خلف حاجز الجيش اللبناني في العامرية، تقف بلدة المنصوري حزينة. الدمار فيها يحكي قصة بلدة ترمّدت أمام أعين أهلها، فيما يقف أبناؤها عند الحاجز، ينظرون إلى منازلهم وأراضيهم من بعيد، ويطالبون بحقهم في العودة.
جاء أهالي المنصوري إلى هنا ليقولوا شيئاً بسيطاً: هذه بلدتنا، وهذه أرضنا، ونريد أن تعود الدولة لتكون حاضرة فيها. يطالبونها بأن تحميهم، ولو لمرة واحدة، وأن تجعلهم يشعرون بأنهم أبناء وطن لا مواطنون يقفون على هامشه. منذ الإنذار الذي أطلقه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، لا يزال أهالي المنصوري خارج بلدتهم. مرّ أسبوع، والطريق إليها لا تزال مقطوعة، فيما يستمر منع الأهالي من العودة.
تقع المنصوري عند تخوم الناقورة، وترتبط بها بعلاقة تجارية وسياحية واقتصادية وثيقة. كان هذا الشريان قد انقطع بفعل الحرب، لكن أبناء البلدة عادوا بعد وقف إطلاق النار إلى منازلهم المتضررة، وأعادوا شيئاً من الحياة الاجتماعية والزراعية. وبحسب رئيس البلدية حيدر مديحلي، عادت نحو 50 في المئة من الحياة إلى البلدة، رغم أن نسبة الدمار كانت قد تجاوزت 60 في المئة.
لكن المشهد تبدّل في الأيام الأخيرة. ارتفعت نسبة الدمار، وفق مديحلي، إلى أكثر من 90 في المئة، فيما "تُقتل الحياة أمام أعين الناس الذين يريدون العودة إلى بلدتهم، ولو كانت مدمّرة". لم تدخل القوات الإسرائيلية إلى المنصوري، وفق ما يقول مديحلي، لكنها "تحتلها بالنار". يقف رئيس البلدية اليوم قبالة بلدته، عند حاجز العامرية، إلى جانب أبناء المنصوري الذين رفعوا صوتهم: "نريد العودة، ولتدخل الدولة أمامنا".
منذ وقف إطلاق النار، عاد نحو 120 عائلة إلى المنصوري. أصلح هؤلاء منازلهم وأراضيهم، وحاولوا استعادة حياتهم. لكن الإنذار الإسرائيلي أعاد المشهد إلى نقطة الصفر، وأوقف ما بدأ الأهالي بإحيائه، وقطع حلم العودة من جديد.
قبالة بلدته، وقف حيدر زين يسترق النظر نحو منزله وأرضه. كل حياته بقيت هناك، معلقة بين ركام المنزل ومواسم الأرض التي احترقت وتلفت. يقول في حديثه ل "المدن": "أنا مزارع أعتاش من أرض رويتها بعرق جبيني. اليوم أقف خالي الوفاض، وأناشد الدولة اللبنانية أن تعيد فتح الطريق أمام عودتنا".
مع تهديد أدرعي للمنصوري، بالتزامن مع جولة المفاوضات السابعة في روما، تدخلت الدولة لوقف التهديد. ظن الأهالي أن الأمر انتهى، وأن طريق العودة باتت آمنة. لكن ذلك لم يحدث. "الميكانيزم رفض عودتنا إلى بلدتنا"، هذا ما تقوله فاطمة، ابنة المنصوري التي تركت حياتها هناك بين الأرض والحي والبساتين.
تكمل وتقول، والدموع في عينيها: "المنصوري ليست محتلة، ولم تطأها أقدام الاحتلال. لماذا نحرم من العودة؟ أليست هذه أرضنا؟ ونحن أولاد هذه الأرض". لطالما تغنّت المنصوري بأنها "بنت الجنوب الخضراء". تشتهر ببساتينها المتنوعة من الحمضيات والفاكهة، لكن هذه البساتين احترقت بنسبة 50 في المئة، بحسب رئيس البلدية.
يكمل مديحلي حديثه: "حين عدنا، أعدنا ريّها وريّ كل البساتين، فتجدّدت الروح فيها". ثم يضيف: "منذ أسبوع، والاحتلال يتعمد إحراق البلدة وتدميرها لقطع طريق العودة. وهذا يحصل في زمن تتفاوض فيه الدولة مع الكيان. لكن بدل أن نعود، نُهجّر ونُشرّد".
عند حاجز العامرية، كانت عيون الأهالي معلّقة بالبلدة. وجّهوا عدسات هواتفهم نحو منازلهم، وراقبوا أرضهم من بعيد، فيما ذرفت الدموع على مشهد يشبه "الحلم الضائع". لا يملكون في هذه اللحظة سوى مفاتيح بيوت تركوها خلف الحاجز، وأملاً بأن تضغط دولتهم من أجل إعادتهم إليها.
أمام عناصر الجيش اللبناني الذين أمّنوا حماية الأهالي، وقف أسعد بركات، المسعف الذي لم يغادر المنصوري حتى في زمن لهيب الصواريخ. يقول في حديثه إلى "المدن": "عشنا أياماً صعبة. كنت أعبر بين الوجع والركام، لكنني لم أنكسر. أما اليوم، ومع الإنذار وتهجيرنا من بلدتنا، فأشعر وكأن روحي وحياتي كلها توقفت".
وحده العلم اللبناني كان يرفرف بين أيادي الأهالي، وإلى جانبه عبارات كتبوا عليها: "المنصوري مش محتلة". حملوا وجعهم في لافتاتهم، وكتبوا قهرهم في كلمات قليلة، فيما كانت الدموع تختصر كل ما عجزوا عن قوله. "هيدي أرضنا، ولن نقبل أن نبقى خارجها"، تقول سلوى، قبل أن تضيف: "المنصوري عروسة صور، جنة على الأرض".
منذ شهر ونصف، يعيش قاسم زين مع عائلته في المنصوري. أصلح غرفة في منزله وسكن فيها. لديه طفلان، ويقول إن عودته إلى البلدة كانت "كرد فعل جنوبي عاد إلى أرضه". يقول قاسم إن البلدة مدمّرة، وإن القوات الإسرائيلية لم تتمكن من دخولها، إنما تتواجد عند أطرافها من جهة مجدل زون. ويتساءل: "إذا كان هناك وجود إسرائيلي داخل البلدة، فكيف عدنا إليها طوال الفترة الماضية؟".
لكن السؤال الذي لا يجد له جواباً، بالنسبة إليه، هو: "كيف تصمت الدولة اللبنانية عن إبعادنا عن بلدتنا؟". جلُّ ما يريده قاسم واضح: "أن تدخل الدولة إلى البلدة وتؤمّن حمايتنا. فنحن أولاد الجنوب ولسنا أغراباً. نحن نحب الحياة، ونريد من دولتنا أن تحمينا".
لا تزال المنصوري، كما جاراتها الناقورة ويارين ومجدل زون وغيرها من قرى الجنوب، تتعرض للتفجير والقصف والغارات. وبينما يحاول الأهالي استعادة حياتهم، تعود النيران لتطاول ما تبقى من البلدة. ومع ذلك، لا يزال أبناء المنصوري متمسكين بأرضهم، ولو كانت مدمّرة. كانوا يمنّون النفس بأن يفتح الجيش الطريق أمامهم، وأن يدخلوا إلى بلدتهم ليعيدوا ضخ الحياة فيها من جديد.
لكن أمنيتهم تبدو اليوم بعيدة المنال، في ظل تسارع الأحداث جنوباً. وما يوجع الأهالي أكثر من الدمار نفسه، أن بلدتهم تقع أمام أعينهم، على مرمى حجر منهم، ومع ذلك يُمنعون من العودة إليها. رفعوا الصوت وطالبوا الدولة. أما الكرة، كما يقولون، فهي في ملعب الحكومة. فهل تُفتح المنصوري، ومعها سائر القرى، أمام أهلها؟ أم أن الجنوب يتجه نحو سيناريو أسوأ؟ أسئلة كثيرة تغلِّفُ حياة العامليين ولا جواب. حيرة ورعب ونزوح طويل.




