يقف لبنان الرسمي في هذه الأيام أمام خيارات دقيقة. فهو يحاول المناورة بتجميد مشاركته في المفاوضات مع إسرائيل، تعبيراً عن انسداد الأفق في روما والإحباط مما يجري في الجنوب. إلا أن طاولة المفاوضات تبقى في الواقع خياره الإجباري والوحيد لمنع الذهاب نحو الانفجار.
ففيما لوّح الوفد اللبناني المفاوض برئاسة السفير السابق سيمون كرم بتجميد التفاوض، إلى حد توارد معلومات عن استقالة رفضها رئيس الجمهورية جوزاف عون، احتجاجاً على رفض إسرائيل وقف العدوان واشتراطها تفتيش 40% من بيوت جنوب الليطاني وتشكيكها بجهود الجيش، جاء موقف عون ليعيد رسم السقف السياسي بوضوح. فقد أكد رئيس الجمهورية صراحة أن "المفاوضات تحقق تقدماً وتظل في كل الأحوال أفضل من نتائج الحرب المدمرة علينا"، مراهناً على أن صيغة الإطار كفلت خفض حدة الاعتداءات، ومشدداً على عدم السماح ببقاء الاحتلال على أي شبر، مع إنهاء مقولة "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة" لمصلحة بناء الدولة واستقرار ابن الجنوب. وهذا الخيار يوضح أن تلويح لبنان بالتعطيل هو تكتيك لرفع السقف وتحسين شروط العودة، وليس قراراً فعلياً بالانكفاء.
ولكن ميدانياً، وعلى رغم الاعتراضات اللبنانية، واصلت إسرائيل اتباع سياسة الأرض المحروقة في الجنوب، إذ شهدت الساعات الماضية تصعيداً اتخذ طابعاً ممنهجاً. فقد أظهرت صور جوية دماراً واسعاً طال عبّارة مشروع ري القاسمية- رأس العين في المنصوري، ما يهدد بقطع شريان الحياة الزراعي عن الساحل الجنوبي، بالتوازي مع حرق بساتين سردة والوزاني وإضرام النيران في وطى الخيام. وفي الخضم، لم تتوقف التفجيرات الزلزلية التي تنفذها إسرائيل في الخيام والقنطرة ودير سريان وحداثا، مع توغل آليات باتجاه عيتا الجبل وإلقاء براميل متفجرة وقذائف على تلة الدبشة ومرتفعات علي الطاهر التي تشير التحركات إلى تمهيد إسرائيلي لاقتحامها، بعد رفض المقترح الأميركي بتسليم التلة إلى الجيش اللبناني، وسط استعدادات ميدانية متقابلة لمواجهة أي تقدم.
وفي ظل تأكيد هيئة البث العبرية ووسائل إعلام أميركية عدم تحديد أي موعد للجولة المقبلة من المفاوضات، تتجه الأنظار غداً الأربعاء إلى بيروت التي يصل إليها رئيس لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد. ويُنظر إلى زيارة كليرفيلد ولقاءاته المرتقبة مع الرئيس عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل كمحاولة أميركية جادة لرأب الصدع. وتزامن هذا الانتظار مع تفاؤل أبداه السفير الأميركي ميشال عيسى بتأكيده أن "المفاوضات تقدم حلاً جديداً في كل جولة".
وقال عيسى: "أنا متفائل أن المفاوضات ستساعد على حلحلة الأمور في لبنان والمنطقة. والرئيس الأميركي دونالد ترامب يحب لبنان ويهمه تحقيق السلام في لبنان".
ووفق المتابعات، فإن الاتصالات الجارية والتريث القائم يهدفان إلى بلورة مخرج يتجاوز الرفض الإسرائيلي لتوسيع المناطق النموذجية لتشمل الخيام وبنت جبيل والاتفاق على التشكيل الميداني للرقابة، بين إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، بما يفتح الباب لتحديد موعد رسمي للجولة الثامنة.
إذاً، يدرك لبنان الرسمي أن خيار التعطيل أو المقاطعة الشاملة لروما يبقى سلاحاً ذا حدين. فهو قد يبعث برسالة دبلوماسية ذات جدوى معينة، لكنه قد يُطلق يد إسرائيل في الجنوب بلا حسيب. ومن هنا، تتداخل لهجة بيروت التي تلوح بتجميد المشاركة مع الواقعية السياسية التي عبّر عنها عون. فلبنان هو صاحب المصلحة الأولى والحيوية في إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة لتجنب أي حرب لا تُحمد عقباها. وثمة رهان، وإن لم يكن واسعاً، على أن تكون زيارة كليرفيلد رافعة تنتشل المفاوضات من تعثرها وتجبر إسرائيل على التراجع عن تصلبها، ما يسمح بتحديد موعد الجولة المقبلة تحت مظلة الرعاية الأميركية.
خوف على تطيير العفو العام
مشهد ثانٍ لا يقل احتداماً عن ملف المفاوضات. إذ تتواصل الأزمة داخل الجلسة النيابية بعد فشل اللقاء بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام في التوصل إلى حلّ للخلاف حول مشاركة وزير الدفاع ميشال منسى وإلقائه كلمة تتضمن ملاحظات قيادة الجيش على قانون العفو العام. واستأنفت الجولة الثانية من الجلسة التشريعية العامة، بعد اكتمال نصابها بحضور 65 نائباً، فيما أفادت معلومات أنّ وزير الدفاع ميشال منسى لن يحضر الجلسة المسائية نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق بشأن إلقاء كلمته. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى بلبلة داخل المجلس، خصوصاً لناحية استمرارها أو تعطيلها لدى الوصول إلى مناقشة قانون العفو العام، أم أنه سيصار إلى تطيير النصاب.
وكانت الجلسة الصباحية شهدت على سجال حاد بين سلام ومنسى، وبحسب معلومات "المدن" طلب سلام من منسى عدم إلقاء كلمة تتضمن ملاحظاته على قانون العفو العام، إلا أن وزير الدفاع اعترض، مؤكداً أن لديه ملاحظات باسم المؤسسة العسكرية، وأنه في حال عدم إبداء رأيه والملاحظات، فسيسأله النواب عن موقف الجيش. إلا أن سلام تمسّك بموقفه، وقال لمنسى إنه لا يرغب في أن يكون عرضة للمساءلة من قبل النواب، وأن من صلاحياته أن يمنع منسى من الكلام.
وبحسب "المدن" تطوّر النقاش بين الطرفين إلى جدال حاد، بعدما أصر منسى على الدخول إلى الجلسة وإلقاء كلمته، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأصوات، وتوتر الأجواء داخل المجلس وتسبب بانقسام بين النواب، بين فريق أصرَّ على أن يتحدث وزير الدفاع ويعرض ملاحظات المؤسسة العسكرية، وآخر انتقد ما حصل واعتبر أن إلقاء الكلمة قد يعكس انقساماً في الموقف من قانون العفو.
وكان مجلس النواب أقر اقتراح القانون الرامي إلى الغاء عقوبة الإعدام معدلاً في لبنان بعد إدخال تعديل عليه قدمه النائب عبدالرحمن البزري وفقاً لإجماع 23 نائباً بأن تكون أشغالاً شاقة مؤبدة قبل إقرار هذا القانون وأشغالاً شاقة مؤبدة مشددة بعد إقرار هذا القانون.
اعتصام للقطاع العام في رياض الصلح
وخارج البرلمان، شهد الشارع على احتجاجات عدة. إذ انطلقت مسيرة من ساحة الشهداء في وسط بيروت، تضم العشرات من العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام نحو مدخل مجلس النواب، تزامناً مع انعقاد الجلسة العامة، تنفيذاً للإضراب والتحركات التي دعت اليها رابطة موظفي القطاع العام، رفضاً لقرار الحكومة تقسيط المفعول الرجعي عن الرواتب الستة لمدة سنة والمطالبة بتسديده دفعة واحدة.
وقبل التوجه إلى المدخل المؤدي إلى المجلس النيابي، تجمع المتظاهرون في ساحة رياض الصلح مقابل السرايا، حيث أطلقوا صيحات دعت رئيس الحكومة نواف سلام الى التراجع عن قرار الحكومة تقسيط الدفعات.
تزامناً، شهدت ساحة رياض الصلح تجمعًا للعشرات من لجان المستأجرين القدامى الذين دعوا لتجميد قانون الايجارات معتبرين أنه "قانون تهجيري لأصحاب الدخل المحدود".
كما شهدت ساحة رياض الصلح تجمعًا لذوي طلاب الطلبات الحرة لمطالبة الحكومة بتسوية أوضاعهم.




