تغييب الحضور الفرنسي في لبنان: الأسباب والتداعيات

جمال محيشالاثنين 2026/08/10
GettyImages-2207362552.jpg
تستطيع فرنسا، حتى من خارج طاولة التفاوض، أن تبقى مؤثرة
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تبدو فرنسا اليوم حاضرة في المكان الذي اعتادت أن تكون فيه عندما يتعلق الأمر بلبنان. فالدولة التي لطالما اعتبرت نفسها لاعباً أساسياً في أزمات بيروت، وحافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف القوى السياسية، تجد نفسها خارج أحد أكثر المسارات حساسية بالنسبة إلى مستقبل لبنان: التفاهمات المرتبطة بالجنوب والعلاقة مع إسرائيل.

 

هذا الغياب ليس مجرد تراجع في الحضور الدبلوماسي، ولا يبدو نتيجة قرار لبناني معلن بإبعاد باريس عن المشهد. إنه، في جانب أساسي منه، نتيجة مسار سياسي متدرج تداخلت فيه الخلافات الفرنسية ـ الإسرائيلية، والتحولات في الموقف الفرنسي من الحرب في غزة والقضية الفلسطينية، مع رغبة أميركية في إبقاء الملف اللبناني المرتبط بأمن إسرائيل ضمن دائرة نفوذها المباشر.

 

لكن السؤال لا يتوقف عند أسباب تغييب فرنسا. فالأهم هو انعكاس ذلك على لبنان: ماذا يخسر لبنان بخروج باريس من هذا المسار؟ وهل كان بإمكان بيروت أن تفعل أكثر للحفاظ على دور حليف تاريخي لها؟ وهل تستطيع فرنسا، حتى من خارج طاولة التفاوض، أن تبقى مؤثرة عبر قنوات دبلوماسية وسياسية موازية؟

لفهم هذا الغياب وتداعياته، لا بد من العودة أولاً إلى التحول الذي طرأ على العلاقة الفرنسية ـ الإسرائيلية، قبل الانتقال إلى موقع الولايات المتحدة، ثم إلى مسؤولية لبنان نفسه، وصولاً إلى السؤال الأوسع: هل فقدت فرنسا نفوذها في لبنان فعلاً، أم أن حضورها انتقل من طاولة التفاوض إلى مسارات أخرى؟

 

من التضامن مع إسرائيل إلى الاصطدام مع نتنياهو

بعد السابع من أكتوبر، بدأت فرنسا بموقف شديد الوضوح في تضامنها مع إسرائيل. لكن هذا الموقف لم يبقَ ثابتاً. مع استمرار الحرب في غزة وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، بدأ الموقف الفرنسي يتحول تدريجاً. وبلغت الضغوط على الرئاسة الفرنسية مستوى غير مسبوق، عندما وجّه عدد كبير من السفراء الفرنسيين المعتمدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا رسالة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، انتقدوا فيها طريقة تعاطي باريس مع الحرب ومواقفها من التطورات في المنطقة.

 

كانت الرسالة لافتة ليس فقط في مضمونها، بل لكونها جاءت من داخل السلك الدبلوماسي نفسه، في سابقة عكست حجم التباين الذي بدأ يتشكل داخل الخارجية الفرنسية.

 

بعدها، بدأ ماكرون يرفع تدريجاً سقف انتقاداته لإسرائيل، وصولاً إلى موقفه الرافض لاستمرار قتل الأطفال في غزة، ثم إلى الدعوة إلى وقف إرسال الأسلحة التي يمكن استخدامها في الحرب.

ووفق البروفيسور كريم بيطار في حديثه إلى "المدن"، فإن هذه التحولات لم تكن سهلة على فرنسا، التي تضم أكبر جالية يهودية في أوروبا، إلى جانب واحدة من أكبر الجاليات المسلمة فيها، ما جعل إدارة الملف شديدة الحساسية على المستوى الداخلي. لكن التوتر مع إسرائيل لم يبقَ محصوراً في طريقة إدارة الحرب في غزة، بل انتقل إلى ملف أكثر حساسية بالنسبة إلى تل أبيب وواشنطن: مستقبل القضية الفلسطينية.

 

من غزة إلى الدولة الفلسطينية

مع الوقت، انتقل الخلاف الفرنسي ـ الإسرائيلي من طريقة إدارة الحرب في غزة إلى إشكالية أكثر حساسية: مستقبل القضية الفلسطينية. ووفق قراءة بيطار، فإن العامل الأكثر حساسية في إصرار إسرائيل على إبعاد فرنسا عن المسار اللبناني تمثل في الدور الذي لعبته باريس، بالتعاون مع السعودية، في الدفع باتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية. والمسار الفرنسي ـ السعودي، الذي تُوّج بمؤتمر "إعلان نيويورك" وحظي بتأييد دولي واسع، وضع فرنسا في مواجهة مباشرة مع موقف تل أبيب وواشنطن من مستقبل القضية الفلسطينية.

 

ومن هنا، أصبحت باريس بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية طرفاً يحمل مواقف سياسية تتعارض مع أولوياتها، لا دولة أوروبية يمكنها لعب دور الوسيط في لبنان عموماً وفي ملف جنوبه خصوصاً. لكن تفسير تغييب فرنسا لا يتوقف عند الموقف الإسرائيلي. فثمة لاعب آخر يملك نفوذاً أساسياً في هذا المسار: الولايات المتحدة.

 

واشنطن: الأمرُ لي

لطالما فضّلت الولايات المتحدة أن يبقى الملف اللبناني، عندما يتصل بأمن إسرائيل، ضمن دائرة نفوذها المباشر. واليوم تبدو واشنطن أكثر تمسكاً بهذا الدور، فيما لا تظهر حاجة أميركية إلى توسيع دائرة التفاوض لتشمل فرنسا. المشكلة بالنسبة إلى لبنان أن الوسيط الأميركي ليس محايداً بالمعنى التقليدي. فالعلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب تجعل الميزان مائلاً بوضوح لمصلحة إسرائيل.

وهنا، كما يشرح بيطار، لا يصبح لبنان أمام معادلة "اثنين ضد واحد" فقط، بل أمام اختلال أوسع في موازين القوى، خصوصاً مع وجود انقسامات وتدخلات داخل الوفد اللبناني نفسه، وحاجة التفاوض إلى مستوى أعلى من المهنية.

لذلك فإن غياب فرنسا عن طاولة المفاوضات لا يعني فقط خروج دولة أوروبية من المشهد، بل يعني أيضاً تقلص هامش المناورة الذي كان يمكن للبنان أن يستفيد منه.

 

هل فعل لبنان ما يكفي؟

إذا كان الرفض الإسرائيلي هو السبب المباشر لعدم مشاركة فرنسا، فإن ذلك لا يلغي مسؤولية بيروت في التعامل مع هذا الواقع. ففرنسا لعبت دوراً في الجهود التي سبقت انتخاب جوزاف عون، من خلال مبعوثها جان-إيف لودريان وعملها ضمن اللجنة الخماسية بالتنسيق مع السعودية، ثم دعمت تكليف نواف سلام تشكيل الحكومة.

كما حافظت على حضور سياسي وعسكري واقتصادي في لبنان، وعلى قنوات اتصال مع معظم القوى السياسية. لذلك كان السؤال مشروعاً: هل كان بإمكان لبنان أن يسعى إلى صيغة تحفظ لفرنسا دوراً، ولو من خارج طاولة التفاوض المباشر؟

ربما لم يكن بإمكان بيروت فرض حضور فرنسي على إسرائيل، لكنها كانت تستطيع محاولة إبقاء باريس داخل المشهد عبر قنوات موازية، خصوصاً أن السياسة الخارجية لا تُختصر بطاولة مفاوضات واحدة. وهنا تبرز مسألة أكثر عمقاً: هل كان غياب فرنسا نتيجة قرار إسرائيلي وأميركي فقط، أم أن لبنان نفسه لم يستخدم شبكة علاقاته الدولية بما يكفي لحماية هامش حركته؟

 

فرنسا ليست "وسيطة حزب الله"

أحد التفسيرات التي تتكرر في النقاش اللبناني يعتبر أن إصرار فرنسا على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع القوى السياسية يعود إلى رغبتها في حماية مصالح إيران أو مسايرة "حزب الله". لكن هذه القراءة لا تصمد كثيراً أمام تاريخ العلاقات الفرنسية ـ الإيرانية.

 

فباريس وطهران خاضتا منذ الثورة الإيرانية في العام 1979 مراحل طويلة من التوتر، شملت أزمات رهائن وتفجيرات وملفات أمنية وسياسية معقدة.  المقاربة الفرنسية مختلفة: التحدث مع الأطراف لا يعني تبني مواقفها، بل الحفاظ على القدرة على التأثير فيها.

وهذا تحديداً ما يفسر تمسك باريس، طوال السنوات الماضية، بفكرة الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وبضرورة استعادة الدولة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية من دون دفع البلاد إلى التفكك. لكن لفهم سبب أهمية هذا الدور بالنسبة إلى فرنسا، لا بد من العودة إلى البعد التاريخي الذي يربط باريس بالكيان اللبناني.

 

فرنسا ولبنان: أبعد من المصالح السياسية

كانت فرنسا في صلب مرحلة قيام دولة لبنان الكبير، وحافظت على علاقة وثيقة بالبطريركية المارونية التي لعبت دوراً أساسياً في تثبيت هذا الكيان. وخلال الحرب الأهلية، برزت مشاريع متعددة للفدرلة والكونفدرالية والتقسيم، في وقت لعبت فيه فرنسا والفاتيكان دوراً في دعم فكرة الحفاظ على وحدة لبنان.

لذلك فإن حضور باريس في لبنان لا يمكن اختزاله بعلاقة ظرفية مع سلطة أو حزب أو حكومة، بل يرتبط برؤية تاريخية لدور الدولة اللبنانية ومؤسساتها ووحدة أراضيها. واليوم، يعود هذا الملف إلى الواجهة في سياق إقليمي مختلف.

فالمخاوف من مشاريع تفتيت المنطقة على أسس طائفية أو عرقية ليست جديدة، لكن الظروف الحالية تجعلها أكثر حساسية، في ظل إعادة رسم التوازنات الإقليمية وتراجع مفهوم الدولة المركزية في أكثر من ساحة.

 

"عقيدة الأطراف" ومخاطر تفتيت المنطقة

وهنا يطرح بيطار في حديثه إلى "المدن" تحذيراً يتجاوز حدود الخلاف الفرنسي ـ الإسرائيلي، متوقفاً عند ما يسميه "عقيدة الأطراف" الإسرائيلية، القائمة على بناء علاقات مع مكونات إثنية وطائفية في محيط إسرائيل والاستفادة من هواجسها. ويشير إلى أمثلة تتصل بالأكراد والدروز وبعض المكونات المسيحية، معتبراً أن إعادة تفعيل هذه المقاربة في المرحلة الحالية تفرض على لبنان التمسك أكثر بوحدته وبشبكة علاقاته الدولية.

ومن هذه الزاوية، يصبح تغييب فرنسا عن المسار اللبناني جزءاً من سؤال أوسع: ما هي القوى الدولية والإقليمية التي تستطيع موازنة الضغوط التي يتعرض لها لبنان، خصوصاً في مرحلة يعاد فيها رسم التوازنات في المنطقة؟ هنا تحديداً لا ينتهي الدور الفرنسي بخروجه من غرفة التفاوض.

 

فرنسا والسعودية وقطر وتركيا.. شبكة بديلة

لا تستطيع فرنسا فرض نفسها على طاولة ترفض إسرائيل وجودها فيها، لكن هذا لا يعني أن نفوذها انتهى. هنا تبرز أهمية ما يسميه بيطار "Track 2 Diplomacy؛ أي استخدام القنوات السياسية والدبلوماسية غير المباشرة، والاستفادة من شبكة العلاقات التي تمتلكها دول مثل السعودية وقطر وتركيا، إلى جانب مصر وفرنسا ودول أوروبية أخرى.

 

فليس المطلوب أن تدخل هذه الدول جميعها إلى غرفة المفاوضات في روما، بل أن تكون حاضرة في المسارات المحيطة بها، وأن تستخدم علاقاتها مع واشنطن والعواصم المؤثرة لحماية المصالح اللبنانية. الفكرة الأساسية أن لبنان لا يحتاج إلى وسيط واحد، بل إلى شبكة. فالدول الصغيرة لا تملك ترف وضع كل أوراقها في يد طرف واحد، خصوصاً عندما تكون موازين القوى مختلة أصلاً. لكن نجاح أي شبكة من هذا النوع يحتاج إلى طرف لبناني قادر على إدارتها وتحويل علاقاته الدولية إلى أدوات ضغط وتأثير، وهنا تظهر المشكلة الأكثر عمقاً.

 

غياب الدبلوماسية اللبنانية أسهم في التغييب

يرى بيطار أن لبنان دخل هذا المسار من دون "Public Diplomacy" فعالة؛ أي من دون جهد سياسي وإعلامي واسع لشرح موقفه أمام الرأي العام الدولي، وبناء شبكة ضغط وعلاقات حول قضايا السيادة ووحدة الأراضي ومستقبل الجنوب. وفي مثل هذه الملفات، لا تجري المعركة داخل غرف التفاوض فقط.

هناك معركة أخرى على الرواية، وعلى الرأي العام، وعلى العلاقات الدولية، وعلى قدرة الدولة على حشد أصدقائها خلف موقف واضح. وعندما يغيب لبنان عن هذه المساحة، يصبح الآخرون أكثر قدرة على رسم الرواية نيابة عنه.

وهنا تصبح مسألة الحضور الفرنسي جزءاً من مشكلة أكبر. فحتى لو استعادت باريس موقعها، وحتى لو نجحت في فتح قنوات موازية مع واشنطن وتل أبيب، يبقى السؤال: هل يمتلك لبنان نفسه استراتيجية دبلوماسية واضحة للاستفادة من هذا الحضور؟

 

ليست معركة فرنسا على النفوذ

لهذا، فإن القضية ليست معركة بين فرنسا والولايات المتحدة على النفوذ في لبنان، بقدر ما هي معركة على هامش الحركة المتبقي للبنان نفسه. قد تكون باريس خسرت جزءاً من قدرتها على الوصول المباشر إلى طاولة التفاوض، وقد تكون واشنطن نجحت في تكريس نفسها لاعباً أساسياً في المسار المرتبط بالجنوب. لكن الخطر بالنسبة إلى لبنان لا يكمن فقط في غياب فرنسا، بل في غياب البدائل اللبنانية التي تسمح بتحويل شبكة العلاقات الدولية إلى عناصر قوة.

وفي مرحلة يعاد فيها رسم قواعد الجنوب، وتُناقش فيها أدوار القوات الدولية، وتتقدم فيها مشاريع إقليمية تستثمر في الهويات والانقسامات، قد يكون أخطر ما يفعله لبنان أن يدخل غرفة التفاوض بأقل عدد ممكن من الخيارات. ففي السياسة الدولية، ليس أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة صغيرة أن تخسر دولة كبرى نفوذها. الأخطر أن تخسر هي نفسها القدرة على التحرك والاختيار..

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث