كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات حين خطر لي أنّ وليد جنبلاط أيضاً سيكتب مذكراته. كنتُ قد قرأتُ مؤلَّف المعلِّم كمال جنبلاط "من أجلِ لبنان" حينها ولم أكن أعلم أنّ النص الذي أمامي يختصر رؤيته للدولة والمجتمع والتغيير السياسي تركه قبل اغتياله. تماوجتُ كثيراً بين السيرة الشخصيّة للرجل والمفاهيم التي طرحها، ولكن فكرة السيرة بقيتْ معي فتذكرتُها، وأنا أقرأ سيرة الابن الماثلة أمامنا الآن.
لكن ماذا فعلَ وليد جنبلاط حين كتبَ مذكراته؟ ربما للوهلة الأولى، يبدو السؤال بسيطاً. رجلٌ عاش في السياسة لعقود، شهد الحروب والتحولات والانقلابات في المواقف. قرر أن يعدِّل في جلسته، ويعود قليلاً إلى الوراء ليكتب ما يتذكره. مذكرات سياسية، في معناها الأعمق، تتصل بالذاكرة بقدر اتصالها بالسلطة أيضاً، وربما بأحد أشكالها المتعلّقة بتحديد المعنى والأثر.
عاش وليد جنبلاط داخل الحدث. كان هو الحدث أيضاً وامتلكَ القدرة على التأثير فيه ومقاربته. الآن يتجه لرواية حياة سياسية طويلة. رواية من قلب الحرب والتسويات، ومن قلب التحالفات والقطيعة معها. الرجل الذي ورث اسماً سياسياً ثقيلاً، وذاكرة كمال جنبلاط والحركة الوطنية والجبل والحرب. لم يلبث أن صنع تجربته الخاصة في بلد لم يمنح سياسييه كثيراً من الوقت بين حدث وآخر كي يتأملوا فيما فعلوه. وهكذا يكونُ الابن مكمِّلاً لأبيه ومختلفاً عنه في الوقت نفسه.
يكتب وليد جنبلاط مذكراته، فينتقل إلى موقع آخر غير الذي اعتاده. صار ينظر إلى الحالة من خارجها. بعدما أصبحت بعض قراراته جزءاً من الماضي. تلك هي المسافة التي يصنعها الزمن ولا يمكن لها أن تكون تفصيلاً. وكأنّ الرجل اليوم في سبعينياته يعيد ترتيب الوقائع. وربما يمنح بعضها معنى لم يكن واضحاً لحظة حدوثها. يمكن أيضاً أن يعمل على وضع بعض خياراته في سياق أوسع مما كان متاحاً له يوم اتخذها.
وليد جنبلاط، طوال حياته السياسية، كان محكوماً باللحظة والطائفة. كان عليه أن يختار، أن يتحالف، أن ينسحب، أن يصطدم، أن يهادن، وأن يتخذ قرارات لا يملك دائماً رفاهية تفسيرها. كثير من مواقفه السياسية تبدو، في لحظتها، ضرورية أو مفهومة أو حتى بديهية، ثم تبدو بعد سنوات مختلفة تماماً. يستطيع الزمن بسهولة أن يفعل ذلك.
تتحول المذكرات بعد توافرها في كتاب للعوام إلى مساحة لم يكن وليد جنبلاط يملكها أثناء ممارسته السياسة. مساحة التفسير، وربما مساحة التبرير أيضاً. لكن التبرير لا يعني بالضرورة اعترافاً بالذنب. أحياناً يكون محاولة لانتزاع التجربة من الأحكام السريعة التي يصدرها التاريخ. هكذا نرى شيئاً من المرافعة في مذكرات وليد جنبلاط "قدر في هذا المشرق".
قطعاً لن تقدِّمَ المذكرات الحقيقة النهائية. هي شهادة. وخصوصية هذا الشهادة التي يقدِّمها ساكنُ المختارة في أن سيرته الشخصية تكاد تتقاطع مع مراحل أساسية من السيرة اللبنانية الحديثة. وهنا تحديداً تصبح المذكرات مثيرة. لطالما ارتبط جنبلاط بالقدرة على قراءة اللحظة، وعلى تعديل موقعه حين تتغير موازين القوى. ما بدا في لحظة ما انقلاباً في الموقف، قد يبدو بعد سنوات نتيجة منطقية لحسابات كانت نائمة في الخلفية. ما بدا تناقضاً قد يجد في المذكرات سياقه.
أن نقرأ اليوم مذكرات وليد جنبلاط لا يعني أن نتوقف ونتبنى رواية صاحبها أو تكذيبها. مذكراته وثيقة عن العصر الذي عاشه، لكنها في الوقت نفسه وثيقة عن صاحبها، عن نظرته إلى نفسه، وعن الصورة التي يريد أن تتركها تجربته خلفها. مذكراته، بهذا المعنى، لن تعيد الماضي كما كان. ربما لأنّ وليد جنبلاط الذي يكتب اليوم ليس نفسه الذي اتخذ القرار قبل عقود.
نقرأ هذه الشهادة ونجدُ مذكراتٍ هي حوار بين شخصين. السياسي الذي كانه، والسياسي الذي أصبح. وبين الاثنين مسافة من الأحداث والخيبات والانتصارات والوفيات والتحولات. ولعل أهمية المذكرات تأتي من طبيعة البلد الذي يكتب عنه والطائفة التي يمثّلها. بلد جنبلاط لم يتفق، حتى اليوم، على رواية واحدة لماضيه. لكلّ جماعة ذاكرتها، ولكل حزب روايته، ولكلّ حرب ضحاياها وأبطالها وخاسروها ومن يدّعي الانتصار فيها، حتى اللحظة.
حين نسمع رواية جنبلاط في كتابه وبلسانه، سنفكّر في الذاكرة الفردية والجماعية ولن نجدَ إجابة سهلة. ربما هنا تكون مذكرات الرجل السياسيّة في أقصى درجات السياسة. حين قدَّم إلينا ونحن نقرأ ونكتب بدورنا القراءة الأخيرة لها. لن تكون هذه الرواية الأخيرة لوليد جنبلاط سيتحدث في أوقات لاحقة وسنصغي كثيراً. نصغي بعد هذه الكلمات التي تركها الرجل للتاريخ. والتاريخ، في النهاية، يقارن ويشك ويستعيد ما غاب، وينظر إلى الصَّمت كما ينظر تماماً إلى الكلام.




