جلسة "تنفيس" للنواب... "شاهد ما شفش حاجة" وكواليس السجالات

نغم ربيعالثلاثاء 2026/08/11
Image-1786449734.Jpeg
كان الجنوب حاضرا بقوة في الجلسة الصباحية (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تبدأ الجلسة التشريعية بإيقاع تشريعي تقليدي. بدت في ساعاتها الأولى أقرب إلى جلسة "تنفيس" نيابية، فتح فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري الباب واسعاً أمام النواب ليقول كل منهم ما لديه، ويضع على طاولة المجلس ما تراكم لديه من ملفات وهواجس وملاحظات. ترك بري المداخلات تأخذ مداها، فانفرط جدول الجلسة إلى عناوين كثيرة، واتجه كل نائب إلى حيث ملفه: الجنوب عند بعضهم، والطلاب عند آخرين، والطب وامتحان الـOSCE للطلاب، والمجلس الدستوري، والحرب، وصولاً إلى قانون تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية العلوية.

ومن خارج هذه الملفات، سأل النائب وضاح الصادق عن سبب عدم إدراج مشروعين على جدول الأعمال، هما مشروع الرعاية الصحية لجميع اللبنانيين ومشروع "أمان" الذي يستفيد منه عدد كبير من اللبنانيين. أما جورج عدوان، فطالب بتعيين جلسة لانتخاب أعضاء المجلس الدستوري.

وسامي الجميل عاد إلى الموضوع الذي كان قد أثاره في الجلسة الماضية: لماذا لم تُحدَّد أي جلسة لمناقشة الحرب؟ وقال: "أتمنى تحديد جلسة ليشعر المجلس النيابي أنه السلطة العليا في البلد، ويراقب عمل الحكومة، ومن حقه أن يناقش ويسائل ويفرض حين يلزم الأمر".

وفي البند السابع، توقف النائب العلوي ناصر حيدر عند قانون تنظيم شؤون الطائفة الإسلامية العلوية في لبنان، مطالباً بإعادته إلى اللجان. أما بري، فوعد بأن "الأمور ستُحل حبيّاً" بينه وبين النائب أحمد رستم.

هكذا بدأت الجلسة: ملفات كثيرة، اتجاهات متباعدة، وكل نائب يحمل إلى القاعة ما يريد أن يقوله. لكن وسط هذا التشتت، سرعان ما عاد الجنوب إلى الواجهة.

 

الجنوب في صدارة المداخلات

كان الجنوب حاضرا بقوة في الجلسة الصباحية، النائب علي حسن خليل سأل الحكومة، ممثلة بوزير الخارجية يوسف رجي، عن الخطوات التي اتخذتها إزاء الخريطة التي نشرتها إسرائيل، والتي حُذفت منها مناطق من الجنوب اللبناني.

بدوره، لفت النائب قاسم هاشم إلى الحرائق التي يتعرض لها الجنوب، مطالباً الحكومة بالتحرك أيضاً.

أما النائب إلياس جرادي، فقال إنه لا ينبغي التعويل على وزير الخارجية في ما يتعلق بالملف الإسرائيلي وحذف أجزاء من الجنوب عن الخريطة.

من جهتها، قالت النائبة حليمة قعقور إن لبنان بات أمام "مشروع مستوطنات في الجنوب"، مطالبة بالتوجه إلى كل المحافل الدولية وتفعيل الدبلوماسية، ومعتبرة أن السلطة التنفيذية لم تُظهر حتى الآن أي تحرك أو موقف واضح. وقالت: "نحن كنواب "شاهد ما شفش حاجة" بما يتعلق باتفاق الإطار".

 

إلغاء عقوبة الإعدام... تمرير بلا سجال كبير

بعد هذا الاستعراض النيابي للملفات، انصبت الجلسة عملياً على إقرار قانون إلغاء عقوبة الإعدام مع التعديلات المقترحة عليه. ومرّ القانون من دون سجالات كبيرة، فيما بدا أن ما ظهر من نقاشات لم يخرج عن إطار السيناريو المُعد مسبقاً للجلسة، أو ما يشبه الهندسة السياسية التي أريد لها أن تمرر القانون بانسيابية.

وكان عدد كبير من النواب قد شارك في النقاشات، من بينهم إلياس حنكش، نبيل بدر، بولا يعقوبيان، سيمون أبي رميا، ملحم خلف، حليمة قعقور وغيرهم. وفي حين بدا أن غالبية المداخلات تؤيد إلغاء عقوبة الإعدام، جاءت التعليقات في معظمها تفصيلية وتتصل بكيفية تطبيق القانون وتوقيته.

وكان النائب جهاد الصمد الوحيد الذي أعلن رفضه إلغاء عقوبة الإعدام، قائلاً: "لن أشرّع أي تشريع يتعارض مع الشريعة الإسلامية".

وبعد نقاش دام نحو ساعة، صدّق مجلس النواب قانون إلغاء عقوبة الإعدام، مع اعتماد تعديل اقترحه النائب عبد الرحمن البزري، يقضي باستبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد المشدد بعد نفاذ القانون. أما الجرائم المرتكبة قبل نفاذ القانون، فتُستبدل فيها عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة.

لكن القانون لم يمر بإجماع نيابي. فالتيار الوطني الحر وكتلة الوفاء للمقاومة لم يوافقا عليه. ويعتبر حزب الله أن إقرار إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالأشغال الشاقة المؤبدة، قبل إقرار قانون العفو العام، يعني استفادة المحكومين بالإعدام من تخفيضين للعقوبة.

وبحسب هذا الموقف، قد يستفيد من ذلك المتهمون في تفجيرات الضاحية الجنوبية لبيروت.

وبعد التصويت، انسحب نواب التيار الوطني الحر من الجلسة لدقائق، قبل أن يعودوا ويشاركوا فيها.

 

الإعدام يفتح باباً لسجالات سياسية أخرى

لم يتوقف النقاش عند مضمون القانون نفسه. فقد دخلت الجلسة في سجالات سياسية أوسع.

النائب حسين الحاج حسن قال "إذا الهدف من هذا القانون إرضاء فئة، هناك فئة أرى سترفع الصوت، رح نروح بمشكلة مع الجيش".

فرد عليه النائب بلال الحشيمي: "والله هلأ صرتوا تفكروا بالجيش".

الحاج حسن وجّه كذلك انتقادات إلى الحكومة والسلطة في ما يخص اتفاق الإطار والتعيينات التي أُقرت أخيراً، سائلاً ما إذا كانت هذه السلطة "فقط معنية بالتفاوض ولا أي شيء آخر".

وهنا دخل سامي الجميل على خط السجال، قائلاً للحاج حسن: "ليش ما بتستقيلوا؟ استقيلوا".

فرد الحاج حسن "مش طالبين رأيك".

فأجابه الجميل: "ما تقعدوا مع عملاء".

فرد الحاج حسن:" ما إلك علاقة مع مين منقعد ومين لا، نحن منعرف".

عندها فضّ بري النقاش، فيما علّق الحاج حسن: "هو بلّش"، في حين قال الجميل "Petit Jardin".

 

قانون الإعلام... الاعتراض على تعديلات لم تصل إلى النواب

إذا مرّ قانون الإعدام بانسيابية نسبية، فإن قانون الإعلام كان له مسار مختلف. فقد بدأت ديباجته باعتراضات بالجملة على عدم إتاحة الوقت للنواب للاطلاع على نصه وتعديلاته، قبل أن يجد رئيس المجلس مخرجاً بتأجيل مناقشته إلى جلسة المساء.

القانون يتضمن تعديلات كثيرة، وكان قد جرى الاتفاق على عدد منها أمس خلال اجتماعات اللجنة الفرعية، إضافة إلى اجتماعات مع نقابة المحررين وجهات أخرى. إلا أن هذه التعديلات لم تُرسل إلى النواب مسبقاً للاطلاع عليها.

وفي بداية مناقشة البند الثاني، وُزعت الأوراق التي تتضمن التعديلات، وتلاها وزير الإعلام بول مرقص. لكن الاعتراضات سرعان ما بدأت، وكان أبرزها من النائب جبران باسيل، الذي قال: "لا يمكن أن نطلع على هذه التعديلات خلال المناقشة، وهي أكثر من أربع صفحات، ووزير الإعلام عم يغلط إنو يقبل هيك يصير".

ولحق اعتراض باسيل عدد من النواب. فقال وضاح الصادق: "في خوف إذا ما فهموه النواب ودرسوه نخسر التصويت"، واقترح أن يكون القانون أول بند في جلسة الأربعاء.

ووافقت قعقور على هذا الطرح، فيما قال إبراهيم الموسوي إنه "يجب إعطاء فرصة لدراسته"، وكذلك فعل إبراهيم منيمنة وجورج عدوان.

أما جيمي جبور، فقال إنه "لا يجوز أن نأتي ببنود معدلة ومتفق عليها ونصوّت".

في المقابل، اقترح آلان عون التصويت "مادة مادة كأننا في اللجان المشتركة".

أمام هذه الاعتراضات، رفع بري الجلسة وأرجأ مناقشة قانون الإعلام إلى السادسة مساء، قائلاً إن الهدف هو "حل قانون الإعلام وحل مسائل أخرى". 

وفي رفع الجلسة، بدا أن بري يترك أيضاً مساحة لمعالجة الخلاف الحاصل بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى حول قانون العفو العام. وكان منسى قد غادر المجلس النيابي، قبل أن يدخل نواف سلام الجلسة وغادرها في بداية الجلسة، وذلك للتناقش مع منسى.

 

العفو العام... البند المؤجل والاختبار الأصعب

وبالتوازي مع تأجيل قانون الإعلام، بقي قانون العفو العام معلقاً إلى جلسة السادسة، وسط ترقب لما يمكن أن تشهده المناقشات حوله. فإما أن يمر القانون بسلاسة، وإما أن يفتح باباً لنقاشات سياسية حادة، خصوصاً في ظل الخلافات القائمة حول توقيته ومضمونه وتقاطعه مع قانون إلغاء عقوبة الإعدام.

وهكذا، بدلاً من أن تكون الجلسة التشريعية محكومة بجدول أعمال واضح ومحدد، تحولت منذ ساعاتها الأولى إلى مساحة واسعة لتفريغ الملفات السياسية والنيابية المؤجلة: من الجنوب والخرائط الإسرائيلية والحرائق، إلى الحرب واتفاق الإطار، مروراً بإلغاء عقوبة الإعدام، وصولاً إلى قانون الإعلام والعفو العام.

 

وإذا كان القسم الأول من الجلسة قد مرّ بهدوء نسبي، فإن رفعها إلى السادسة أبقى الباب مفتوحاً أمام جولة ثانية، قد تكون أكثر سخونة، خصوصاً مع انتقال النقاش إلى قانون الإعلام والعفو العام، وهما بندان قادران على إعادة إنتاج الاصطفافات والسجالات نفسها داخل القاعة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث