"قطوع" التشريع مرََ بسلام والعفو يفتح باب عودة المبعدين

نغم ربيعالأربعاء 2026/08/12
جلسة عامة في مجلس النواب الرئيس بري والرئيس نواف سلام(مصطفى جمال الدين)
العفو العام نفسه أعاد إلى الواجهة السؤال الأوسع حول حدود تدخل السلطة التشريعية في عمل القضاء (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن إقرار قانون العفو العام، اليوم، مجرد محطة تشريعية عابرة. فالقانون الذي أنهى واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل مجلس النواب، يأتي في لحظة سياسية تحاول فيها البلاد طيّ صفحات متراكمة من الخلافات والانقسامات، وفتح مرحلة جديدة بعد سنوات من التجاذب السياسي والأمني والقضائي.

وبينما يتصدر ملف السجون والموقوفين والمحكومين، وخصوصاً من أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمات، الأسباب المعلنة وراء الحاجة إلى العفو، برز ملف آخر أكثر حساسية سياسياًاللبنانيون الذين غادروا إلى إسرائيل بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، والمعروفون بالمبعدين إلى إسرائيل.

 

ملف عمره أكثر من عقدين

في الفترة الأخيرة، وتحديدا بعد حرب 2024 عاد الملف إلى الواجهة بزخم أكبر، مع محاولات لإعادة تقديم وجود اللبنانيين في إسرائيل باعتباره أمراً واقعاً ينبغي التعامل معه بصورة طبيعية، وصولاً إلى الدفع باتجاه عودتهم إلى لبنان. وفي هذا السياق، برز أيضاً خطاب صادر عن لبنانيين موجودين في إسرائيل، تولّى الترويج، بصورة عاطفية، لفكرة العودة وإنهاء هذا الملف المستمر. 

في المقابل، بقي موقف نواب حركة أمل وحزب الله من ملف المبعدين لافتاً بصمته. فلم يُبدِ نواب الكتلتين موقفاً علنياً واضحاً من هذه النقطة، ولم يعلّقوا على مدى رضاهم عن الصيغة التي انتهى إليها قانون العفو.

النائب ياسين ياسين يقول لـ"المدن" إن النقاش شمل من كانوا أطفالاً أو صغار السن، معتبراً أن هؤلاء شملهم القانون، فيما بقيت الإشكالية بالنسبة إلى من صدرت بحقهم أحكام مبرمة. ويقول إن "المادة الخامسة كانت واضحة، وهذا كان سبب إشكالي الذي أجّل القانون إلى اليوم".

في المقابل، تبدو المقاربة مختلفة لدى النائبة غادة أيوب. فهي تعتبر أن المبعدين "كان لازم يرجعوا من زمان"، وترى أنهم "لم يرتكبوا أي جرم، هم فقط خافوا وغادروا إلى إسرائيل"، فيما تميّز بين هؤلاء وبين من تثبت مشاركته في أعمال عسكرية، معتبرة أن الأخيرين لا يمكنهم العودة إلا بعد محاكمات.

أما النائب سيمون أبي رميا، فيقول "أهلاً وسهلاً فيهم"، مشيراً إلى أن ملف المبعدين إلى إسرائيل مطروح منذ عام 2005 ولم يُبت فيه منذ ذلك الحين.

وفي الاتجاه نفسه، تقول النائبة بولا يعقوبيان لـ "المدن" إنها تريد عودة هؤلاء إلى لبنان، تقول "أنا أريدهم أن يعودوا، وهذا القانون يفتح لهم المجال، مع إضافتي النقطة المتعلقة الإستغناء عن جنسيتهم، أتمنى أن نكون صوتنا مع هذه الإضافة".

أما نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، فيتعامل مع المسألة من زاوية مختلفة، قائلاً لـ"المدن": "عدّيهم بس يرجعوا خبريني كم واحد". ويضيف أن القانون "لم يتغير فيه شيء"، وأن النص كان مقرّاً منذ فترة والقانون اليوم يؤكد عليه.

 

بين "المظلومية" و"العدالة"

العفو العام نفسه أعاد إلى الواجهة السؤال الأوسع حول حدود تدخل السلطة التشريعية في عمل القضاء.

يرفض النائب ميشال الدويهي منطق العفو العام، ويقول لـ"المدن": "أنا صوتت ضد، لأنني أعتبر أن لا يمكن كمشرّع أن أتدخل بعمل القضاء". وهو يؤيد تسريع المحاكمات وإخراج المظلومين، لكنه يرى أن الحل يجب أن يكون عبر القضاء لا عبر قانون عفو.

ويضيف أن العفو العام "لديه وظيفة، وهو بعد الحروب، وليس كل 10 أو 15 سنة"، محذراً من أن يتحول إلى ثقافة سياسية متكررة تتدخل فيها السلطة التشريعية لمعالجة عجز القضاء.

أما النائب ياسين ياسين يرى أن ما أوصل البلاد إلى قانون العفو هو "تعاطي وتدخل وهيمنة بعض القوى السياسية على القضاء"، مشيراً إلى وجود موقوفين في السجون منذ أكثر من عشر سنوات من دون محاكمات أو حتى إحالتهم إلى التحقيق والمحاكمات، معتبراً أن القانون، في هذه الحالة، يمثل محاولة لإنصاف المظلومين.

الموقف نفسه تقريباً يعبّر عنه النائب ملحم خلف، الذي يرى أن القانون كان يحتاج إلى مزيد من الدراسة، وأن المطلوب رفع المظلومية عن الأشخاص المظلومين تحديداً، لا شمول أعداد واسعة.

أما النائبة بولا يعقوبيان، فتقرّ بأن "مش أحلى شي تعملي قانون عفو عام، خاصة ببلد فيه جرائم كثيرة"، لكنها تعتبر أن الواقع القضائي والسجون فرضا الحاجة إليه، في ظل وجود "لاعدالة كبيرة في السجون"، معتبرة أن هناك أشخاصاً مظلومين ويجب رد حقوقهم إليهم.

وتتقاطع هذه المواقف مع إشكالية أوسع ترافق قوانين العفو العام في لبنان منذ عقود: هل تكون هذه القوانين أداة استثنائية لمعالجة آثار الحروب والأزمات، أم تتحول إلى بديل عن إصلاح القضاء وتسريع المحاكمات؟

فتاريخياً، ارتبطت قوانين العفو في لبنان بمحطات سياسية وأمنية كبرى، وصولاً إلى قانون العفو عام 2005 الذي جاء في سياق مرحلة سياسية مفصلية، ما جعل العفو في التجربة اللبنانية يتجاوز أحياناً وظيفته القانونية ليصبح جزءاً من التسويات السياسية.

 

جلسة على إيقاع التسويات

ولم يكن الطريق إلى إقرار القانون اليوم هادئاً. بدأت الجلسة التشريعية بتأخير نحو نصف ساعة، بعد اجتماع عُقد قبلها بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، بحضور النائبين جورج عدوان وإلياس بو صعب، في محاولة لاحتواء الخلاف الذي نشب أمس على خلفية حضور وزير الدفاع إلى الجلسة.

ومع دخول النواب إلى القاعة، عاد السؤال إلى الواجهة. سأل النائب سليم عون: "شو صار بكلمة وزير الدفاع؟"، قبل أن يشرح رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الاتفاق الذي حصل في اليوم السابق كان يقضي بحضور الوزير والتصويت على القانون، قبل أن تُستكمل الاتصالات مع قائد الجيش ووزير الدفاع وينتهي الأمر إلى عدم حضوره.

لكن أزمة الوزير لم تكن الوحيدة. انسحب نواب "التيار الوطني الحر"، ثم لحق بهم لاحقاً نواب "الوفاء للمقاومة"، فيما استنكر النائب حسين الحاج حسن الخطوة، محذراً من أن تتحول هذه الخطوة إلى سابقة.

بعد تجاوز هذه العقبة، انتقل المجلس إلى خلاف آخر: هل يصوّت على قانون العفو العام دفعة واحدة أم مادةً مادة؟ وحسم بري الأمر بالتصويت على المواد تباعاً، وسط ملاحظات واقتراحات تعديلات من النواب.

وبعد سجالات وأخذ ورد، أقرّ المجلس القانون في نهاية المطاف بالمناداة.

 

قانون واحد... ورسائل سياسية متعددة

هكذا، أسدل مجلس النواب الستار على قانون العفو العام، كما أقرّ قانون تنظيم الإعلام، لكن إقرار القانونين لا يعني انتهاء الجدل حولهما. فهما من التشريعات التي تتجاوز حدود النصوص القانونية إلى أسئلة سياسية واجتماعية وقضائية أعمق.

وفي حالة العفو العام تحديداً، تبدو الرسالة السياسية أكثر وضوحاًطيّ صفحة من الملفات التي بقيت معلقة منذ مراحل الحرب وما بعدها، وإعادة إدخال فئات من اللبنانيين إلى الدورة القانونية والسياسية للبلد.

لكن بين من يرى في القانون خطوة نحو إنصاف المظلومين وفتح صفحة جديدة، ومن يخشى أن يتحول إلى غطاء للإفلات من العقاب، يبقى ملف المبعدين إلى إسرائيل الأكثر دلالة على صعوبة هذه المعادلة.

فالسؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد التصويت ليس فقط كم شخصاً سيستفيد من العفو، بل أي لبنانيين ستفتح أمامهم أبواب العودة، وأي ملفات ستبقى في عهدة القضاء؟

وهنا تحديداً، قد لا يكون إقرار القانون نهاية قضية المبعدين إلى إسرائيل، بل بداية مرحلة جديدة منها: مرحلة تحديد من تنطبق عليه أحكام العفو، ومن ستبقى عودته مرتبطة بمحاكمة، ومن سيعود إلى لبنان بعد أكثر من ربع قرن من مغادرته.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث