سجناء "رومية" والعفو: تكبيرات، غضب وخذلان وعدالة انتقائية

بتول يزبكالأربعاء 2026/08/12
Image-1786533981.Jpg
الزنازين قد تفرغ اليوم، ثم تمتلئ غدًا، ما دام التوقيف أسهل من المحاكمة. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

ما إن أقرّ مجلس النّواب قانون العفو العام، حتّى ارتفعت التكبيرات في سجن رومية، وعمت الاحتفالات بعض السجون والمناطق. فالمشهد الحالي يكاد أنّ يكون أقرب إلى إعلان نهاية عقوبة جماعيّة، لا إلى الاحتفاء بقانونٍ جزائيّ. ففي بلدٍ تحوّلت فيه المحاكمة إلى انتظار مديد، والتوقيف الاحتياطيّ إلى حكمٍ غير معلن، فمجرّد فتح باب الزنزانة يُستقبل بوصفه عدالةً، ولو جاءت متأخّرةً ومنقوصة.

لكنّ الفرح لم يكن عامًّا. فخلف التكبيرات، برز غضب سجناء وأهالٍ اكتشفوا أنّ العفو، كما هي العادة اللبنانيّة، لا يدخل السجون بصفته مبدأً قانونيًّا مجرّدًا، بل محمّلًا بالتوازنات السياسيّة والحسابات الطائفيّة وأسماء الملفّات التي تنازع عليها النوّاب. ففي الزنازين نفسها، كان ثمّة مَن ينتظر سقوط الدعوى العامّة وخروجه، ومَن تبيّن له أنّ الجرم المسند إليه مستثنى، ومَن لم يعرف بعد أثر القانون على تعدّد ملفّاته أمام القضاءَين العسكري والعادي. فالعفو لا يُطبّق على السجين بصفته الشخصيّة، بل على كلّ فعلٍ جرميّ وملفّ قضائيّ على حدة. وقد يستفيد الموقوف من العفو في قضيّة، ثم يبقى محتجزًا على ذمّة قضيّة أخرى.

وتقول نائبة رئيس تجمّع أهالي الموقوفين في السجون اللّبنانيّة، رائدة الصلح، لـ"المدن"، في هذا السّياق، إنّ القانون "لم يرقَ بمجمله إلى توقّعات الأهالي"، مشيرةً إلى تناقضٍ واضح داخل السجون: "هناك مَن هو سعيد، وهناك مَن يشعر بالغضب والخذلان".

 

معالجة الاكتظاظ لا إنهاء أزمته

صدّق مجلس النواب القانون بالمناداة، في غياب نوّاب "التيّار الوطني الحرّ" وكتلة "الوفاء للمقاومة". وهو يمنح عفوًا عامًّا عن الجرائم المرتكبة قبل الأوّل من آذار 2026، ويستفيد منه الفاعلون والشركاء والمتدخّلون والمحرّضون والمخبّئون.

ويؤدّي العفو إلى إسقاط الدعوى العامّة، ومحو العقوبات الأصليّة والفرعيّة والتدابير الاحترازيّة، وسقوط الملاحقات والأحكام والقرارات، سواء كانت وجاهيّة أم غيابيّة. لكنّه لا يصبح نافذًا إلّا بعد نشره في الجريدة الرسميّة.

بهذا المعنى، يعالج القانون أزمة اكتظاظ السجون، ويتيح إخراج عددٍ من المحكومين والموقوفين، لكنّه لا يعالج البنية التي أنتجت الاكتظاظ. فالسجون لم تمتلئ لأنّ لبنان يملك عدالةً شديدة الصرامة، بل لأنّه يملك قضاءً بطيئًا، وتوقيفًا احتياطيًّا مفتوحًا، وجلساتٍ تتأجّل لأشهر وسنوات، ودولةً تعجز أحيانًا حتّى عن سوق الموقوفين إلى المحاكم.

ويُلزم القانون القاضي بتخلية سبيل كلّ موقوف تجاوزت مدّة توقيفه أربع عشرة سنة سجنيّة من دون صدور حكمٍ بحقّه، على أن تستمرّ محاكمته. كما يعفي مَن أنهوا عقوباتهم وبقوا في السجن بسبب العجز عن تسديد الغرامات. وهؤلاء لم يعودوا سجناء الجريمة وحدها، بل سجناء الفقر أيضًا.

 

مَن يشملهم القانون؟

يشمل العفو تعاطي المخدّرات وجرائم المخدّرات التي لا تقع ضمن الاستثناءات المحدّدة، كما يشمل السرقة العاديّة ما لم تبلغ الملاحقات أو الأحكام حدود التكرار المنصوص عليها. ولا يتضمّن النصّ استثناءً مستقلًّا لسرقة السيّارات، فتخضع لأحكام السرقة والتكرار.

في المقابل، يستثني الجرائم المحالة على المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصد، والإرهاب، وبعض الجرائم العسكريّة، والخيانة والتجسّس والصلات غير المشروعة بالعدو، مع استثناءٍ خاصّ لبعض اللّبنانيّين الذين لجأوا إلى إسرائيل وفق القانون الرقم 194.

كذلك، يستثني جنايات التكرار في المخدّرات، وجرائم المخدّرات التي يرتكبها عسكريّون أو عناصر أمنيّون، والاعتداءات المستمرّة على الأملاك العامّة، وجرائم المال العام والفساد والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال، والجرائم المصرفيّة المرتبطة بأموال المودعين. وتشمل الاستثناءات أيضًا الاغتصاب، وسفاح القربى، والاتّجار بالبشر، والعنف الأسري، والاعتداء الجنسي على القصّر، والتعذيب، والإخفاء القسري، وجرائم الآثار والبيئة.

أمّا الجرائم غير المشمولة بالعفو، فتُستبدل فيها عقوبة الإعدام بثمانٍ وعشرين سنة سجنيّة، وتصبح الأشغال الشاقّة المؤبّدة سبع عشرة سنة سجنيّة. وبحسب التعديل المعلن في الجلسة، خُفّض المؤبّد من أربع عشرة إلى اثنتي عشرة سنة فعليّة، فيما تُخفّض سائر العقوبات المتبقّية بمقدار الثلث.

 

الأسير: الاسم الحاضر في الغياب

من جهته، يرى مدير "سيدار" للدراسات القانونيّة، المحامي محمد صبلوح، فيرى أنّ القانون نجح في معالجة الاكتظاظ، لكنّه أخفق في فتح مسارٍ للمصالحة الوطنيّة. ويقول لـ"المدن": "العفو العام الحالي يعالج مشكلة اكتظاظ السجون، لكنّه، في المقابل، لا يشكّل مصالحةً وطنيّة، لأنّ كلّ الخلافات بين النوّاب كانت مهزلةً عنوانها الشيخ أحمد الأسير".

ويضيف: "في ملفّ عبرا هناك مؤامرة تُحاك. هذا العفو أبقى جرح مؤامرة عبرا نازفًا، وهو يشكّل وصمة عار على جبين كلّ مسؤول كان موجودًا منذ أيّام معركة عبرا إلى اليوم. ولو كانت هناك عدالة في ملفّ الشيخ أحمد الأسير، لما كنّا بحاجة إلى عفو، لكنّ هذه العدالة لم تتحقّق، وخصوصًا أنّها كانت عدالةً انتقائيّة، وهذا اتّجار بدماء شهداء الجيش".

ويتابع صبلوح: "يتمّ تأجيل الجلسات من سنة إلى سنة للتهرّب من ملفّ عبرا. وفي الأيّام المقبلة، نحن، بصفتنا وكلاء الدفاع عن الشيخ أحمد الأسير، سنبدأ باتّخاذ إجراءات قانونيّة لإرغام القضاء على تحديد جلسات قريبة، وسنُبرز كلّ الأدلّة المتوافرة، لنحتكم إليها ونعرف ما إذا كان القضاء سيتحرّك لمقاضاة قتلة شهداء الجيش اللّبناني".

وبعد إقرار قانون العفو العام، باتت استفادة الأسير مرتبطةً بكيفيّة تطبيق الأحكام الجديدة على عقوبته واحتساب مدّة توقيفه. وتشير المعطيات المتداولة إلى أنّ الموعد المرجّح لخروجه من السجن هو 15 أيّار 2028. وبذلك، يكون قد أمضى نحو 13 عامًا وتسعة أشهر في السجن، منذ توقيفه في 15 آب 2015.

وباحتساب المدّة من 12 آب 2026، يبقى أمام الأسير نحو سنة وتسعة أشهر وثلاثة أيّام، أي قرابة 642 يومًا. غير أنّ هذا الموعد يبقى تقديريًّا وغير نهائي، إذ يفترض ثبات آليّة احتساب العقوبة، وعدم صدور حكمٍ أو قرارٍ قضائيّ مغاير، أو فتح ملفّات جديدة، أو طروء أيّ تعديلٍ تشريعيّ يؤثّر في وضعيّته القانونيّة.

 

إذًا، يفتح العفو أبوابًا في السجون، وهذه نتيجة لا يمكن التقليل من أهمّيّتها إنسانيًّا. بل ويوفر معالجةً استثنائيّة للاكتظاظ ولعددٍ من حالات التوقيف المديد، لكنّ تنفيذه يبقى مرتبطًا بعمل القضاء وحسم الملفّات العالقة. أمّا الإصلاح القضائي وتحقيق العدالة والمصالحة الوطنيّة، فمسارات متلازمة: إصلاحٌ يضمن المحاكمات ضمن مهلٍ معقولة، وعدالةٌ تحدّد المسؤوليّات وفق معايير موحّدة، ومصالحةٌ تستند إلى حسم الوقائع وحفظ حقوق الضحايا والموقوفين، لا إلى إبقاء الملفّات معلّقةً داخل المحاكم والسجون.

فالزنازين قد تفرغ اليوم، ثم تمتلئ غدًا، ما دام التوقيف أسهل من المحاكمة، وما دامت حقوق السجناء مقرونة بقانونٍ استثنائيّ كلّ بضعة عقود، بدل أن تحميها دولةٌ عاديّة كلّ يوم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث