نيويورك تايمز: من إيران إلى القرض الحسن..الحزب في مأزق تمويل

المدن - سياسةالأحد 2026/08/09
Image-1786292198.Jpg
الحزب يواجه اليوم واحدة من أصعب الأزمات المالية التي مر بها منذ سنوات(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً سلطت فيه الضوء على مصاعب حزب الله التمويلية في الفترة الراهنة. وأشار التقرير إلى أن  مخازن الأسلحة أو مراكز القيادة الموجودة تحت الأرض لم تكن في مقدمة الأهداف التي حذّرت تل أبيب من استهدافها، بل كانت المؤسسات المالية والبنوك المرتبطة بالحزب، عندما اندلعت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في آذار الماضي.

وخلال الحرب، سوّت المقاتلات الإسرائيلية بالأرض أكثر من 12 فرعاً لمؤسسة "القرض الحسن"، وهي مؤسسة مالية لطالما اتُّهمت بأنها تؤدي دوراً مصرفياً لصالح حزب الله في لبنان. ولم تقتصر الضربات الإسرائيلية على فروع "القرض الحسن"، إذ استهدفت غارات أخرى محال للصرافة قالت إسرائيل إن إيران تستخدمها لتحويل الأموال إلى حزب الله، فضلاً عن محطات وقود كانت توفر للحزب عائدات مالية.

 

تضييق الخناق المالي

ومن خلال هذه الضربات، سعت إسرائيل إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن استهداف حزب الله لم يعد يقتصر على ترسانته العسكرية وبنيته القتالية، بل بات يشمل أيضاً مصادر تمويله ومؤسساته المالية.

وجاءت هذه الهجمات تتويجاً لأوسع حملة حتى الآن تقودها إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحكومة اللبنانية بهدف تضييق الخناق المالي على حزب الله، من خلال استهداف قنوات تمويله، ولا سيما تلك المرتبطة بإيران.

وخلال الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب، عملت الحكومة اللبنانية، تحت ضغط من إدارة ترامب، على إغلاق المسارات التي كان الحزب يستخدمها لتلقي الأموال ونقلها، ومن بينها مطار بيروت الدولي.

وفي موازاة ذلك، مارست واشنطن ضغوطاً على مصرف لبنان من أجل تشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي، الذي استفاد منه حزب الله على مدى سنوات في تنفيذ عملياته المالية.

وبحسب وثائق اطلعت عليها صحيفة "نيويورك تايمز"، إضافة إلى مقابلات أجرتها مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين ومصادر من داخل حزب الله، فإن الحزب يواجه اليوم واحدة من أصعب الأزمات المالية التي مر بها منذ سنوات.

 

ضغوط مالية غير مسبوقة

وكانت الحرب التي اندلعت في آذار الثانية بين إسرائيل وحزب الله خلال أقل من ثلاث سنوات. أما الحرب السابقة، التي بدأت في أواخر عام 2023، فقد أسفرت عن مقتل الأمين العام للحزب حسن نصر الله وعدد من كبار قادته.

ورأت واشنطن وتل أبيب في تلك المرحلة فرصة لاستهداف البنية المالية لحزب الله، بالتوازي مع زيادة الضغوط على الحكومة اللبنانية لدفعها إلى نزع سلاحه.

وبينما استحوذت الحرب في غزة والمواجهة مع إيران على القدر الأكبر من اهتمام العالم، شكّل خنق حزب الله مالياً جبهة أقل ظهوراً ضمن استراتيجية أوسع تهدف، بحسب "نيويورك تايمز"، إلى تقليص نفوذ طهران الإقليمي من خلال إضعاف القوى المرتبطة بها.

ورغم أن حزب الله وإيران أظهرا في السابق قدرة على التكيف مع الضغوط والعقوبات، إلا أن الحزب يواجه في المرحلة الحالية صعوبة متزايدة في تمويل شبكته الواسعة من الخدمات الاجتماعية، التي شكّلت على مدى سنوات إحدى أهم ركائز حضوره وقاعدته الشعبية داخل الطائفة الشيعية في لبنان.

كما اضطر الحزب إلى إعطاء أولوية متزايدة للإنفاق العسكري، ولا سيما بعد الخسائر التي تكبدها جراء العمليات الإسرائيلية خلال الحروب الأخيرة.

وقال المتحدث باسم حزب الله يوسف الزين لصحيفة "نيويورك تايمز" في أيار الماضي، إن الحزب أوقف دفع بعض التعويضات التي كان قد تعهّد بها لمناصريه، في ظل الصعوبات التي يواجهها في تلبية احتياجات مئات الآلاف من النازحين بسبب الحرب.

وأضاف الزين أن "حجم متطلبات المعركة والنزوح وضع أعباء كبيرة على حزب الله"، مشيراً إلى أن إدارة الموارد باتت تتم وفق سلم من الأولويات.

ورغم إقراره بوجود ضغوط مالية كبيرة، شدد الزين على أن الحزب لا يزال قادراً على تجاوز هذه الظروف.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد قدّرت، قبل الحرب، حجم التمويل الذي يتلقاه حزب الله من إيران بنحو 700 مليون دولار سنوياً، وهو ما كان يشكل الجزء الأكبر من ميزانيته السنوية التي تتجاوز مليار دولار.

وعلى الرغم من أن طهران زادت حجم دعمها المالي للحزب خلال العام الماضي، فإن تلك الأموال لم تعد كافية لتغطية الكلفة المرتفعة للحروب والعمليات العسكرية التي خاضها الحزب.

 

واشنطن تضغط على لبنان

وبدأت الحملة المالية ضد حزب الله فعلياً في أواخر عام 2024، عقب التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل والحزب بوساطة أميركية.

وزادت عزلة حزب الله بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، إذ فقد بذلك أحد أهم خطوط التهريب والتمويل التي كانت تربطه بإيران عبر الأراضي السورية.

وعلى مدى عقود، بنى حزب الله ما يشبه "دولة داخل الدولة" في لبنان، إذ أنشأ شبكة واسعة من المؤسسات الإعلامية والمستشفيات والمدارس والهيئات الاقتصادية والاجتماعية، مستفيداً بصورة أساسية من الدعم المالي الإيراني.

لكن بعد تعطل الطريق البري عبر سوريا، بدأت إيران بالبحث عن وسائل بديلة لإيصال الأموال إلى الحزب، من بينها مطار بيروت الدولي، الذي قالت مصادر أميركية ولبنانية إنه استُخدم لنقل الأموال والأسلحة الإيرانية.

وفي مطلع العام الماضي، نقل مسؤولون أميركيون إلى الحكومة اللبنانية تحذيراً إسرائيلياً يفيد بأن إيران كانت ترسل حقائب محملة بالدولارات الأميركية إلى حزب الله على متن رحلات مدنية متجهة إلى بيروت، وفي بعض الحالات من خلال دبلوماسيين إيرانيين.

وأدت هذه التحذيرات إلى قيام لبنان بتعليق جميع الرحلات الجوية القادمة من إيران، وهو قرار لا يزال سارياً.

كما جرى استبعاد عدد من الموظفين العاملين في المطار الذين يُشتبه بارتباطهم بحزب الله، إلى جانب تعيين مسؤولين أمنيين يعملون بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

 

تشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي

بعد ذلك، انتقل التركيز الأميركي إلى مصرف لبنان، في ظل اتهامات بأن الاقتصاد النقدي في البلاد استُخدم في عمليات غسل الأموال وتحويل الأموال الإيرانية إلى حزب الله.

ووفق التقرير، ساهمت إدارة ترامب في دعم تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان هو كريم سعيد، الذي اتخذ سلسلة خطوات وُصفت بأنها حاسمة في مواجهة نفوذ حزب الله داخل القطاع المالي والمصرفي.

كما أطلق مصرف لبنان تحقيقات في عدد من شركات تحويل الأموال الكبرى التي يُشتبه باستخدامها في نقل الأموال إلى الحزب، بالتوازي مع تشديد الرقابة على عمليات التحويل المالي.

ومع ازدياد الضغط على شركات الصرافة الكبرى، بدأ حزب الله يعتمد بصورة متزايدة على شبكة واسعة من مكاتب الصرافة الأصغر حجماً والأقل خضوعاً للرقابة.

وبحسب المصادر، تنتقل الأموال الإيرانية عبر ثلاث دول باستخدام نظام "الحوالة" غير الرسمي، الذي يسمح بتحويل الأموال من دون المرور بالضرورة عبر النظام المصرفي التقليدي.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت، لدى فرضها عقوبات على صرافين لبنانيين في تشرين الثاني الماضي، أن إيران حوّلت نحو مليار دولار إلى حزب الله خلال ذلك العام، وأن القسم الأكبر من هذه الأموال انتقل عبر نظام الحوالة.

 

حزب الله يشعر بالضيق المالي

ومع تصاعد الضغوط المالية، بدأت مؤشرات التراجع تظهر بصورة واضحة على شبكة الخدمات الاجتماعية التي يديرها الحزب.

وأفادت مصادر تحدثت إلى الصحيفة بأن رواتب عشرات الآلاف من المقاتلين لا تزال تُدفع، إلا أن بعض الخدمات الاجتماعية التي يقدمها الحزب جرى تقليصها.

وفي شباط الماضي، ذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن مسؤولين كباراً في مؤسسة "القرض الحسن" أنشأوا شبكة من الشركات العاملة في تجارة الذهب بهدف توفير السيولة النقدية.

كما أشارت تقارير إلى ارتفاع مبيعات الذهب خلال العام الماضي، بعدما أدت الغارات الإسرائيلية إلى تدمير جزء كبير من احتياطات الحزب من العملات الأجنبية والذهب.

كذلك منعت السلطات اللبنانية، خلال العام الماضي، المصارف وشركات الوساطة المالية من التعامل مع مؤسسة "القرض الحسن"، في خطوة أسهمت في زيادة عزلة المؤسسة وحزب الله عن النظام المالي الرسمي.

ورغم إصرار "القرض الحسن" على أنها جمعية خيرية للإقراض وليست مصرفاً، فإن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدفع حالياً باتجاه إغلاق المؤسسة بصورة كاملة.

وكان حزب الله قد أعلن، عقب حرب عام 2024، أن مؤسسة "القرض الحسن" ستمنح ما بين 12 و14 ألف دولار لكل أسرة فقدت منزلها نتيجة الحرب.

إلا أن دفع هذه التعويضات تأجل مرات عدة، قبل أن يتوقف بالكامل، بحسب ما قاله المتحدث باسم حزب الله يوسف الزين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث