على وقع تفجيراتٍ وقصفٍ مدفعيّ وعمليّات نسفٍ وإحراقٍ طاولت عددًا من قرى جنوب لبنان، صعّدت إسرائيل اعتداءاتها الميدانيّة مساء اليوم، فنفّذت تفجيرًا عنيفًا في مشاع بلدة المنصوري بالتزامن مع قصفٍ مدفعيّ استهدف البلدة، وأحدثت تفجيرًا آخر بين دير سريان والطيبة. ويأتي هذا التصعيد فيما يزداد المسار التفاوضيّ تعثّرًا، بعد رفض إسرائيل مطلبًا أميركيًّا بالانسحاب من منطقة تجريبيّة جديدة، وفي ظلّ غياب أيّ موعدٍ محدّد للجولة المقبلة من المفاوضات. وفي موازاة ذلك، أفادت القناة 12 الإسرائيليّة بإصابة جنديّ إسرائيليّ بجروحٍ متوسّطة جرّاء "حادث عملانيّ" في جنوب لبنان.
في المقابل، أفاد مسؤول في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، في حديثٍ صحافيّ، بأنّ المحادثات بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركيّة، ستتواصل في روما مطلع الشهر المقبل. وأشار إلى أنّ مجموعة التنسيق العسكريّ ستواصل العمل على تنفيذ المناطق التجريبيّة الأولى، لافتًا إلى أنّ طرفَي المفاوضات يواجهان قيودًا سياسيّة تعمل واشنطن على معالجتها بصورة منهجيّة. وشدّد المسؤول الأميركيّ على أنّ مسار المفاوضات لا يزال إيجابيًّا، نافيًا وجود تباطؤ من أيّ طرف في تنفيذ الاتفاق.
رهانٌ لبنانيّ
ويواصل لبنان الرهان على ضغط واشنطن لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة، وتلبية مطالبه بوقف الحرب والتفجيرات الضخمة والانسحاب من منطقة تجريبيّة ثانية في الجنوب.
وينتظر لبنان وصول وفد اللجنة الأمنيّة والعسكريّة المكلّفة بالإشراف على تنفيذ "اتفاق الإطار" إلى بيروت، للاطّلاع منه على جواب إسرائيل بشأن الانسحاب من منطقة تجريبيّة ثانية.
ويأتي ذلك بعدما زار قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة "سنتكوم"، الأدميرال براد كوبر، إسرائيل، حيث أجرى مباحثات مع رئيس الأركان الإسرائيليّ إيال زامير وعدد من كبار مسؤولي الجيش.
ونقلت القناة 13 الإسرائيليّة أنّ كوبر طلب من إسرائيل الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان. غير أنّ القناة نفسها تحدّثت عن تعمّق الخلافات بين تل أبيب وواشنطن، على خلفيّة ما وصفته بـ"الضغوط الأميركيّة المتزايدة" لدفع إسرائيل نحو إنهاء القتال على ثلاث جبهات، هي غزّة ولبنان وإيران.
ونقلت القناة عن مصادر سياسيّة قولها إنّ كوبر حمل، خلال زيارته الأخيرة إلى إسرائيل، رسالة مفادها أنّ واشنطن تريد إحراز تقدّم نحو "إغلاق الجبهات الثلاث".
واشنطن تطلب الانسحاب من نقاط إضافيّة
وبحسب القناة، تريد الولايات المتّحدة انسحابًا إسرائيليًّا من نقاط إضافيّة داخل ما تسمّيه إسرائيل "المنطقة الأمنيّة" في جنوب لبنان، كما تضغط باتجاه إحراز تقدّم في قطاع غزّة وإدخال قوّة متعدّدة الجنسيّات تضمّ حاليًّا مئات الجنود من المغرب وأوغندا.
وأشارت إلى أنّ مسؤولين أمنيّين إسرائيليّين احتجّوا، خلال الأيام الأخيرة، أمام المستوى السياسيّ على المطالب الأميركيّة. ونقلت عن ضابط كبير في الجيش الإسرائيليّ قوله إنّ الرسالة الأميركيّة الموجّهة إلى المؤسّسة العسكريّة تتمثّل في "التقدّم نحو إغلاق الساحات الثلاث".
وتأتي هذه التطوّرات في ظلّ اتّساع التباينات بين مواقف الحكومة الإسرائيليّة والإدارة الأميركيّة بشأن مسار الحرب والعمليّات العسكريّة في المنطقة.
نتنياهو: نعرف كيف نتصدّى للأفكار الأميركيّة
وفي تعليقه على الضغوط الأميركيّة، قال رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو: "لدى الأميركيّين أفكار، بعضها مقبول لدينا وبعضها الآخر غير مقبول، ونحن نعرف كيف نتصدّى لها. لقد أثبتنا ذلك في الماضي ونثبته اليوم".
وأضاف: "سيواصل الجيش الإسرائيليّ إحباط التهديدات الموجّهة ضدّ قوّاتنا ومواطنينا".
وفي ما يتعلّق بلبنان، قال نتنياهو: "في لبنان أيضًا نسمع شائعات شتّى. أودّ أن أوضح أنّ إسرائيل قامت، في الأيام الأخيرة، بعمل حازم في لبنان، حيث قضت على إرهابيّين، بمن فيهم من كانوا في مرتفعات علي الطاهر، ولا يمكنني الخوض في تفاصيل ذلك".
وأشار إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ يخوض عمليّة وصفها بأنّها "بالغة الأهميّة"، ويستخدم قوّته وقدراته الاستخباراتيّة للقضاء على التهديدات.
مستشار نتنياهو: إسرائيل ستتحرّك بمفردها
من جهته، قال مستشار رئيس الوزراء الإسرائيليّ دميتري غيندلمان إنّ الحكومة اللبنانيّة فشلت حتّى الآن في نزع سلاح حزب الله، على الرغم من تعهّدها، وفق زعمه، بإنجاز ذلك بحلول نهاية عام 2025.
وجاء كلام غيندلمان تعليقًا على البيان الذي أدلى به نتنياهو بشأن لبنان خلال الاجتماع الأسبوعيّ للحكومة الإسرائيليّة.
وقال المستشار لوكالة "تاس" إنّ إسرائيل ستواصل، لهذا السبب، البقاء في ما وصفه بـ"المنطقة العازلة"، وستتحرّك لاحقًا بمفردها.
وأضاف: "المنطق الإسرائيليّ بسيط؛ فقد التزمت الحكومة اللبنانيّة، منذ عام 2025، بنزع سلاح حزب الله قبل حلول نهاية العام، لكنّها لم تنجز ما وعدت به. وبناءً على ذلك، ستظلّ إسرائيل في المنطقة الأمنيّة لتفكّك بنفسها هذه البنية التحتيّة للإرهاب".
واعتبر غيندلمان أنّ تصريح نتنياهو "ليس مجرّد خطابات رنّانة، بل يستند إلى خطوات ملموسة نُفّذت خلال الأسابيع الأخيرة"، مشيرًا إلى ما وصفه بالسيطرة على تلة علي الطاهر التي تضمّ مركز قيادة لحزب الله، وتفجير مجمّع أنفاق تحت قلعة الشقيف، فضلًا عن عمليّات يوميّة لتفكيك البنية التحتيّة للحزب واغتيال عناصره.
إسرائيل تحذف الخريطة من صفحة وتبقيها على أخرى
وفي سياق آخر، حذفت وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة، بعد الجدل والاحتجاج اللبنانيّ الرسميّ، خريطة ظهرت فيها أجزاء من جنوب لبنان مضمومة إلى الأراضي الإسرائيليّة، من صفحتها الرسميّة الناطقة بالإنجليزيّة على منصّة "إكس".
غير أنّ الخارجيّة الإسرائيليّة أبقت الخريطة الإحصائيّة على صفحتها الرسميّة "إسرائيل بالعربيّة"، حيث يظهر اقتطاع واضح لأجزاء واسعة من جنوب لبنان، ودمجها بصريًّا وتلوينها بالكامل ضمن حدود إسرائيل.
وكانت الخارجيّة الإسرائيليّة قد نشرت، في السادس من آب، خريطة تتناول سوء التغذية لدى الأطفال، ظهر فيها لبنان من دون أجزاء من جنوبه، بعدما دُمجت ضمن المساحة المرسومة لإسرائيل.
وجاءت الخريطة في سياق عرض بيانات عن معدّلات سوء التغذية الحادّ بين الأطفال في الشرق الأوسط، مستخدمةً ألوانًا وبيانات إحصائيّة لمقارنة الأوضاع الغذائيّة في عدد من الدول.
إلّا أنّ طريقة رسم الحدود أثارت احتجاجات وانتقادات لبنانيّة، بوصفها تتضمّن تغييرًا بصريًّا لحدود لبنان وإظهار مناطق لبنانيّة ضمن نطاق الأراضي الإسرائيليّة.
كما أثار المنشور تساؤلات بشأن دلالات الخريطة والرسالة الكامنة خلفها. ورأى حزب الله أنّ نشر الخارجيّة الإسرائيليّة خريطة تضمّ جنوب لبنان إلى أراضيها يشكّل دليلًا على "أطماع" تل أبيب في ثروات لبنان، داعيًا إلى وقف التفاوض المباشر.
غارات وقذائف حارقة في الجنوب والبقاع الغربيّ
ميدانيًّا، شنّت القوّات الإسرائيليّة سلسلة اعتداءات على عدد من البلدات والمناطق في الجنوب، مستخدمةً أسلحة حارقة تسبّبت في اندلاع حرائق واسعة.
وشنّت الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة غارة على بلدة المنصوري، فيما قصفت المدفعيّة بقذائف ثقيلة تلة علي الطاهر والمنطقة الواقعة بين زوطر وميفدون، إضافة إلى أراضي المنصوري.
كذلك ألقت مسيّرة إسرائيليّة قذائف حارقة أدّت إلى اندلاع نيران التهمت مساحات واسعة من البساتين والمناطق الجبليّة في البقاع الغربيّ، ممتدّةً من نيحا إلى كفرحونة. كما ألقت مسيّرة إسرائيليّة أخرى مواد متفجّرة في منطقة تلة علي الطاهر.




