اعتبر مركز "ألما" الإسرائيلي أن مستقبل منطقة علي الطاهر بعد انتهاء العمليات العسكرية فيها سيشكّل اختباراً أساسياً لقدرة إسرائيل والولايات المتحدة على منع حزب الله من تحويل ما يصفه المركز بـ"الخسارة العسكرية" إلى رواية انتصار سياسية وإعلامية.
وفي تقرير نشره حول التطورات في المنطقة، رأى المركز أن السماح بعودة حزب الله إلى علي الطاهر أو إلى البنية التحتية الموجودة تحتها، بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، من شأنه أن يتيح للحزب تقديم ما جرى باعتباره نموذجاً جديداً لـ"الصمود"، بما يفرغ الإنجازات العسكرية الإسرائيلية من مضمونها على المدى البعيد.
وأشار "ألما" إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 8 آب، والتي تحدث فيها عن تحرك إسرائيلي واسع في لبنان، وخصّ بالذكر عملية في منطقة علي الطاهر وصفها بأنها "بالغة الأهمية"، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول طبيعتها.
وبحسب المركز، جاءت تصريحات نتنياهو بعد أسابيع شهدت سلسلة من التطورات العسكرية في محيط التلة، شملت غارات جوية وقصفاً مدفعياً واشتباكات على الأرض، إلى جانب تشديد الطوق على المنطقة ومحاولات إسرائيلية لمنع وصول الإمدادات إليها. كما أشار إلى استخدام حزب الله مسيّرات متفجرة خلال المواجهات، أصابت إحداها آلية هندسية إسرائيلية.
أهمية علي الطاهر
ويرى "ألما" أن أهمية علي الطاهر لا ترتبط فقط بموقعها الجغرافي، بل بالبنية العسكرية التي يقول إن حزب الله أنشأها تحت المنطقة خلال السنوات الماضية.
وبحسب روايته، تشكل التلة امتداداً طبوغرافياً لمنطقة قلعة الشقيف باتجاه الشمال الغربي، وتضم تحتها شبكة أنفاق يتجاوز طولها كيلومتراً، استُخدمت كمقر مركزي لما يسميه "وحدة بدر"، التي يعتبرها المركز إحدى الوحدات الميدانية الأساسية لحزب الله في الجبهة الجنوبية، ولا سيما في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني.
ويقول التقرير إن المجمع تحت الأرض يضم غرف قيادة وسيطرة ومستودعات ومواقع قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العناصر لفترات طويلة، إضافة إلى فتحات إطلاق مخفية.
كما تحدث المركز عن تقارير تفيد بمحاصرة عشرات من عناصر حزب الله داخل المجمع خلال العملية الإسرائيلية، لكنه أقر بعدم وجود معطيات تسمح حتى الآن بربط هؤلاء مباشرة بتصريحات نتنياهو بشأن قتل عناصر من الحزب خلال العمليات الأخيرة.
ويعتبر "ألما" أن منطقة النبطية، الواقعة غرب علي الطاهر، تشكل مركز ثقل عملياتي لحزب الله في الجنوب، وأن نطاق الشقيف–علي الطاهر كان من المناطق التي استثمر فيها الحزب على مدى سنوات في إنشاء مواقع قتالية ومنظومات قيادة وبنية تحتية تحت الأرض.
وبحسب التقرير، سبق أن تعرضت منشآت في المنطقة لضربات جوية إسرائيلية، إلا أن حزب الله تمكن لاحقاً من إعادة تأهيلها، وهو ما دفع المركز إلى القول إن منع إعادة استخدامها يتطلب عملية برية تصل إلى داخل المنشآت نفسها وتعمل على تدميرها بصورة شاملة.
ماذا بعد العملية؟
ومن هنا، يعتبر "ألما" أن السؤال المتعلق بمصير علي الطاهر في "اليوم التالي" يتجاوز مسألة السيطرة على مرتفع جغرافي أو بضعة كيلومترات إضافية داخل الأراضي اللبنانية، ليصبح مرتبطاً بمستقبل البنية العسكرية لحزب الله في المنطقة.
ويرى المركز أن خسارة الحزب القدرة على استخدام منطقتي الشقيف وعلي الطاهر، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية تحت الأرض، يمكن أن تمثل ضربة لأحد المراكز التي استثمر الحزب وإيران، بحسب التقرير، سنوات وموارد كبيرة في إنشائها.
لكن التقرير يحذر من أن السماح لعناصر الحزب الموجودين داخل الأنفاق بالخروج، أو تمكين الحزب لاحقاً من استعادة الوصول إلى المجمع، يمكن أن يحوّل ما تعتبره إسرائيل إنجازاً عسكرياً إلى مكسب دعائي كبير لحزب الله.
وبحسب قراءة "ألما"، لا يحتاج الحزب في هذه الحالة إلى إعلان انتصار رسمي أو رفع أعلام فوق التلة، إذ يكفيه أن يقدم للرأي العام رواية مفادها أن الجيش الإسرائيلي دخل المنطقة وخاض القتال ثم انسحب، فيما بقي عناصر الحزب وصمدوا وتمكنوا لاحقاً من العودة إلى مواقعهم.
ويرى المركز أن خطورة هذا السيناريو لا تقتصر على الجانب الإعلامي، إذ إن عودة حزب الله إلى المنطقة يمكن، بحسب تقديراته، أن تتيح له إعادة بناء شبكات القيادة والسيطرة ومستودعات الأسلحة وفتحات الإطلاق والمنشآت الموجودة تحت الأرض.
ويشير التقرير إلى أن العودة قد تبدأ، من وجهة نظره، تحت عناوين مدنية أو عبر تسليم المنطقة إلى جهة لبنانية رسمية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى استعادة الحزب حضوره فيها.
وفي هذا السياق، استشهد "ألما" بما قال إنها مؤشرات ظهرت في المنطقة التجريبية الأولى في زوطر الغربية، مع عودة جهات مرتبطة بحزب الله، من بينها "الهيئة الصحية الإسلامية" وجمعية "نتعاون"، وفق توصيفه.
وعليه، يعتبر المركز أن المعيار الأساسي لأي ترتيبات مستقبلية في جنوب لبنان يجب ألا يقتصر على بقاء الجيش الإسرائيلي في منطقة معينة أو انسحابه منها، بل على وجود آليات قادرة على منع حزب الله من العودة إلى المواقع والبنى التحتية التي فقدها، مع إمكانية التحقق من ذلك بصورة واضحة.
ويخلص "ألما" إلى أنه، حتى الآن، لا يرى وجود آليات موثوقة وكافية لتحقيق هذا الهدف.
ولا يدعو التقرير إلى بقاء إسرائيل في جميع المناطق التي تدخلها في جنوب لبنان إلى أجل غير محدد، لكنه يشدد على ضرورة ألا تُلغى، وفق تعبيره، نتائج العمليات العسكرية من خلال ترتيبات سياسية لا تتضمن آليات واضحة للتنفيذ والرقابة.
ويضع المركز منطقة علي الطاهر في صلب هذا الاختبار، معتبراً أنه إذا مُنع حزب الله من العودة إلى البنية التي بناها فيها خلال السنوات الماضية، فإن ذلك سيشكّل نتيجة عسكرية طويلة الأمد. أما إذا انسحبت القوات الإسرائيلية، ثم تمكن عناصر الحزب من العودة وإعادة بناء وجودهم في المنطقة، فسيكون قادراً، وفق "ألما"، على تحويل خسارته العسكرية إلى رواية عن "الصمود والانتصار".
ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل معنية بمنع تشكل مثل هذه الصورة، معتبراً أن ذلك ينسجم أيضاً، من وجهة نظره، مع مصالح الولايات المتحدة والدولة اللبنانية.




