تصعيد جنوباً.. وواشنطن تدفع نحو إنسحابات جديدة

المدن - سياسةالأحد 2026/08/09
Image-1786295570.Jpg
تفجير إسرائيلي عنيف في مشاع المنصوري (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

تواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، مع اتساع نطاق العمليات الميدانية بين القصف المدفعي والتفجيرات والتوغلات. وسُجّل توغل لعدد من الدبابات الإسرائيلية من منطقة البياضة باتجاه بلدة بيوت السياد، بالتزامن مع استمرار القصف على المنصوري، فيما استهدف القصف المدفعي النبطية الفوقا وتلتي الدبشة وعلي الطاهر. كما نفذت القوات الإسرائيلية تفجيراً عنيفاً في كفرتبنيت، تردد صداه وصولاً إلى صيدا والشوف، في مؤشر إضافي إلى قوة العمليات واتساع تأثيرها خارج نطاق القرى الحدودية.

وفي مقابل هذا التصعيد الميداني، برزت رسائل أميركية تدفع في اتجاه إنهاء الجبهات المفتوحة، إذ نقلت القناة 13 الإسرائيلية عن ضابط رفيع أن الرسالة الأميركية للجيش الإسرائيلي هي المضي قدماً نحو إنهاء الجبهات في إيران وغزة ولبنان. كما أفادت القناة نفسها بأن قائد القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" طلب من إسرائيل الانسحاب من مناطق في جنوب لبنان، ما يعكس تبايناً واضحاً بين وتيرة العمليات الإسرائيلية المتصاعدة على الأرض والمسار الذي تحاول واشنطن الدفع باتجاهه.

وفي مؤشر إضافي إلى اتساع دائرة التصعيد وتحول الجنوب إلى مسرح مفتوح للعمليات الإسرائيلية، شهدت المنطقة خلال الساعات الماضية موجة غير مسبوقة من التفجيرات العنيفة بدت أشبه بزلزال، ارتجّت معها المنازل وأثارت حالًا من الهلع، ولا سيّما في منطقة زوطر الشرقية، فيما تردّد صداها وصولًا إلى البقاع. ولم تكن ساعات النهار أقلّ توترًا، إذ سُجّلت تفجيرات مماثلة، بالتوازي مع قصف مدفعي وتحليق مكثّف للمسيّرات الإسرائيلية على علو منخفض. ومع اتّساع رقعة العمليات واستمرار وتيرتها، لم يعد الدمار محصورًا بالشريط الحدودي، بل أخذ يمتدّ تدريجيًّا نحو شمال الجنوب وعمقه.

وفي حادثة لافتة، أُصيبت فتاة ووالدها إثر سقوط طائرة مسيّرة إسرائيلية في بلدة كفررمان. وكانت المسيّرة تحلّق في أجواء مرتفعات علي الطاهر ـ الدبشة، وصولًا إلى دوحة كفررمان، قبل أن تُصاب بخلل فني وتسقط قرب منزل يعود إلى آل قانصو. وأسفر الحادث عن إصابتين طفيفتين، نُقلتا بواسطة سيارة إسعاف تابعة لجمعية الرسالة إلى مستشفى نبيه بري الحكومي.

بالتزامن، واصلت المدفعية الإسرائيلية قصف بلدة المنصوري، ما أدّى إلى تضرّر عدد من المنازل. وفي موازاة القصف، أقدمت قوّة إسرائيلية على التوغّل في الأطراف الشمالية لبلدة ميس الجبل، فيما توجّهت قوّة أخرى نحو بلدة زوطر الغربية وعمدت إلى رفع ساتر ترابي جديد.

كما ألقت مسيّرة إسرائيلية مواد متفجّرة على مرتفع علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا، بعد قصف مدفعي طال أحراج المنطقة ومرتفعاتها، في سياق التصعيد المتواصل في المنطقة.

وفي زوطر الغربية، اتّخذت الانتهاكات الإسرائيلية شكلًا مختلفًا. فقد أفاد رئيس البلدية عبد عزّ الدين بأنّ مسيّرة إسرائيلية دخلت مبنى البلدية وطلبت فتح أبوابه لتفتيشه، قبل أن تنتقل إلى ساحة البلدة وتراقب أعمال رفع الركام.

وقال عزّ الدين إنّه اضطر إلى فتح باب مكتبه أمام المسيّرة الإسرائيلية، في مشهد يعكس استمرار الانتهاكات في البلدة، على الرغم من انسحاب القوّات الإسرائيلية منها وانتشار الجيش اللبناني.

Image-1786251747.Webp

 

تلويح بمقاطعة مفاوضات روما

هذا التصعيد الميداني يتزامن مع ارتفاع منسوب التوتر على المسار التفاوضي. وعلمت "المدن" أنّ لبنان يتّجه إلى عدم المشاركة في الجولة المقبلة من المفاوضات مع إسرائيل، المرتقبة مبدئيًّا في أيلول، ما لم تسبقها خطوات إسرائيلية تستجيب للشروط التي وضعها الوفد اللبناني، وفي مقدّمها وقف شامل لإطلاق النار ووقف عمليات التجريف والتدمير في الجنوب.

وكشف مصدر قريب من رئاسة الوفد اللبناني المفاوض أنّ موعد جولة أيلول "ليس ثابتًا حتى الآن"، وأنّ انعقادها، من الجانب اللبناني، لم يعد أمرًا محسومًا أو منفصلًا عمّا ستقوم به إسرائيل على الأرض خلال المرحلة المقبلة.

وبحسب المصدر، بات الموقف اللبناني واضحًا لجهة رفض الذهاب إلى جولة جديدة لمجرّد الحفاظ على استمرارية المسار التفاوضي، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب. وبذلك، تحاول بيروت ربط أيّ تقدّم سياسي بخطوات ميدانية ملموسة، بدل الفصل بين طاولة المفاوضات وما يجري على الأرض.

ويأتي ذلك في أعقاب فشل الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، التي عُقدت في روما، ورفضت خلالها إسرائيل التجاوب مع المطالب اللبنانية المتعلقة بوقف العدوان والانتقال إلى تطبيق منطقة تجريبية ثانية.

وبانتظار بلورة الموقف اللبناني رسميًّا، تتّجه الأنظار إلى الجهود الأميركية التي وعدت واشنطن ببذلها لتحقيق المطالب اللبنانية، وإلى الزيارة المرتقبة إلى بيروت لرئيس اللجنة الأمنية والعسكرية المكلّفة الإشراف على تنفيذ الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي، الجنرال الأميركي دايفيد كليرفيلد، لمتابعة المرحلة التجريبية.

Image-1786251722.Jpg

مشروع أميركي: مساعدات للبنان وعقوبات على داعمي حزب الله

وفي موازاة الضغط الميداني والتعقيدات التي تواجه المسار التفاوضي، سُجّل تطوّر أميركي جديد مع طرح مشروع قانون في الكونغرس يجمع بين تقديم مساعدات اقتصادية وأمنية للبنان وتشديد العقوبات على الجهات الداعمة لـ"حزب الله".

وبحسب بيان صادر عن لجنة الشؤون الدولية في مجلس الشيوخ الأميركي، طرح المشروع السيناتوران جين شاهين عن الحزب الديمقراطي وجيمس لانكفورد عن الحزب الجمهوري.

وينصّ المشروع على فرض عقوبات على الجهات الأجنبية التي تموّل "حزب الله" في لبنان أو تعرقل عملية نزع سلاحه، بالتوازي مع السماح بتخصيص 200 مليون دولار سنويًّا لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، على أن تكون هناك إمكانية لرفع قيمة المساعدات إلى 300 مليون دولار في حال إحراز تقدّم في مواجهة "حزب الله".

ولا يقتصر المشروع على الشقّين الأمني والعسكري، إذ يتضمّن إنشاء صندوق لإعادة إعمار البنية التحتية ودعم الخدمات المدنية في لبنان. كذلك، يطالب برفع تقارير إلى الكونغرس بشأن مسار العمليات المتعلقة بنزع سلاح "حزب الله"، وإصلاح القطاع المصرفي اللبناني، والتقدّم نحو السلام بين لبنان وإسرائيل.

ويأتي المشروع في سياق المرحلة التي أعقبت توقيع لبنان وإسرائيل، في 26 حزيران في واشنطن، اتفاق الإطار الذي ينصّ على سحب القوّات الإسرائيلية من جنوب لبنان، بالتزامن مع نزع سلاح "حزب الله" واستعادة الجيش والقوى الأمنية اللبنانية السيطرة على كامل الأراضي اللبنانية.

وهكذا، يتقدّم المساران الميداني والسياسي في اتجاهين متعاكسين: مفاوضات يُفترض أن تؤسّس لخفض التصعيد وتثبيت الانسحاب، مقابل عمليات إسرائيلية تتوسّع في الجنوب وتضع بيروت أمام سؤال جدوى العودة إلى الطاولة من دون تغيير فعلي على الأرض. ومع التلويح اللبناني بعدم المشاركة في جولة أيلول، تصبح الأسابيع المقبلة اختبارًا ليس للمفاوضات وحدها، بل لقدرة الوساطة الأميركية على تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع ميدانية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث