تقف السلطة الرسمية في بيروت داخل نفق سياسيّ وأمنيّ حالك، حيث تتآكل جدوى التفاوض تحت أزيز الغارات والتفجيرات والقصف والتجريف والحرائق جنوبًا، وتزداد المسافة اتّساعًا بين اتّفاق الإطار والمناطق التجريبيّة، كنماذج صيغت على الورق، والواقع الميدانيّ الذي تفرضه إسرائيل بالحديد والنار على الأرض.
وأمام هذا الانسداد، لم يعد السؤال محصورًا بكيفيّة إدارة الدولة للجولات الروتينيّة المقبلة من التفاوض، بل بمدى قدرتها على إنتاج "المفاتيح السحريّة" التي يمكن أن تُخرجها من دور المتلاشي أمام الضغوط إلى دور الفاعل في إنقاذ الوضع.
تكمن عقدة لبنان الرسميّ في أنّه يخوض أكثر المفاوضات الأمنيّة والجغرافيّة صعوبة، وهو مكبّل بثنائيّة متعارضة: فمن جهة، يواجه ضغوطًا شرسة تمارسها إسرائيل، ميدانيًّا ودبلوماسيًّا، بغطاء أميركيّ. ومن جهة أخرى، يواجه رفض "حزب الله" التعامل مع أيّ مسار تفاوضيّ، خوفًا من الانكشاف أمام إسرائيل. وهذا الموقف أعاد تأكيده اليوم النائب علي المقداد، الذي قال: الآن بدأت تكتشف السلطة أنّ إسرائيل "غدرت بنا".
وهذا التناقض، والعجز عن المبادرة أمام إسرائيل وفي الداخل، حوّلا الدولة إلى "حَكَم" ضعيف الفاعليّة، يُطلب منه كلّ يوم إثبات جدارته الميدانيّة في تسلّم بلدات منكوبة ومجروفة ومهجّرة. ويقول الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط في هذا الصدد: "كنت من مؤيّدي الذهاب إلى التفاوض. لكنّ لبنان دخل المفاوضات بورقة ضعيفة، وكان ينبغي التمسّك بالاتّفاقيّات القائمة، وفي مقدّمها اتّفاقيّة الهدنة".
ويمكن أن يُقرأ توجّه لبنان الرسميّ إلى تعليق المشاركة في الموعد المرتقب للجولة الثامنة كمحاولة لإحداث "صدمة دبلوماسيّة". فمن الواضح أنّ إسرائيل تستغلّ جولات التفاوض لتكريس سياسة الأمر الواقع وإفشال اختبار "المناطق التجريبيّة". ولذلك، قد يكون موقف الاعتراض هو التكتيك الوحيد المتبقّي أمام لبنان الرسميّ لمحاولة استنفار الوسطاء الدوليّين، من خلال تحويل وضعيّة الاستنزاف الميدانيّ إلى "أزمة رعاية" دوليّة، تصبح فيها مصداقيّة الوسطاء على المحكّ، وتنقذ لبنان من التفرّد الإسرائيليّ.
في داخل النفق الذي تتخبّط فيه الدولة، لا ملامح لمنافذ تُفتح، ولا لمعجزات تفاوضيّة. لكنّ التحدّي هو أن تتمكّن الدولة من إعادة تعريف دورها: هل تبقى مجرّد مقاول أمنيّ فوق الركام، أم تتحوّل إلى سلطة تبادر في الداخل وفي الجنوب؟
تفاوضٌ بلا وظيفة سياسيّة
لم تعد المشكلة في تعثّر جولة أو تأجيل موعد، بل في تغيّر وظيفة التفاوض نفسه. فالطاولة التي دخلها لبنان على أساس أنّها وسيلة لوقف الأعمال العسكريّة، وتثبيت الانسحاب، وإعادة السكّان، تحوّلت تدريجيًّا إلى إطار يواكب العمليات الإسرائيليّة من دون أن يقيّدها. تجتمع الوفود، تُطرح التصوّرات، وتُناقش الخرائط، فيما تواصل إسرائيل إنتاج خريطتها الخاصّة بالنار والتجريف ونسف المنازل.
هكذا، لم تعد الوقائع الميدانيّة نتيجةً لفشل التفاوض فحسب، بل أصبحت أداةً داخل التفاوض. تستخدم إسرائيل الضغط العسكريّ لتحسين موقعها السياسيّ، وتتعامل مع كلّ جولة بوصفها فرصةً لرفع سقف مطالبها، لا لتقديم تنازل مقابل. أمّا لبنان، فيدخل الجولات مطالبًا بتنفيذ ما كان يُفترض أن يكون أصلًا قاعدةً لها: وقف الأعمال القتاليّة، إنهاء عمليات الهدم، الانسحاب من الأراضي المحتلّة، ومنح المناطق التجريبيّة فرصةً فعليّة للحياة.
وهنا يظهر اختلال القوّة بوضوح. إسرائيل تفاوض على ما ستأخذه، فيما يفاوض لبنان على وقف ما يتعرّض له. هي تحدّد إيقاع الميدان وتترك للدبلوماسيّة مهمّة إدارة نتائجه، بينما يحاول لبنان استخدام الدبلوماسيّة لتعويض عجزه عن تغيير الميدان. لذلك، يصبح استمرار التفاوض بالشروط نفسها نوعًا من تدوير الأزمة، لا مسارًا لحلّها.
المناطق التجريبيّة أم إدارة الركام؟
قُدّمت فكرة "المناطق التجريبيّة" باعتبارها اختبارًا مصغّرًا لإمكان الانتقال من الحرب إلى الاستقرار: تنسحب إسرائيل، ينتشر الجيش اللبنانيّ، يعود السكّان، وتبدأ إعادة الإعمار. لكنّ التطبيق كشف تناقضًا جوهريًّا، إذ تريد إسرائيل من الدولة اللبنانيّة أن تثبت قدرتها الأمنيّة، فيما تُبقي هي لنفسها حقّ تنفيذ الغارات والتوغّلات والتفجيرات متى شاءت.
بهذا المعنى، لم تعد المنطقة التجريبيّة نموذجًا للسيادة، بل امتحانًا للدولة تحت الوصاية الناريّة الإسرائيليّة. يُطلب من الجيش أن يتسلّم أرضًا دمّرتها إسرائيل، وأن يضمن أمنها، وأن يمنع أيّ نشاط مسلّح فيها، من دون أن يحصل في المقابل على ضمانة تمنع إسرائيل من العودة إليها أو استهدافها. أي إنّ لبنان يتحمّل الالتزامات، بينما تحتفظ إسرائيل بحرّيّة خرق النموذج وإسقاطه.
ويتّضح ذلك أكثر مع رفض إسرائيل الانسحاب من نقاط إضافيّة، على الرغم من المطالبات الأميركيّة المنسوبة إلى قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة، براد كوبر. فالرفض الإسرائيليّ لا يعرقل توسيع المناطق التجريبيّة فقط، بل يضرب الفرضيّة التي بُنيت عليها، ومفادها أنّ النجاح الأمنيّ اللبنانيّ سيقابله انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ.
الحاصل هو العكس: كلّما تقدّم لبنان خطوةً في تنفيذ المطلوب منه، رفعت إسرائيل معايير الاختبار أو أعادت رسم حدوده. وبدل أن تكون المناطق التجريبيّة مدخلًا إلى انسحاب شامل، يُخشى أن تتحوّل إلى جيوب منفصلة تُدار تحت التهديد، ويُستخدم نجاح الجيش فيها للمطالبة بالمزيد من الإجراءات الداخليّة، من دون أيّ مقابل إسرائيليّ واضح.
رعاية أميركيّة بلا قدرة على الإلزام
تكشف المفاوضات أيضًا أزمةً في طبيعة الرعاية الأميركيّة. فالولايات المتّحدة تمارس ضغطًا مباشرًا على لبنان لتوسيع انتشار الدولة، وضبط الحدود، وحصر السلاح، والانتقال إلى ترتيبات أكثر استدامة. لكنّها، في المقابل، لا تستخدم الثقل نفسه لإلزام إسرائيل بوقف الغارات والانسحاب وإنهاء سياسة التجريف.
المشكلة، إذًا، ليست في غياب الوسيط الأميركيّ، بل في اختلال وظيفته. فالوسيط الذي يطالب الطرف الأضعف بتنفيذ التزاماته، ولا يمنع الطرف الأقوى من تعديل قواعد اللعبة بالقوّة، يتحوّل عمليًّا إلى مديرٍ للتفاوت، لا ضامنٍ للاتّفاق. وحين ترفض إسرائيل طلبًا أميركيًّا بالانسحاب من نقاط إضافيّة، ثمّ تواصل عملياتها، يصبح السؤال متّصلًا بمدى رغبة واشنطن في الإلزام، لا بقدرتها عليه فقط.
من هنا تكتسب فكرة تعليق المشاركة في الجولة الثامنة معناها. فالخطوة، إذا اتُّخذت، لن تكون انقلابًا على خيار التفاوض، بل اعتراضًا على تحوّله إلى غطاء للاستنزاف. وقد تدفع واشنطن إلى الاختيار بين حماية مصداقيّة المسار الذي ترعاه، أو تركه ينهار تحت وطأة الرفض الإسرائيليّ.
لكنّ فاعليّة التعليق تبقى مشروطة بطريقة استخدامه. فإذا جاء بوصفه ردّ فعل مؤقّتًا، ثمّ عاد لبنان إلى الطاولة من دون انتزاع أيّ تعديل، فسيتحوّل إلى تهديد فارغ. أمّا إذا ارتبط بشروط محدّدة، كوقف شامل للأعمال القتاليّة، ووقف الهدم والتجريف، وتثبيت منطقة تجريبيّة جديدة في الخيام أو بنت جبيل، فقد يصبح أداةً لإعادة التوازن إلى المسار.
الدولة و"حزب الله": مأزق الشرعيّة والقرار
لا يقتصر ضعف الموقف اللبنانيّ على التفاوت مع إسرائيل، بل يبدأ من الداخل. فالدولة تدخل التفاوض من دون إجماع وطنيّ واضح على أهدافه وحدوده، فيما يتعامل "حزب الله" معه بريبة، ويعتبر أنّ السلطة بنت حساباتها على ضمانات أميركيّة أثبتت الوقائع هشاشتها. وتصريح المقداد عن اكتشاف السلطة أنّ إسرائيل "غدرت بنا" لا يكتفي بانتقاد إسرائيل، بل ينطوي على إدانة ضمنيّة للمسار الرسميّ وللرهان الذي قام عليه.
غير أنّ الحزب، في المقابل، لا يقدّم للدولة بديلًا سياسيًّا قابلًا للتنفيذ. فالتحذير من التفاوض لا يوقف الغارات، والتمسّك بمعادلات فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها الردعيّة لا يعيد السكّان ولا يمنع التجريف. وهكذا، يصبح لبنان عالقًا بين مسار رسميّ عاجز عن انتزاع الضمانات، وقوّة سياسيّة وعسكريّة ترفض هذا المسار من دون أن تطرح مخرجًا متكاملًا منه.
هذه الازدواجيّة تمنح إسرائيل فرصةً إضافيّة. فهي تستطيع مطالبة الدولة بنزع السلاح، ثمّ استخدام وجوده ذريعةً لاستمرار احتلالها وعملياتها. وفي الوقت نفسه، يتيح الخلاف الداخليّ تصوير لبنان كطرف غير قادر على اتّخاذ قرار أو تنفيذ التزام. لذلك، لا يمكن تحسين شروط التفاوض من دون تفاهم داخليّ يعيد حصر القرار بالدولة، لكنّه يربط ذلك أيضًا بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها، ضمن روزنامة متقابلة لا تفرض التزامات أحاديّة على لبنان.
تعليق الجولة: ورقة أخيرة أم اعتراف بالعجز؟
قد يشكّل تعليق الجولة الثامنة أوّل محاولة لبنانيّة لكسر الإيقاع الذي فرضته إسرائيل، لكنّه ليس في ذاته سياسةً كاملة. فالانسحاب من الطاولة لا يبدّل ميزان القوّة تلقائيًّا، وقد تستخدمه إسرائيل للتخلّص من القيود الشكليّة القليلة المتبقّية. لذلك، يحتاج لبنان إلى نقل الخطوة من مستوى الامتناع إلى مستوى المبادرة.
المبادرة تعني صياغة شروط علنيّة وواضحة للعودة، والطلب من الجهة الأميركيّة الراعية إعلان موقف صريح منها، وتوسيع دائرة التحرّك إلى الأمم المتّحدة والدول المعنيّة بالاستقرار، وتوثيق عمليات الهدم والتجريف بوصفها تغييرًا منهجيًّا للوقائع الجغرافيّة، لا حوادث أمنيّة منفصلة. وتعني، في الداخل، إنتاج موقف موحّد يحدّد ما يقبله لبنان وما يرفضه، بدل أن تواصل كلّ جهة إدارة أزمة مختلفة.
فالخيار ليس بين تفاوض مفتوح بلا نتائج وبين العودة إلى الحرب. ثمّة مساحة سياسيّة بينهما، تبدأ برفض التفاوض تحت النار، وتمرّ بإعادة الاعتبار إلى اتّفاقيّة الهدنة والقرارات الدوليّة، ولا تنتهي عند مطالبة الراعي الأميركيّ بضمانات قابلة للقياس والتنفيذ.
لبنان لا يحتاج إلى "مفاتيح سحريّة" بقدر ما يحتاج إلى سلطة تعرف أيّ باب تريد فتحه، وبأيّ أوراق، وتحت أيّ شروط. أمّا استمرار الوضع الحاليّ، فيعني بقاء الدولة في دور "المقاول الأمنيّ"، تتسلّم الأرض بعدما تُدمَّر، وتدير عودةً مؤجّلة للسكّان، وتحصي الخسائر التي يصنعها الآخرون. والمشكلة أنّ الركام، حين يتحوّل إلى قاعدة للتفاوض، لا يبقى نتيجةً للحرب فقط، بل يصبح شكلًا جديدًا من أشكال السياسة.




