الدولة لا تولد من تراجع حزب الله

مروان حربالثلاثاء 2026/08/11
علم حزب الله فوق أنقاض الجنوب (Getty)
حزب الله، في جانب أساسي من تجربته، نقيض للدولة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يبدو لبنان كأنّه يقف عند عتبة زمن سياسي جديد. لا لأنّ نظامه تغيّر، ولا لأنّ طبقته السياسية اهتدت فجأة إلى معنى الدولة وضرورات بنائها، بل لأنّ العالم الذي كان يحيط به تبدّل، ولأنّ موازين القوة التي حكمته لسنوات لم تعد على حالها. لبنان الذي جرى التعامل معه بوصفه "جبهة مساندة" يجد نفسه اليوم أمام احتمال تموضع مختلف في صراعات المنطقة، فيما تتراجع، للمرة الأولى منذ سنوات، قدرة حزب الله على فرض خياراته وعلى رسم الحدود التي تتحرك داخلها الدولة. لكنّ الخارج، حين يغيّر موازين القوى، لا يصنع بالضرورة واقعًا أفضل؛ هو يفتح بابًا فقط، أمّا ما وراءه فيتوقف على ما إذا كان الداخل قادرًا على العبور.

 

ما طرأ على لبنان حتى الآن هو، في أساسه، نتيجة عوامل لم يصنعها اللبنانيون بأنفسهم: حرب غيّرت موازين القوى، خسائر باهظة، دمار، وتحولات إقليمية ودولية. أمّا في الداخل، في المكان الذي يُفترض أن تبدأ فيه السياسة فعلًا، فليس واضحًا أنّ شيئًا جوهريًا قد تغيّر. آليات الحكم نفسها، الثقافة السياسية نفسها، والنظام نفسه الذي اعتاد أن يعيد إنتاج ذاته تحت أسماء وتحالفات وشعارات مختلفة. ولهذا فإنّ السؤال الحقيقي عن المرحلة المقبلة لا يتعلق بحزب الله وحده. فالعوامل الخارجية التي أضعفته اليوم قد تتغيّر غدًا، وما تمنحه موازين القوى في لحظة قد تسترده في لحظة أخرى. وحدها التحولات التي تحدث في بنية الدولة وفي مفهوم ونهج الحكم يمكن أن تتحول إلى مكاسب يصعب التراجع عنها.

 

كان حزب الله، في جانب أساسي من تجربته، نقيضًا للدولة. لكن إذا كان حزب الله نقيضًا للدولة، فهذا لا يعني أنّ الدولة هي بالضرورة نقيض حزب الله. فالدولة ليست نتيجة الفراغ الذي يظهر حين تنحسر قوة من يضعفها، والمؤسسات لا تولد تلقائيًا من عجز من كان يعطلها. تراجع حزب الله لا ينتج دولة؛ إنه فقط يجعل الدولة ممكنة. والممكن، بخلاف الحتمي، يمكن أن يولد ويمكن أن يُهدر. فغياب العائق لا يعني وجود البديل. يمكن للباب أن يُفتح من دون أن يعبر منه أحد. ويمكن للسلطة التي كانت عاجزة أمام قوة حزب الله أن تصبح أكثر قدرة بعد تراجعه، من دون أن تصبح أكثر عدلًا أو أكثر مؤسساتية أو أقل فسادًا. 

وفق ما نراه اليوم، لا يبدو أنّ شيئًا جوهريًا قد تغيّر بما يسمح بالقول إننا نتجه فعلًا نحو إعادة بناء المؤسسات، أو تغيير قواعد الحكم، أو تحرير الإدارة من المحاصصة والزبائنية. ما يظهر حتى الآن أقرب إلى إعادة توزيع للحصص التي انحسر عنها نفوذ حزب الله، وإلى استبدال مستفيدين بمستفيدين، وأزلام بأزلام، ومراكز نفوذ بمراكز نفوذ.

 

وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين تغيّر موازين القوى وقيام الدولة. صحيح أنّ استعادة الدولة لبعض وظائفها الأمنية، واتساع حضور الجيش والأجهزة الشرعية، وتراجع قدرة حزب الله على فرض معادلاته خارج المؤسسات، كلها تحولات مهمة. لكن اختزال عودة الدولة بالشق الأمني وحده هو اختزال لمعنى الدولة نفسها. فالدولة ليست فقط من يحمل السلاح، أو من ينتشر على الأرض، أو من يضبط الحدود. الدولة هي أيضًا كيف تُمارَس السلطة، وكيف تُدار المؤسسات، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف تُملأ الوظائف العامة، ولمن يخضع القانون. 

المعضلة التي تكشفها المرحلة الحالية هي أن إضعاف القوة التي استطاعت أن تكون أقوى من الدولة لا يكفي، إذا بقي من يحكم الدولة يتعامل معها بالطريقة نفسها. وبلغة محمد عابد الجابري، قد يتغيّر ميزان القوة فيما يبقى "منطق الغنيمة" على حاله. وهذا بالضبط هو الخطر اليوم: أن يتراجع من كان ينازع الدولة سلطتها الأمنية، من دون أن يتراجع من داخل الدولة منطق اقتسامها.

 

ولهذا، فإن ضعف حزب الله ليس سوى نصف التحول. أما النصف الآخر، وهو الأصعب، فيقع اليوم على عاتق السلطة نفسها: أن تثبت أنها لا تريد أن ترث المساحات التي تراجع عنها حزب الله، بل أن تعيدها إلى الدولة. فالدولة، في معناها الأعمق، لا تكون ملكًا للجميع إلا حين لا تكون ملكًا لأحد. وحين لا تصبح هذه الفكرة قاعدةً للحكم ومنهجًا في ممارسة السلطة، لن يكون لبنان قد عبر من زمن إلى آخر؛ سيكون قد تبدّل فيه ميزان القوى، فيما بقي منطق الحكم على حاله. وسيظلّ الخارج يصنع التحوّلات الكبرى، فيما يكتفي الداخل باقتسام نتائجها؛ تتبدّل موازين القوى من دون أن يمتلك اللبنانيون القدرة على بلورتها إلى تحوّل في موقع بلدهم، أو في شروط حياتهم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث