"البقاع إنماء وانتماء".. من شعار مزمن إلى مشروع متكامل

طارق الحجيريالأحد 2026/08/09
Image-1786283197.Jpg
أي رؤية إنمائية للبقاع، لا بد أن تشمل معالجة أزماته البيئية والصحية(طارق الحجيري)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ظل تزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية التي يواجهها لبنان، وفي ظل حاجة المناطق الطرفية الدخول إلى صلب الاهتمام الرسمي، جاء اللقاء البقاعي الموسّع الذي استضافه أزهر البقاع في مجدل عنجر، بدعوة من مفتي زحلة والبقاع الشيخ الدكتور علي الغزاوي، ليطرح سؤالاً يتجاوز المطالب التقليدية: كيف يمكن تحويل شعار "البقاع إنماء وانتماء" من عنوان متداول منذ سنوات إلى مشروع إنمائي متكامل؟

اللقاء حضره نواب وشخصيات سياسية ودينية واقتصادية وعسكرية من مختلف المناطق البقاعية، في محاولة لفتح نقاش يتجاوز الحسابات المناطقية والسياسية الضيقة، باتجاه مقاربة موحدة لملفات البقاع ومطالبه.

في مستهل اللقاء، رحّب المفتي الغزاوي بالحاضرين، ناقلاً تحيات ودعم مفتي الجمهورية، ودعا إلى "التكاتف والتعاضد في سبيل هذه الأرض الطيبة". وفي حديث إلى "المدن" شدد على أهمية "توحيد الجهود البقاعية في مواجهة التحديات المتراكمة"، مؤكداً أن أي مشروع إنمائي "لا يمكن أن ينجح من دون تعاون أبناء المنطقة وفعالياتها، وتحويل المطالب المتراكمة إلى مسار عمل مشترك".

 

إنصاف فعلي لا وعود

أما نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي فذهب إلى جوهر المشكلة مباشرة، داعياً إلى إنصاف البقاع "فعلياً وليس كلامياً"، لأن المنطقة، وفق كلامه "ملّت الشعارات". والإنصاف لا يكون بتكرار الوعود، بل بقرارات ومشاريع تعكس حق البقاع في التنمية المتوازنة، وتعزز حضور الدولة ومؤسساتها في مناطقه.

من جهته رئيس أساقفة زحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك المطران إبراهيم مخايل إبراهيم، فأشاد بدور "التعايش الوطني في خلق في الإنماء"، ورأى أنّ البقاع  "يمتلك كل العناصر التي تؤهله لتكون قطبًا اقتصاديًا وإنمائيًا على مستوى لبنان والمنطقة"، من خلال دوره في "الأمن الغذائي، والصناعات الزراعية، والطاقة المتجددة، والسياحة البيئية والدينية والثقافية"، إضافة إلى أن موقعه الجغرافي يؤهله ليكون معبرًا اقتصاديًا مهمًا حال استعادة المنطقة استقرارها وهدوءها.

Image-1786283296.Jpg

 

البلديات شريك أساسي

بدوره أشاد النائب وائل أبو فاعور، في حديث إلى "المدن"، بعقد اللقاء معتبراً أنه "يشكل إطاراً جامعاً لتكامل الجهود والإرادات في تنمية كل البقاع بعيداً عن الآراء والانتماء السياسي".

وركّز أبو فاعور على أهمية دعم البلديات، باعتبارها "حكومات محلية قريبة من الناس، وقادرة على تحديد احتياجاتهم وتلبيتها بسرعة على الأرض إذا تم دعمها وتمكينها مالياً وإدارياً.

ودعا إلى "فصل السياسة والمصالح الفئوية والشخصية عن الإنماء وتحصيل حقوق الناس"، مؤكداً أنه سيتابع مع زملائه كل ما ورد في بيان اللقاء، لأن "التنمية والمشاريع الخدماتية حقوق طبيعية للناس وليست منّة من أحد".

 

التعيينات الإدارية 

ومن أبرز الملفات التي حضرت في النقاشات مسألة الإنصاف في التعيينات الإدارية، ولا سيما بعد إنشاء محافظة البقاع الشمالي، بما يستدعي تعزيز حضور الإدارات والمؤسسات الرسمية في المنطقة، وتفعيل اللامركزية الإنمائية، بما يساهم في تحسين الخدمات وتسريع تنفيذ المشاريع.

وفي البنى التحتية، برزت ملفات مؤجلة منذ سنوات، من نفق ضهر البيدر، إلى إعادة تشغيل مطار رياق، وصيانة الطرق الرئيسية، وتعزيز المعابر الشرعية بالقدرات البشرية واللوجستية اللازمة، بما يعزز حركة التجارة والتصدير ويربط البقاع بالأسواق الداخلية والخارجية.

 

الليطاني والزراعة والتعليم

 بالإضافة إلى ما سبق، فإن أي رؤية إنمائية للبقاع، لا بدّ أن تشمل معالجة أزماته البيئية والصحية، وفي مقدمها إنقاذ نهر الليطاني، إلى جانب دعم الزراعة والاقتصاد والاستثمار والتصدير، وهي قطاعات تشكل العمود الفقري للاقتصاد البقاعي.

وفي التربية والتعليم، طُرحت الحاجة إلى استكمال المجمع الجامعي للجامعة اللبنانية وتوسيع كلياتها، ودعم التعليم الرسمي والمهني، بالتوازي مع استكمال المسح العقاري والتنظيم المدني، ودعم البلديات، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، ومكافحة البطالة وتعزيز الحماية الاجتماعية.

 

خريطة طريق.. لا وعود

أهمية اللقاء في أزهر البقاع لا تكمن في الحضور والكلمات وتعداد المطالب فحسب، بل في الانتقال من منطق المطالبة إلى منطق المشروع. فالبقاع لا يحتاج إلى لائحة جديدة من الوعود، بقدر ما يحتاج إلى آليات متابعة، ومسؤوليات محددة، وإرادة سياسية تضع هذه الملفات على طريق التنفيذ.

لذلك، إن نجاح اللقاء يُقاس بقدرته على إنتاج خريطة طريق بقاعية مشتركة، تضع الدولة أمام مسؤولياتها، وتجمع النواب والبلديات والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والدينية حول أولويات محددة قابلة للمتابعة والمحاسبة.

وبناءً عليه، فإن لقاء "البقاع إنماء وانتماء" أصبح أكثر من شعار، وبات اختباراً جدياً لقدرة الدولة والقوى السياسية والاجتماعية على تحويل المطالب المزمنة إلى مشروع متكامل، يُثبّت الناس في أرضهم، ويعزّز اقتصادهم ومداخيلهم، ويفتح أمام الأجيال المقبلة باب الحلول، بدل الانتظار على قارعة الوعود.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث