء ما تسمّيه إسرائيل "مرحلة السلاح غير الشرعيّ".
وتضيف الصحيفة أنّ الضغط الأميركيّ على إسرائيل لا يبدو كافيًا لإحداث تحوّلٍ حاسم في المفاوضات. فواشنطن، وفق هذا التقدير، تستطيع الدفع في اتّجاه استئناف المحادثات، كما يمكنها الضغط من أجل انسحاب إسرائيل من بعض "المناطق التجريبيّة"، لكنّها لا تستطيع وحدها إعادة بسط سيادة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها.
وتُظهر هذه المقاربة أنّ إسرائيل تسعى إلى ربط أيّ انسحابٍ أو تسويةٍ ميدانيّة بملفّ سلاح حزب الله، ما يرفع سقف الشروط التفاوضيّة، وينقل المحادثات من البحث في ترتيباتٍ حدوديّة وأمنيّة محدودة إلى نقاشٍ يتّصل مباشرةً بموازين القوى الداخليّة في لبنان.
حصار الأنفاق وقطع خطوط الإمداد
ميدانيًّا، نقلت "معاريف" عن مصدرٍ أمنيّ لبنانيّ قوله إنّ المواجهات العنيفة في محيط تلال علي الطاهر تُظهر تصميم إسرائيل على السيطرة الكاملة على المنطقة وشبكة الأنفاق الموجودة فيها. ووفق المصدر نفسه، ينفّذ الجيش الإسرائيليّ عددًا كبيرًا من العمليّات السرّيّة في المنطقة، بعيدًا من أعين وسائل الإعلام.
وادّعى المصدر أنّ الوضع القتاليّ لعناصر حزب الله والحرس الثوريّ الإيرانيّ داخل المنطقة "سيّئ للغاية"، وخصوصًا لناحية خطوط الإمداد. كما زعم أنّ الجيش الإسرائيليّ يسيطر حاليًّا على التلال وعلى طرق الخروج منها، معتبرًا أنّ "سقوطها بات مسألة وقت فقط".
وفي السياق نفسه، تحدّثت تقارير إسرائيليّة عن وجود عشرات المسلّحين داخل أنفاقٍ ممتدّة في سلسلة تلال علي الطاهر، فيما يمنع الجيش الإسرائيليّ، وفق هذه الرواية، خروجهم أو وصول الإمدادات إليهم. وتقدّر جهاتٌ لبنانيّة وإسرائيليّة، بحسب الصحيفة، أنّ الحصار قد يدفع المقاتلين خلال أيّام إلى الخروج من الأنفاق، إمّا بنيّة الاستسلام، وإمّا لمحاولة الاشتباك مع القوّات الإسرائيليّة.
"مدينة الملجأ" تحت الضغط
يطلق الجيش الإسرائيليّ تسمية "مدينة الملجأ" على شبكة الأنفاق الاستراتيجيّة التابعة لحزب الله في سلسلة علي الطاهر ومنطقة قلعة الشقيف. ووفق التقديرات الإسرائيليّة، كان عشرات المقاتلين موجودين داخل هذه الأنفاق، إلّا أنّ جهاتٍ لبنانيّة تشير إلى أنّ عددهم انخفض بصورةٍ ملحوظة، نتيجة العمليّات التي نفّذها الجيش الإسرائيليّ في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة.
وخلال الأيّام الماضية، صعّدت إسرائيل عمليّاتها بهدف عزل الموجودين داخل الأنفاق عن محيطهم الخارجيّ وقطع وسائل التواصل والإمداد عنهم. وبحسب "معاريف"، يضع هذا العزل المقاتلين أمام قرارٍ لا يحتمل التأجيل طويلًا: إمّا الخروج والاستسلام، أو البقاء داخل الأنفاق من دون إمدادات، أو محاولة اختراق الحصار والاشتباك مع القوّات التي تطوّق المنطقة.
ويصرّ الجيش الإسرائيليّ، وفق الصحيفة، على "تطهير" الأنفاق ثمّ تدميرها، على غرار ما فعله في قلعة الشقيف والقنطرة ومجدل زون في القطاع الغربيّ. وتنطلق هذه العمليّات من تقديرٍ إسرائيليّ بأهمّيّة الأنفاق في البنية العسكريّة لحزب الله، وبالدور الذي تؤدّيه في حماية المقاتلين ونقل الأسلحة والإمدادات، فضلًا عن استخدامها نقاطًا للقيادة والسيطرة والانطلاق نحو مواقع المواجهة.
مسيّرات ومكبّرات صوت لإنهاك المحاصرين
وفي إطار تشديد الحصار، لجأ الجيش الإسرائيليّ، بحسب "معاريف"، إلى استخدام طائراتٍ مسيّرة مزوّدة بمكبّرات صوتٍ قويّة، تُحلّق في محيط الأنفاق وتبثّ رسائل بصورةٍ متواصلة، في محاولةٍ لإنهاك المقاتلين ودفعهم إلى الخروج والاستسلام أو القتال خارج التحصينات.
وتحاصر قوّات الفرقة 36 الإسرائيليّة عددًا من الأنفاق في سلسلة علي الطاهر، بعد أن عمدت إلى تفجير أجزاءٍ من شبكة الأنفاق الاستراتيجيّة في منطقة قلعة الشقيف. وتقول الصحيفة إنّ الجيش الإسرائيليّ يعتمد مجموعةً من الوسائل العسكريّة والنفسيّة لدفع الموجودين في الداخل إلى الخروج، من بينها تشغيل مكبّرات الصوت على مدار الساعة، واستخدام المسيّرات للاستطلاع والوصول إلى مداخل الأنفاق ومراقبة أيّ حركةٍ في محيطها.
وتندرج هذه الوسائل ضمن محاولةٍ إسرائيليّة لحسم المواجهة بأقلّ قدرٍ ممكن من الاشتباك داخل الأنفاق، نظرًا إلى المخاطر التي تفرضها المواجهات في الممرّات الضيّقة والمحصّنة، وإمكان استخدامها لنصب الكمائن أو تنفيذ عمليّات مباغتة.
شبكةٌ إيرانيّة بمئات ملايين الدولارات
وتزعم التقديرات الإسرائيليّة أنّ إيران ساهمت، على مدى نحو عشرين عامًا، في بناء شبكة الأنفاق التابعة لحزب الله في الجنوب، بميزانيّةٍ بلغت مئات ملايين الدولارات. وتشكّل هذه الأنفاق، وفق القراءة العسكريّة الإسرائيليّة، جزءًا أساسيًّا من البنية القتاليّة للحزب، بما تتضمّنه من ممرّاتٍ ومخازن ومواقع قيادة وتحصيناتٍ تحت الأرض.
وترى "معاريف" أنّ تدمير هذه الشبكة قد يسهّل، في مرحلةٍ لاحقة، مهمّة الجيش اللبنانيّ في بسط سيطرته على مناطق الجنوب. غير أنّ هذا التقدير يتجاهل أنّ العمليّات الإسرائيليّة نفسها، وما يرافقها من احتلالٍ وتفجيرٍ وتجريفٍ وتدميرٍ للقرى والأراضي، تمثّل عائقًا مباشرًا أمام انتشار الجيش اللبنانيّ واستعادة الدولة سيادتها الكاملة.
وبين التصعيد العسكريّ في علي الطاهر والجمود السياسيّ المحيط بالمفاوضات، تبدو إسرائيل ماضيةً في محاولة فرض وقائع ميدانيّة تسبق أيّ تسويةٍ محتملة. أمّا حزب الله، فيواجه داخل الأنفاق معادلةً شديدة القسوة، في ظلّ تضييق طرق الإمداد والخروج، وتصاعد الضغط العسكريّ والنفسيّ على المحاصرين، مع ضرورة التعامل بحذرٍ مع الأعداد والتفاصيل الميدانيّة الواردة، لكونها تستند أساسًا إلى روايةٍ إسرائيليّة لم تُؤكَّد بصورةٍ مستقلّة.




