استأنف مجلس النواب مساء اليوم الجولة الثانية من جلسته التشريعية العامة بعد اكتمال النصاب بحضور 65 نائباً، وسط استمرار التوتر الذي رافق الجلسة الصباحية على خلفية اقتراح قانون العفو العام والخلاف حول مداخلة وزير الدفاع ميشال منسى، قبل أن يرفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة إلى تمام الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر غد الأربعاء دون إقرار قانون العفو العام لعدم اكتمال النصاب بعد انسحاب عدد من النواب، على أن تُستكمل مناقشة البنود المتبقية.
ومع استئناف الجلسة، أقر مجلس النواب قانون الإعلام كما ورد من اللجان النيابية، من دون الأخذ بالتعديلات التي طُرحت خلال المناقشات، وأبرزها إلغاء المادة 104 المتعلقة بالملاحقة الجزائية على خلفية نشر أخبار كاذبة.
وأثار إقرار القانون بهذه الصيغة اعتراضاً واسعاً في الجسم الإعلامي، إذ أصدرت نقابة الصحافة اللبنانية بياناً دعت فيه جميع الصحافيين والمحررين والإعلاميين إلى الحضور إلى مقر النقابة عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر غد الأربعاء، للمشاركة في مؤتمر صحافي مشترك بين نقابتي الصحافة والمحررين.
وبحسب البيان، سيخصص المؤتمر لإعلان رفض القانون وإقرار خطة تحرك لمواجهته، دفاعاً عن حرية الإعلام والإعلاميين وصوناً لوحدة الجسم الإعلامي.
سلام يوضح ما حصل مع وزير الدفاع
ومع بدء الهيئة العامة مناقشة اقتراح القانون الرامي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، عاد ملف وزير الدفاع إلى الواجهة.
وتوجه رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري قائلاً: "معقول رئيس الحكومة يقول لوزير الدفاع ممنوع تحكي؟ هناك من قتلوا عناصر من الجيش، وفي وقت نتحدث عن حصر السلاح بيده يجب أن نستمع إليه".
بدوره، طالب النائب إبراهيم كنعان بالاستماع إلى وزير الدفاع باعتباره ينقل موقف قيادة الجيش، داعياً الحكومة ورئيسها إلى أخذ حساسية الملف في الاعتبار.
عندها تدخل رئيس الحكومة نواف سلام لحسم السجال، نافياً بصورة قاطعة أن يكون قد طلب من منسى عدم حضور الجلسة، ومؤكداً أن الخلاف اقتصر على الجهة التي تتولى التعبير عن موقف الحكومة أمام الهيئة العامة.
وقال سلام إن وزير الدفاع كان قد أعد كلمة حول قانون العفو، لكنه أبلغه بأنه سيتولى شخصياً الكلام باسم الحكومة عند طرح البند، استناداً إلى المادة 64 من الدستور التي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء "يمثل الحكومة ويتكلم باسمها".
وأضاف: "الحقيقة أن معالي وزير الدفاع كان قد أعدّ كلمة بموضوع قانون العفو، وببساطة أبلغت معاليه أنني سأتكلم باسم الحكومة عند طرح هذا البند، فلا يكون من داعٍ لأي كلام آخر، لا سيما أن دستور البلاد واضح".
ورداً على ما أثير بشأن منع منسى من الحضور، قال سلام إن هذا الكلام "افتراء باطل"، مؤكداً أن وزير الدفاع "صديق عزيز وله كل المودة والاحترام"، وأن كليهما يعمل وفق قاعدة التضامن الوزاري، قبل أن يضيف: "نحن مش 24 حكومة، وربما كان هذا جديد عليكم!".
وأوضح سلام أن موقف قيادة الجيش من اقتراح قانون العفو سبق أن عُرض أمام اللجان النيابية بواسطة وزير الدفاع، مشيراً إلى أن منسى لم يكتف بعرض الموقف شفهياً، بل سلم مذكرة خطية في هذا الشأن "حسب الأصول وبموافقتي"، وذلك قبل إقرار الصيغة النهائية للاقتراح الموجودة أمام الهيئة العامة.
ورفض رئيس الحكومة ما وصفه بالمزايدة على حرص الحكومة على المؤسسة العسكرية وشهدائها، مشيراً إلى الجهود التي بذلتها حكومته لتأمين الدعم للجيش وتجهيزه وتحسين أوضاع العسكريين ورواتبهم.
وشدد في الوقت نفسه على أن حرصه على الجيش يدفعه إلى رفض وضع المؤسسة العسكرية في مواجهة أي طرف لبناني أو تقديمها كأنها طرف في خلاف سياسي داخلي.
أما في ما يتعلق بموقف الحكومة من قانون العفو، فاختصره سلام بعبارة كررها ثلاث مرات: "العدالة، فالعدالة، فالعدالة"، مؤكداً أن الكلمة الفصل تبقى في النهاية لمجلس النواب.
وفي السياق نفسه عاد سلام وشدد على مبدأ فصل السلطات، قائلاً: "نحن لا نتدخل بعمل المجلس، وأطلب من النواب عدم التدخل بعمل الحكومة"، مضيفاً: "هناك مبدأ فصل السلطات، وفي حكومة وفي رئيس حكومة هو مشرف على عملها، ما حدا يطاول على صلاحيات الحكومة".
إلغاء عقوبة الإعدام وسجالات الجلسة الصباحية
وكانت الجلسة الصباحية قد شهدت توتراً كبيراً وسجالات مرتفعة اللهجة بين النواب، ولا سيما على خلفية قانوني إلغاء عقوبة الإعدام والعفو العام، إضافة إلى الخلاف بين سلام ومنسى.
ورفع بري الجلسة ظهراً إلى الساعة السادسة مساء، فيما قال نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب إن تعليقها جاء لإتاحة المجال أمام معالجة الخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع، مشيراً إلى اتصالات واجتماعات جرت في هذا الإطار.
وكانت معلومات قد تحدثت عن إصرار عدد من النواب على عودة منسى إلى الجلسة وإلقاء كلمته المتعلقة بموقف قيادة الجيش من قانون العفو، وصولاً إلى تلويح بعضهم بعدم العودة إلى الهيئة العامة قبل الاستماع إليه.
وفي سياق الجلسة نفسها، أقر المجلس قانون إلغاء عقوبة الإعدام بالأكثرية، مع إدخال تعديلات عليه، وسط اعتراض كتلة "الوفاء للمقاومة" وانسحاب نوابها من الجلسة.
واعتمد المجلس تعديلاً اقترحه النائب عبد الرحمن البزري يقضي باستبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد المشدد بالنسبة إلى الجرائم التي ترتكب بعد نفاذ القانون، فيما تستبدل العقوبة بالأشغال الشاقة المؤبدة في الجرائم المرتكبة قبل دخوله حيز التنفيذ.
ووصف وزير العدل عادل نصار إلغاء عقوبة الإعدام بأنه "خطوة تاريخية".
كما انسحب نواب "التيار الوطني الحر" من الجلسة لفترة، وعقدوا اجتماعاً خارج القاعة لبحث قضية وزير الدفاع، وسط موقف اعتبر أن منعه من التعبير عن رأي قيادة الجيش يشكل سابقة مرفوضة.
سجالات سياسية تحت قبة البرلمان
وكانت الجلسة قد انطلقت بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبحضور رئيس الحكومة نواف سلام، واستُهلت بالوقوف دقيقة صمت على رحيل نائب رئيس مجلس النواب السابق ميشال معلولي.
وخلال المداخلات، برزت اعتراضات سياسية على أداء الحكومة والسلطة في عدد من الملفات، إذ سأل النائب علي حسن خليل عن الخريطة التي نشرتها إسرائيل والخطوات التي اتخذها وزير الخارجية يوسف رجّي والحكومة، فيما انتقد النائب قاسم هاشم أداء السلطة حيال التطورات في الجنوب.
وطلب رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل من بري الدعوة إلى جلسة خاصة لمناقشة الحرب الدائرة في لبنان، متسائلاً عن غياب مناقشة هذا الملف داخل مجلس النواب.
وتحول النقاش لاحقاً إلى سجال بين الجميل والنائب حسين الحاج حسن، بعدما قال الجميل: "إذا السلطة هلقد ما بتسوى، ليه ما بيطلعوا من السلطة؟"، فرد الحاج حسن: "قاعدين ع قلبك، نحنا منعرف مع مين منقعد ومع مين منحكي ومش طالبين رأيك".
وتدخل بري طالباً من النواب عدم الرد على بعضهم.
وفي سجال آخر، سأل الجميل بري عن رأيه في إحدى القضايا المطروحة خلال النقاش، فرد رئيس المجلس: "ما بحقلك تستجوبني"، لينتهي السجال عند هذا الحد.
وبذلك، انتقلت الجلسة من خلاف حول قانون الإعلام إلى سجال دستوري وسياسي بشأن تمثيل الحكومة وموقف الجيش من العفو العام، وسط اعتراضات إعلامية على القانون الجديد، فيما بقي ملف العفو الاختبار الأبرز لاستمرار الجلسة ونصابها السياسي والنيابي.




