فيما كان الجنوب يشتعل على وقع تفجيرات زلزاليّة وضربات تسبق استئناف المفاوضات في أيلول، اختصر وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس صورة المرحلة المقبلة، بالتأكيد مجدّدًا أنّه أوعز إلى الجيش باتخاذ جميع الإجراءات المطلوبة لضمان بقاء طويل الأمد في ما وصفها بـ"المناطق الأمنيّة" في لبنان وسوريا وغزّة. وفي الموازاة، شَهِد البرلمان اللبنانيّ اليوم ولادة قانون العفو العام بعد تجاذبات ماراثونيّة، فيما يحمل توقيت إقراره مغازيَ سياسيّة عميقة.
في ملفّ التفاوض، وعلى الرغم من التفاؤل المعلن للرئيس جوزاف عون، ورهانه على المفاوضات، ودعم واشنطن لتطبيق اتفاق الإطار، فإنّ زيارة رئيس لجنة التنسيق العسكريّة الأميركيّة "MCG4L"، الجنرال جوزف كليرفيلد، إلى بيروت آتيًا من تل أبيب، لم تحمل أيّ خرق إيجابيّ أو جواب إسرائيليّ مشجّع في شأن توسيع المناطق التجريبيّة إلى منطقة ثانية، كالخيام أو بنت جبيل. أمّا في الميدان، فتواصل القوّات الإسرائيليّة عمليات الهدم والتجريف المنظّم في زوطر الشرقيّة وبني حيّان وتولين والمنصوري، وطاولت هذه الانتهاكات مبنى بلديّة زوطر الشرقيّة ومدرستها ومستوصفها، وصولًا إلى إضرام النيران في بساتين الوزاني وسردة، وقطع شرايين الريّ الحيويّة في قناة القاسميّة.
ووفق صحيفة "معاريف" العبريّة، فإنّ الجيش الإسرائيليّ يبني خطوط دفاع أماميّة جديدة لمواجهة القدرة العسكريّة المتبقّية للحزب، بالتوازي مع قصف مكثّف، فيما يبدو قرار التقدّم نحو مرتفعات علي الطاهر الحاكمة في النبطية محسومًا، بعد فشل مقترح أميركيّ بتسليم التلّة إلى الجيش اللبنانيّ ورفض حزب الله له، ما يرشّح المنطقة لمواجهة محتومة. وتشدّد تل أبيب على ربط أيّ خطوة تفاوضيّة في روما بفرض تفتيش 40 في المئة من بيوت جنوب الليطاني عبر الجيش اللبنانيّ، والمطالبة الصريحة بمواجهة لبنانيّة ميدانيّة مع حزب الله قبل إبرام أيّ انسحاب جديد.
في هذه الأثناء، كان لبنان منشغلًا بمجريات جلسة مجلس النواب التي أقرّت قانون العفو العام بالمناداة. والقانون، الذي قوبل بتكبيرات واحتفالات في سجن رومية، يخفّض عقوبة المؤبّد إلى 12 سنة فعليّة، أي ما يعادل 14 سنة سجنيّة، والإعدام إلى 17 سنة سجنيّة، مع نصّ يُلزم القاضي بتخلية سبيل كلّ موقوف تجاوزت مدّة توقيفه 14 سنة سجنيّة من دون صدور حكم. واستفاد من القانون عشرات الموقوفين الإسلاميّين، فيما تشير الأرقام إلى أنّ الشيخ أحمد الأسير بات على جدول إخلاء السبيل في منتصف أيّار 2028، بعد قضائه نحو 13 عامًا. وبالتوازي، ثمّة إشارات إلى فتح باب التسوية للمبعدين إلى إسرائيل، الذين لم يحملوا السلاح، عبر مرسوم تطبيقيّ منفصل يلحظ تنازلهم عن الجنسيّة الإسرائيليّة.
وسط كلّ هذه المناخات، يستعدّ لبنان لاستحقاقه الأساسيّ المقبل، أي جولة أيلول التفاوضيّة، التي يُتوقّع أن تكون قاسية بمعطياتها. ومعالم هذه المرحلة بدأت تتشكّل ميدانيًّا بالنار، على سفوح علي الطاهر وفي أعماقها.
التفاوض تحت النار لا على طاولة روما
ليس التصعيد الإسرائيليّ عشية جولة أيلول تفصيلًا ميدانيًّا منفصلًا عن المسار السياسيّ، بل يبدو جزءًا من هندسة الشروط التي تريد تل أبيب نقلها إلى طاولة المفاوضات. فإسرائيل لا تتعامل مع المرحلة الفاصلة بين جولتين بوصفها هدنة دبلوماسيّة، إنّما كمساحة متاحة لتعديل الوقائع، وتوسيع نطاق السيطرة، ورفع الثمن المطلوب من لبنان قبل البحث في أيّ انسحاب.
من هنا، لا يعود الحديث الإسرائيليّ عن "بقاء طويل الأمد" مجرّد تهديد للاستهلاك الداخليّ. إنّه إعلان عن انتقال الاحتلال من وضعيّة موقّتة يُفترض إنهاؤها بالمفاوضات، إلى بنية أمنيّة يُراد تكريسها بوصفها أمرًا واقعًا. وهذا التحوّل يصيب الرهان اللبنانيّ في صميمه، لأنّ بيروت دخلت المسار التفاوضيّ على قاعدة أنّ التقدّم في الترتيبات الأمنيّة سيقابله انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ، فيما تدفع إسرائيل نحو معادلة معكوسة، لا انسحاب قبل معالجة سلاح حزب الله، ولا معالجة جزئيّة، بل إجراءات ميدانيّة لبنانيّة قابلة للقياس والتحقّق.
بهذا المعنى، تحاول تل أبيب تحويل الجيش اللبنانيّ من شريك في تثبيت السيادة إلى أداة لتنفيذ شروطها الأمنيّة. فالمطالبة بتفتيش نسبة واسعة من المنازل جنوب الليطاني ليست إجراءً تقنيًّا فحسب، بل اختبار سياسيّ للدولة، ولمدى استعدادها للدخول في مواجهة مع البيئة المحليّة وحزب الله. وهي أيضًا محاولة لنقل عبء الاحتلال إلى الداخل اللبنانيّ، بحيث يصبح الانسحاب الإسرائيليّ مكافأة مشروطة بصدام لبنانيّ، لا التزامًا واجبًا بموجب أيّ تفاهم.
كليرفيلد ورسالة الوسيط العاجز
زيارة الجنرال جوزف كليرفيلد إلى بيروت، بعد انتقاله من تل أبيب، كشفت حدود الدور الأميركيّ أكثر ممّا أثبتت فاعليّته. فالرجل لم يحمل موافقة على منطقة تجريبيّة ثانية، ولم يقدّم تصوّرًا واضحًا لوقف عمليات الهدم والغارات، ولم ينجح في انتزاع خطوة إسرائيليّة يمكن للبنان البناء عليها سياسيًّا.
المشكلة هنا لا تكمن في غياب الأفكار، بل في اختلال وظيفة الوساطة نفسها. واشنطن تدعم استمرار التفاوض وتعلن تمسّكها باتفاق الإطار، لكنّها لا تستخدم هذا الدعم لفرض التزامات متوازنة على الطرفين. فهي تضغط على لبنان لتوسيع إجراءات الجيش وحصر السلاح، فيما تتعامل مع الاعتداءات الإسرائيليّة باعتبارها وقائع ينبغي احتواؤها، لا خروقات ينبغي وقفها.
لذلك، تبدو المفاوضات محكومة بفجوة متّسعة بين التفاؤل الرسميّ اللبنانيّ والنتائج الفعليّة. رئيس الجمهوريّة يحتاج إلى إبقاء الباب الدبلوماسيّ مفتوحًا، لأنّ البديل هو انفلات عسكريّ واسع، لكنّ استمرار التفاوض بلا أثمان على إسرائيل قد يحوّل الطاولة نفسها إلى غطاء لإدارة الاحتلال، لا لإنهائه. وهنا تكمن معضلة جولة أيلول، إذ لا يستطيع لبنان الانسحاب بسهولة من المسار، ولا يمكنه الاستمرار فيه بالشروط السابقة من دون أن يخسر ما تبقّى من أوراقه.
علي الطاهر: الجغرافيا التي ترسم حدود السياسة
في علي الطاهر، تتكثّف هذه المعادلة بأوضح صورها. فالمرتفعات ليست نقطة عسكريّة معزولة، بل موقع حاكم يتيح التحكّم بمساحات واسعة من النبطية ومحيطها، ولذلك يصبح الصراع عليها صراعًا على شكل المرحلة المقبلة. وإذا تمكّنت إسرائيل من تثبيت وجودها فيها، فستدخل أيّ جولة تفاوضيّة وهي تحمل ورقة جغرافيّة وأمنيّة إضافيّة، وتملك قدرة أكبر على فرض مناطق عازلة بحكم الأمر الواقع.
لكنّ الرواية الإسرائيليّة عن حصار مقاتلين داخل الأنفاق، وقطع خطوط الإمداد أمامهم، ووضعهم أمام احتمالات الاستسلام أو الموت أو المواجهة، ينبغي التعامل معها بحذر، لأنّها تستند أساسًا إلى مصادر إسرائيليّة ولم تُثبَت بصورة مستقلّة. غير أنّ وظيفة هذه الرواية تتجاوز توصيف المعركة. فهي تسعى إلى تقديم النتيجة بوصفها محسومة سلفًا، وإلى ممارسة ضغط نفسيّ على الحزب وبيئته والدولة اللبنانيّة في آن واحد.
وبصرف النظر عن دقّة التفاصيل، فإنّ إسرائيل تتعامل مع علي الطاهر باعتبارها اختبارًا لقدرتها على تحويل التفوّق العسكريّ إلى مكسب سياسيّ مستدام. أمّا حزب الله، فيواجه معضلة موازية، لأنّ القبول بخسارة الموقع يراكم تراجعًا استراتيجيًّا، فيما الذهاب إلى مواجهة مباشرة قد يفتح حربًا أوسع في توقيت لا يملك الحزب ولا لبنان ترف التحكّم بمسارها. وبين الاحتمالين، تحاول الدولة انتزاع تسوية تنقل الموقع إلى الجيش، لكنّها تصطدم برفض الحزب من جهة، وبشهية إسرائيل إلى السيطرة المباشرة من جهة ثانية.
خطاب سلام ورفع كلفة الصمت
في مواجهة هذا المشهد، رفع رئيس الحكومة نوّاف سلام سقف خطابه تجاه إسرائيل، رافضًا وضع السيادة اللبنانيّة في بازار المساومة. أهميّة هذا الموقف لا تكمن فقط في حدّة عباراته، بل في محاولته إعادة تعريف المشكلة أمام الخارج، فلبنان لا يرفض تطبيق التزاماته، لكنّه يرفض أن تتحوّل هذه الالتزامات إلى مسار أحاديّ، تنفّذه الدولة تحت النار، فيما تحتفظ إسرائيل بحقّ الاحتلال والقصف والتجريف.
مع ذلك، يبقى رفع السقف السياسيّ محدود الأثر ما لم يُترجم إلى موقف تفاوضيّ موحّد. فإسرائيل تستفيد من الانقسام اللبنانيّ بين دولة تطالب بحصر السلاح، وحزب يربط أيّ نقاش في سلاحه بانتهاء الاحتلال والاعتداءات. وكلّما تعذّر إنتاج مقاربة داخليّة مشتركة، ازدادت قدرة تل أبيب على فرض معادلتها، إمّا أن تواجه الدولة حزب الله، وإمّا أن يبقى الاحتلال.
العفو العام: تسوية سياسية بغطاء جزائي
على الضفّة الداخليّة، لا يمكن فصل إقرار العفو العام عن منطق التسويات الذي يحكم النظام اللبنانيّ. فالقانون لم يولد نتيجة مراجعة شاملة للسياسة العقابيّة أو إصلاح بنيويّ للقضاء والسجون، بل جاء بعد مقايضات وضغوط واتصالات أفضت إلى تركيب صيغة تستجيب لكتل سياسيّة وطائفيّة متعدّدة.
إطلاق سراح 79 موقوفًا إسلاميًّا، وفتح مسار زمنيّ لخروج أحمد الأسير، وتحريك ملفّ المبعدين إلى إسرائيل، ليست نتائج قانونيّة محايدة. إنّها إعادة توزيع للترضيات بين قوى وبيئات راكمت ملفاتها منذ سنوات. فكلّ فريق دخل إلى التسوية حاملًا قضيّته، من الموقوفين الإسلاميّين إلى المبعدين، وصولًا إلى أزمة الاكتظاظ والانهيار المتراكم في السجون.
هنا يظهر المغزى السياسيّ للقانون. فالسلطة، التي تعجز عن تنفيذ إصلاح قضائيّ طويل الأمد، تلجأ إلى العفو لمعالجة نتائج الخلل دفعة واحدة. لكنّ العفو لا يجيب عن الأسئلة الأعمق، لماذا بقي موقوفون سنوات طويلة بلا أحكام؟ وكيف تحوّل التوقيف الاحتياطيّ إلى عقوبة؟ وهل تخفيف العقوبات يُبنى على معايير حقوقيّة موحّدة، أم على موازين القوى وقدرة كلّ جماعة على التفاوض؟
أما إدراج المبعدين إلى إسرائيل ضمن تسوية منفصلة، مشروطة بعدم حمل السلاح والتنازل عن الجنسيّة الإسرائيليّة، فيكشف محاولة لإقفال أحد ملفات ما بعد الحرب، لكنّه يفتح في الوقت نفسه نقاشًا حسّاسًا حول التمييز بين المدنيّين والعملاء والمتورّطين عسكريًّا. وأيّ مرسوم تطبيقيّ لا يضع معايير دقيقة للمسؤوليّة الفرديّة قد يحوّل التسوية من معالجة قانونيّة إلى عفو سياسيّ ملتبس.
جولة أيلول: لبنان أمام امتحان الأوراق الأخيرة
يذهب لبنان إلى جولة أيلول مثقلًا بمشهدين متناقضين. في الداخل، استطاع النظام إنتاج تسوية تُخرج قانون العفو من سنوات التجاذب، بما يثبت أنّ القوى السياسيّة قادرة على التفاهم عندما تتقاطع مصالحها. أمّا في مواجهة إسرائيل، فلا يزال عاجزًا عن بلورة معادلة موحّدة تربط تنفيذ التزاماته بانسحاب واضح ووقف كامل للاعتداءات.
الخطر أنّ تدخل بيروت الجولة المقبلة بعدما تكون إسرائيل قد استكملت بناء خطوطها الدفاعيّة، ووسّعت نطاق التجريف، وثبّتت حضورها في نقاط حاكمة. عندها، لن تبحث المفاوضات في كيفية العودة إلى ما قبل التصعيد، بل في كيفية إدارة الوقائع التي فرضها التصعيد نفسه.
لذلك، لا يكفي أن يتمسّك لبنان بالتفاوض، بل عليه أن يحدّد وظيفة هذا التفاوض وحدوده، وأن يرفض تحوّله إلى مسار زمنيّ مفتوح يمنح إسرائيل الوقت لتغيير الجغرافيا. فالمعركة المقبلة ليست فقط على منطقة تجريبيّة ثانية، ولا على موعد جولة جديدة، بل على السؤال الأساسيّ، هل تقود المفاوضات إلى استعادة السيادة، أم تصبح وسيلة لتثبيت احتلال طويل الأمد بأقلّ كلفة سياسيّة ممكنة؟
بين نار علي الطاهر وتسوية العفو العام، يقدّم لبنان صورتين لدولة واحدة، دولة تنجح في صناعة المقايضات داخليًّا، لكنها لا تزال تبحث عن أدواتها في مواجهة الخارج. وفي أيلول، لن يكون المطلوب مجرّد العودة إلى روما، بل منع انتقال النار التي ترسم الوقائع في الجنوب إلى نصّ سياسيّ يشرعنها على طاولة التفاوض.




