الاختبار المصيريّ ولبنان الدولة-الرسالة

زياد الصائغالاثنين 2026/08/10
ذكرى تفجير المرفأ (Getty)
غيابَ الإصلاحِ المؤسَسيِ يجعلُ السِيادةَ مجرد شعار (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تستمرُّ الدَّولةُ اللُّبنانيَّةُ على وقعِ اختبارٍ مصيريٍّ لا يَقبلُ التَّأجيلَ ولا يَحتملُ أنصافَ الحُلول. إنَّه اختبارٌ يتجاوزُ السِّياسةَ اليوميَّةَ، ويعلو على حساباتِ مواقِع السُّلطةِ، لأنَّه يرتبطُ بجوهرِ معنى الدَّولةِ نفسِها. فثمَّة مسألتان تُشكِّلان اليومَ معيارَ قياسِ جدِّيَّةِ المسارِ الوطنيِّ. استعادةُ السِّيادةِ الكاملة، وإنجازُ الإصلاحاتِ البنيويَّة. أيُّ محاولةٍ للفصلِ بينهما لا تُنتجُ سوى إعادةِ إنتاجِ الأزمةِ بأشكالٍ جديدة.

 

أثبتتِ التَّجربةُ اللُّبنانيَّةُ، على امتدادِ عقودٍ، أنَّ غيابَ السِّيادةِ الكاملةِ يُفرغُ الإصلاحَ من مضمونِه، كما أنَّ غيابَ الإصلاحِ المؤسَّسيِّ يجعلُ السِّيادةَ شعارًا من دونِ أدواتِ ترجمة. لا يمكنُ لدولةٍ أن تُمارسَ سيادتَها فيما قرارُ السِّلمِ والحربِ ليس حصرًا بيدِها، كما لا يمكنُ لها أن تُقنعَ مواطناتِها ومواطنيها بشرعيَّتِها إذا كانت مؤسَّساتُها عاجزةً عن إنتاجِ العدالةِ والكفاءةِ والمساءلةِ. لذلك، فإنَّ المسألتين ليستا مسارين متوازيين، بل هما مسارٌ واحدٌ يهدفُ إلى إعادةِ تأسيسِ الدَّولةِ على قواعدِها الدُّستوريَّةِ والطَّبيعيَّة.

لا يقتصرُ مفهوم السِّيادةِ على الحدودِ والجغرافيا، بل يبدأُ من احتكارِ الدَّولةِ الشَّرعيِّ لكلِّ أدواتِ القوَّةِ، ومن امتلاكِها وحدَها قرارَ الأمنِ القوميِّ والعلاقاتِ الخارجيَّةِ، ومن قدرتِها على فرضِ سيادةِ القانونِ على جميعِ الأفرادِ والجماعاتِ من دونِ استثناء. الدَّولةُ الَّتي تتقاسمُ وظائفَها مع أيِّ سلطةٍ موازية، مهما كانت ذرائعُها، تفقدُ تدريجيًّا معناها، لأنَّها تتحوَّلُ إلى إطارٍ إداريٍّ لا إلى سلطةٍ سياديَّةٍ مكتملةِ الأركان.

 

غيرَ أنَّ استعادةَ السِّيادةِ لا تكتملُ بقرارٍ سياسيٍّ فقط، بل تحتاجُ إلى إصلاحٍ بنيويٍّ يعيدُ بناءَ المؤسَّساتِ على أساسِ الكفاءةِ والاستقلاليَّةِ والشفافيَّةِ. الإصلاحُ الحقيقيُّ ليس حملةً إعلاميَّةً، ولا مجموعةَ قوانينَ متناثرة، بل هو إعادةُ هندسةِ العلاقةِ بين الدَّولةِ والمواطنِ/ة. يبدأُ بقضاءٍ مستقلٍّ، وإدارةٍ حديثةٍ، وماليَّةٍ عامَّةٍ منضبطةٍ، واقتصادٍ منتجٍ، وإدارةٍ رقميَّةٍ تُعيدُ الاعتبارَ للخدمةِ العامَّةِ، وتعزِّزُ ثقةَ المواطنِ/ة بمؤسَّساتِه.

إنَّ الدُّولَ لا تنهضُ بالشِّعارات، بل بالحوكمةِ الرَّشيدة. ولا تُبنى الثِّقةُ بخطاباتِ التَّعبئةِ، بل بممارساتٍ تُجسِّدُ المساواةَ أمامَ القانون، وتُرسِّخُ استقلالَ القضاء، وتمنعُ الإفلاتَ من العقاب، وتُخضعُ المالَ العامَّ لأعلى معاييرِ الرَّقابةِ والمساءلة. كلُّ إصلاحٍ لا يُفضي إلى تعزيزِ ثقةِ المواطنِ/ة بالدَّولةِ يبقى إصلاحًا ناقصًا، وكلُّ سيادةٍ لا تُترجمُ إلى حمايةِ حقوقِ المواطنِ/ة تبقى سيادةً مبتورةً. من هنا، يصبحُ نجاحُ هذا الاختبارِ الوطنيِّ ممنوعًا أن يفشل. ليس لأنَّه استحقاقٌ سياسيٌّ عابر، بل لأنَّه المدخلُ الوحيدُ إلى ولادةِ دولةٍ سيِّدةٍ حرَّةٍ عادلةٍ مستقلَّة. دولةٌ تستمدُّ شرعيَّتَها من دستورِها، وقوَّتَها من مؤسَّساتِها، وثقةَ مواطِناتِها ومواطنيها من عدالةِ أدائِها، واحترامَ المجتمعِ الدُّوليِّ من التزامِها بالقانونِ الدُّوليِّ وبقيمِ السَّلامِ والاستقرار.

 

في هذا السِّياق، يبرزُ الحيادُ الإيجابيُّ بوصفِه نتيجةً طبيعيَّةً لهذا المسار، لا خيارًا معزولًا عنه. الحيادُ ليس حيادَ الضَّعف، ولا انسحابًا من التَّاريخ، ولا تخلِّيًا عن القضايا العادلة، وإنَّما هو تعبيرٌ عن اكتمالِ السِّيادةِ، وقدرةِ الدَّولةِ على حمايةِ مصالحِها الوطنيَّةِ بعيدًا عن صراعاتِ المحاورِ ومشاريعِ الهيمنة. إنَّه خيارٌ سياديٌّ ودستوريٌّ يُعيدُ لبنانَ إلى موقعِه الطَّبيعيِّ دولةً مستقلَّةَ القرار، ويؤمِّنُ له سلامًا دائمًا قائمًا على احترامِ الشَّرعيَّةِ الدُّوليَّةِ، وعلى أفضلِ العلاقاتِ مع الجميعِ من دونِ ارتهانٍ لأحد.

الحيادُ الإيجابيُّ لا يُناقضُ الانتماءَ العربيَّ، ولا يُضعفُ التَّضامنَ الإنسانيَّ، بل يمنحُ لبنانَ القدرةَ على أن يكونَ مساحةَ لقاءٍ وحوارٍ، لا ساحةَ صراعٍ وتصفيةِ حسابات. هو يُعيدُ تعريفَ الأمنِ الوطنيِّ باعتبارِه أمنًا قائمًا على سيادةِ الدَّولةِ، واستقرارِ مؤسَّساتِها، وحمايةِ مواطناتها ومواطنيها، وتنميةِ اقتصادِها، لا على منطقِ التَّوازناتِ المسلَّحةِ الَّتي أثبتت فشلَها في بناءِ الدُّول. حينَ تستعيدُ الدَّولةُ سيادتَها، وتُنجزُ إصلاحاتِها، ويترسَّخُ خيارُ الحيادِ الإيجابيِّ، يستعيدُ لبنانُ مكانتَه حالةً فريدةً في العالمِ الحرِّ. إنَّ تميُّزَ لبنانَ لم يكن يومًا قائمًا على حجمِه الجغرافيِّ أو قدراتِه العسكريَّةِ، بل على منظومةِ القيمِ الَّتي حملَها إلى العالم. الحرِّيَّةُ، والتَّعدُّديَّةُ، والعيشُ المشترك، والإبداعُ، والانفتاحُ، واحترامُ الكرامةِ الإنسانيَّة، كلُّها عناصرُ شكَّلت عبرَ عقودٍ الهويَّةَ الحضاريَّةَ لهذا الوطن.

 

لقد كانَ لبنانُ مدرسةً للحوار، ومنصَّةً للمعرفة، وجسرًا بين الشَّرقِ والغرب، ومختبرًا للتَّعدُّديَّةِ في منطقةٍ أنهكتها الأحاديَّاتُ والانقسامات. هذه الرِّسالةُ لا يمكنُ أن تستعيدَ حضورَها إذا بقيتِ الدَّولةُ ضعيفةً، أو إذا ظلَّتِ المؤسَّساتُ رهينةَ الانقساماتِ، أو إذا استمرَّ المواطنُ/ة يشعرُ بأنَّ انتماءَه إلى جماعتِه أقوى من انتمائِه إلى دولتِه.إنَّ الميِّزاتِ التَّفاضليَّةَ للبنانِ لا تُستعادُ بالحنينِ إلى الماضي، بل ببناءِ المستقبل. العالمُ اليومَ لا يمنحُ مكانةً خاصَّةً لدولةٍ لأنَّها تحملُ تاريخًا عريقًا، بل لأنَّها تُنتجُ قيمةً مضافةً في حاضرِها. لذلك، فإنَّ إعادةَ تموضعِ لبنانَ في العالمِ الحرِّ تتطلَّبُ اقتصادًا معرفيًّا، وجامعاتٍ رائدةً، وقضاءً مستقلًّا، وإدارةً كفوءةً، وسياساتٍ عامَّةً تستثمرُ في الإنسانِ قبلَ الحجر.

ليسَ من قبيلِ المصادفةِ أنَّ كلَّ مساراتِ النُّهوضِ في العالمِ بدأت بإعادةِ الاعتبارِ إلى المواطن/ة. ليست المواطنةُ بطاقةَ هويَّةٍ، ولا مجرَّدَ حقٍّ في الاقتراع، وإنَّما علاقةُ ثقةٍ متبادلةٍ بين المواطنِ/ة والدَّولة. المواطنةُ تُصبحُ واقعًا حينَ يشعرُ كلُّ مواطنٍ/ة أنَّ القانونَ يحميه، وأنَّ الفرصَ متكافئةٌ أمامَه، وأنَّ الكفاءةَ هي معيارُ التَّقدُّم، وأنَّ الكرامةَ الإنسانيَّةَ مصونةٌ بلا تمييز.من هنا، تبقى المواطنةُ الحاضنةُ للتَّنوُّعِ هي البوصلة. لا مواطنةَ تُلغي الخصوصيَّات، ولا تنوُّعَ يتحوَّلُ إلى نظامِ محاصصة. التَّنوُّعُ يصبحُ مصدرَ قوَّةٍ عندما يُدارُ تحتَ سقفِ الدُّستور، ويصبحُ مصدرَ ضعفٍ عندما يتحوَّلُ إلى بديلٍ عن الدَّولة. لذلك، فإنَّ تطبيقَ الدُّستورِ كاملًا، نصًّا وروحًا، ليس خيارًا سياسيًّا بين خيارات، بل هو الشَّرطُ التَّأسيسيُّ لبقاءِ لبنانَ وطنًا نهائيًّا لجميعِ بناتِه وأبنائِه.

 

إنَّ الدُّستورَ ليس وثيقةً تاريخيَّةً تُستحضرُ عندَ الأزمات، بل هو العقدُ الوطنيُّ الَّذي يُنظِّمُ الحياةَ العامَّةَ، ويُحدِّدُ حدودَ السُّلطات، ويضمنُ الحقوقَ والواجبات، ويمنعُ تغوُّلَ أيِّ جهةٍ على الدَّولة. كلُّ اجتهادٍ خارجَ هذا الإطارِ يؤدِّي، مهما حسنت نيَّاتُه، إلى تقويضِ الشَّرعيَّةِ وإضعافِ المؤسَّسات.إنَّ اللَّحظةَ الَّتي يعيشُها لبنانُ ليست لحظةَ إدارةِ أزمةٍ، بل لحظةَ إعادةِ تأسيس. وما يحتاجُه اللُّبنانيُّون/ات اليومَ ليس عقدًا سياسيًّا جديدًا، بل إرادةً وطنيَّةً صلبةً لتطبيقِ العقدِ الدُّستوريِّ القائم. المشكلةُ لم تكن يومًا في غيابِ النُّصوص، بل في تعطيلِها، ولا في نقصِ المبادئ، بل في غيابِ الالتزامِ بها.

 

يبقى الرِّهانُ الحقيقيُّ على انتقالِ الوعيِ الوطنيِّ من ثقافةِ التَّسوياتِ الظرفيَّةِ إلى ثقافةِ بناءِ الدَّولة. الاستقرارُ لا يُصنعُ بالتَّوازناتِ الهشَّة، بل بالمؤسَّساتِ القويَّة. والسَّلامُ لا يُحمى بالاستثناءات، بل بسيادةِ القانون. والحرِّيَّةُ لا تستمرُّ بالشِّعارات، بل بدولةٍ تحميها. أمَّا العدالةُ، فلا تُؤجَّلُ إلى حينِ تبدُّلِ الموازين، بل تُصبحُ ممارسةً يوميَّةً في القضاءِ والإدارةِ والحياةِ العامَّة. لهذا، فإنَّ الاختبارَ القائمَ اليومَ ليس امتحانًا لحكومةٍ أو لعهدٍ أو لقوَّةٍ سياسيَّةٍ بعينِها، بل امتحانٌ لقدرةِ اللُّبنانيِّين/ات على الانتقالِ من منطقِ إدارةِ الانقساماتِ إلى منطقِ صناعةِ الدَّولة. وإذا كان الفشلُ ممنوعًا، فلأنَّ البديلَ عنه ليس مجرَّدَ تأخيرٍ في الحلول، بل استمرارُ استنزافِ الوطنِ والإنسان. أمَّا النَّجاحُ، فهو أن يستعيدَ لبنانُ سيادتَه، ويُنجزَ إصلاحاتِه، ويُرسِّخَ حيادَه الإيجابيَّ، ويُعيدَ الاعتبارَ لدستورِه، فتعودَ دولتُه سيِّدةً حرَّةً عادلةً مستقلَّةً، ويعودَ هو، كما كان دائمًا، وطنًا للرِّسالةِ، ونموذجًا في العالمِ الحرِّ، ومساحةً حيَّةً للحرِّيَّةِ والتَّعدُّديَّةِ والعيشِ المشتركِ والإبداع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث