حين يصبح النصر عبئاً: مأزق الحروب الحديثة

رأيفراس العريضيالاثنين 2026/08/10
الجنوب ركام علم حزب الله (Getty)
هل أنتجت الحرب واقعاً سياسياً أفضل هل تراجعت التهديدات الحقيقية(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الفكر العسكري التقليدي، ثمة معادلة بسيطة طالما بدت بديهية: تخوض الحرب، تنتصر، وتحصد المكاسب. غير أن تجارب العقود الأخيرة كسرت هذه المعادلة، وأثبتت أن النصر في الميدان لا يعني بالضرورة نجاحاً في السياسة. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كيف تكسب الحرب؟ بل كيف توظف ذلك استراتيجياً؟

 

كيف يخسر المنتصر؟

يُقاس الانتصار العسكري عادة بمعايير ملموسة: السيطرة على الأرض، تدمير منظومات العدو وقدراته القتالية. أما النجاح الاستراتيجي فمعياره مختلف تماماً: هل أنتجت الحرب واقعاً سياسياً أفضل؟ هل تراجعت التهديدات الحقيقية؟ هل الموقع الدولي او الإقليمي للمنتصر بات اقوى؟

في الحروب الحديثة تحقيق الهدف الأول بات أسهل من الوصول إلى الثاني. فإسقاط القدرات العسكرية للخصم قد يكون ابسط من معالجة نتائج ذلك مثل: إدارة الفراغ الذي تخلّفه الحرب، والخلل في التوازنات الإقليمية، والواقع الإنساني أو الديموغرافي الذي نتج على الأرض. فأثمان الحروب لا تنتهي بتوقف المعارك، بل ربما تبدأ تكلفة من نوع مختلف قد تكون أشد إرهاقاً. 

أولها عبء الاستنزاف. فمع مرور الوقت، تتآكل الجهوزية العسكرية، وترتفع الفاتورة الاقتصادية، ويبدأ الدعم الشعبي بالتراجع. الحرب التي انتهت رسمياً قد تظل مفتوحة في تداعياتها سنوات وعقوداً. وهو ما يُعرف إستراتيجياً بالفارق بين "كسب المعركة" و"تحقيق السلام"، حيث تذوب الإنجازات العسكرية في تعقيدات الجغرافيا السياسية.

اما العبء الأكبر الذي يرهق حروب اليوم فهو أنها تدار بخطط عسكرية في الميدان، ونرجسية سياسية في الإعلام، تتمثل برفع سقف الأهداف والمبالغة في التوقعات، وعدم احترام القاعدة الأهمّ في الحروب وهي: إعرف عدوك ولا تقلل من شأن قدراته. هنا تجد آلة الحرب نفسها عاجزة عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية المعلنة رغم التفوق في الميدان، وبالتالي يجد صانع القرار نفسه في مواجهة رأي عام لا يرحم، وخصم لن يتوانى عن استغلال الواقع ليقلب الموازين. فالجيوش قد تحقق نجاحات تكتيكية متتالية في الميدان، فيما تتآكل البيئة السياسية التي يفترض أن تترجم هذه النجاحات إلى مكاسب دائمة. وهذه المعضلة ليست استثناء في تاريخ الحروب الحديثة، بل باتت قاعدة.

 

إستراتيجية "الردع المؤقت"

ولعل أبرز الحجج المضادة لهذه المقاربة تتمثل في القول إن بعض الحروب لا تهدف أصلاً إلى بناء واقع سياسي جديد، وإن صانع القرار في الحروب الحديثة لا يبحث دائماً عن استقرار سياسي دائم، بل قد يكتفي بإستراتيجية "تحقيق الردع"؛ أي تدمير مقدرات الخصم لإعادته سنوات إلى الوراء وتعطيل مشروعه. لكن حتى هذا الخيار يظل مؤقتاً، إذ سرعان ما ينهض المشروع مجدداً، ما لم يقترن الإنجاز العسكري بإطار سياسي يمنع الخصم من إعادة بناء قدراته.

 

عصر الانتصارات غير المكتملة

ومع أن الحروب النظامية (دولة ضد دولة) لا تزال قادرة على تحقيق حسم عسكري يتبعه فرض شروط المنتصر، إلا أن المأزق الحقيقي يتبدّى في الحروب غير النظامية، حيث معظم الحروب الحديثة لم تعد تنتهي بمعاهدات واضحة واستسلام رسمي، إذ إن أطرافاً أساسيين فيها هم مليشيات وتنظيمات مسلحة، لا يُهزمون بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. 

يُضاف إلى ذلك أن الإعلام والتواصل الفوري باتا يمنعان أي طرف من احتكار رواية النصر. ما كان يُصاغ تاريخياً كانتصار ساحق، يتحول اليوم في لحظات إلى موضع جدل ونقاش على الشاشات ومنصات التواصل، خصوصاً أن المجتمعات باتت أكثر حساسية تجاه الثمن البشري والاقتصادي للحروب.

في نهاية المطاف، الهدف من الحرب ليس الانتصار بحد ذاته، بل إنتاج واقع سياسي أفضل. وهذا يعني أن كل قرار بالحرب يجب أن يترافق مع تصور واضح ومتكامل لليوم التالي: من يملأ الفراغ؟ كيف تُدار المرحلة الانتقالية؟ ما الهيكل السياسي المستهدف؟

غياب هذه الرؤية هو ما حوّل انتصارات عديدة في التاريخ الحديث إلى مستنقعات، كما حدث مع أمريكا في العراق وأفغانستان، أو إسرائيل في غزة ولبنان وفي سياق موازٍ، تعيش روسيا في أوكرانيا مأزقاً من نوع آخر، حيث تحولت الحرب النظامية إلى استنزاف متبادل يعطل الوصول إلى لحظة الحسم أصلاً.

في عالم تتراجع فيه الحروب الحاسمة، لم يعد السؤال الأهم: من ربح المعركة؟ بل كيف وظّف انتصاره؟ فالقوة العسكرية قادرة على فتح الأبواب، لكنها كثيراً ما تكون عاجزة عن إدارة ما خلفها. 

لذلك، فإن المنتصر الحقيقي ليس من يفرض إرادته في الميدان، بل من ينجح في تحويل إنجازه العسكري إلى واقع سياسي. أما حين تغيب هذه القدرة، فقد يتحول النصر نفسه إلى بداية مأزق جديد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث