إسرائيل تستحضر "حزب الله" لتبرير التصعيد في زوطر الغربية

المدن - سياسةالأحد 2026/08/09
Image-1786272021.Jpeg
تبدو المعركة حول زوطر الغربية أبعد من حدود البلدة نفسها. (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في موازاة التصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب، بدأت إسرائيل بتقديم رواية أمنية لما يجري في بلدة زوطر الغربية، أولى المناطق التجريبية التي دخلها الجيش اللبناني بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، في محاولة لربط عودة النشاط المدني والإغاثي إلى البلدة بإعادة بناء نفوذ "حزب الله"، وتقديم ذلك بوصفه مبرّرًا لاستمرار العمليات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، نشر مركز "ألما" الإسرائيلي، المتخصّص في الشؤون الأمنية على الجبهة الشمالية، تقريرًا في 9 آب، زعم فيه أنّ "حزب الله يواصل ترسيخ نفوذه في أولى المناطق التجريبية"، معتبرًا أنّ عناصر مرتبطة بالحزب تنشط داخل زوطر الغربية "تحت مظلة الجيش اللبناني".

وتكتسب هذه الرواية دلالتها في توقيتها، إذ تأتي فيما تشهد زوطر ومحيطها اعتداءات إسرائيلية متكرّرة، وفي ظلّ الخلاف المتصاعد بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ المرحلة التجريبية، التي يفترض أن تشكّل نموذجًا للانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وعودة السكان، تمهيدًا للانتقال إلى مناطق أخرى.

 

من النشاط الإغاثي إلى "إعادة بناء الوجود العسكري"

يبني "ألما" روايته على دخول مؤسسات وجمعيات محسوبة على البيئة الاجتماعية لـ"حزب الله" إلى زوطر الغربية بعد انتشار الجيش اللبناني فيها. وكان المركز قد أشار سابقًا إلى دخول "الهيئة الصحية الإسلامية"، قبل أن يضيف إليها، في تقريره الجديد، "جمعية وتعاونوا الخيرية".

وبحسب الرواية الإسرائيلية، دخلت الجمعية إلى زوطر الغربية منذ 29 تموز، وأنشأت مركزًا مؤقتًا للمجلس البلدي ومركزًا للخدمات بهدف دعم عودة السكان، إلى جانب وضع منشأة في الساحة المركزية لاستخدام المجلس المحلي، وتأمين مكان لتقديم الطعام والوجبات اليومية للعائدين إلى البلدة وحصر احتياجاتهم الأساسية.

كما أشار التقرير إلى تنظيم الجمعية تجمّعًا تأبينيًا في البلدة في الخامس من آب بمناسبة أربعينية الإمام الحسين، وإلى تعاون عناصرها مع الجيش اللبناني والدفاع المدني في عمليات التنظيف وإعادة التأهيل.

غير أنّ المركز الإسرائيلي لا يتعامل مع هذه الأنشطة بوصفها أعمالًا مدنية بحدّ ذاتها، بل يضعها ضمن قراءة أمنية أوسع، إذ يدّعي أنّ "جمعية وتعاونوا" تشكّل إحدى الأذرع المدنية لـ"حزب الله"، وأنّ نشاطها الاجتماعي والاقتصادي يتيح للحزب إعادة تكوين نفوذه داخل المناطق التي يعود إليها السكان.

ويذهب التقرير أبعد من ذلك، بالادّعاء أنّ تثبيت هذا الحضور المدني يمهّد، في مرحلة لاحقة، لإعادة بناء حضور عسكري وأمني للحزب. وهي خلاصة إسرائيلية لم يقدّم التقرير، في ما أورده عن النشاط الحالي داخل زوطر الغربية، دليلًا مستقلًا على وجود نشاط عسكري للحزب في البلدة.

 

رواية إسرائيلية تتجاوز زوطر

ولا يحصر "ألما" ادّعاءاته بالنشاط الحالي في زوطر الغربية، بل يستعيد أنشطة سابقة للجمعية في الجنوب، في محاولة لبناء رابط بين المنشآت المدنية المؤقتة التي تقيمها وبين البنية العسكرية لـ"حزب الله".

ويقول المركز إنّ الجمعية أطلقت، منذ وقف إطلاق النار الأول في تشرين الثاني 2024، حملة لتركيب عشرات المنشآت المتنقلة في مناطق مختلفة من جنوب لبنان، تحت عنوان توفير حلول سكنية مؤقتة للسكان. إلا أنّه يزعم أنّ بعض هذه المنشآت استُخدم لاحقًا في نشاط عسكري واستخباري للحزب، وأنّها شكّلت بديلًا عن منشآت كانت قد أقامتها جمعية "أخضر بلا حدود" قبل الحرب ودمّرها الجيش الإسرائيلي.

كذلك، يستند المركز إلى ما يقول إنها روابط مالية وتنظيمية بين "جمعية وتعاونوا" و"حزب الله"، مشيرًا إلى استخدامها حسابًا لدى "القرض الحسن" لجمع التبرعات، وإلى علاقات مالية مع إيران، ومعتبرًا ذلك جزءًا من شبكة المؤسسات المدنية التي يستند إليها الحزب لإعادة ترميم حضوره بعد الحرب.

لكن الانتقال من هذه الروابط إلى اعتبار النشاط الإغاثي الجاري في زوطر الغربية غطاءً لإعادة بناء بنية عسكرية يبقى جزءًا من القراءة التي يقدّمها المركز الإسرائيلي، وليس واقعة مثبتة في المعطيات التي أوردها التقرير نفسه.

 

تمهيد لتبرير استمرار العمليات؟

الأهم في تقرير "ألما" ليس توصيف الجمعيات العاملة في زوطر بقدر ما هو المعنى السياسي والأمني الذي تحاول الرواية الإسرائيلية استخلاصه من وجودها. فاعتبار عودة المؤسسات المرتبطة بالبيئة الاجتماعية لـ"حزب الله" دليلًا على إعادة بناء بنيته العسكرية يوسّع عمليًّا تعريف إسرائيل لما تعتبره تهديدًا أمنيًا في المناطق التي تنسحب منها.

وبذلك، يمكن أن تتحوّل أنشطة إعادة الإعمار، وعودة السكان، وتقديم الخدمات، وحتى التعاون مع المؤسسات الرسمية اللبنانية، إلى عناصر تستخدمها إسرائيل للقول إنّ نموذج "المنطقة التجريبية" لا يحقّق الهدف المطلوب منه.

وهذا تحديدًا ما يجعل الرواية الإسرائيلية ذات أهمية في اللحظة الحالية. فزوطر الغربية ليست بلدة منفصلة عن المسار السياسي، بل أول اختبار للنموذج الذي يُفترض أن يتكرّر في مناطق أخرى: انسحاب إسرائيلي، انتشار للجيش اللبناني، عودة للسكان، ثم انتقال إلى مرحلة تجريبية جديدة.

ومن هنا، فإنّ تصوير التجربة الأولى باعتبارها مساحة يعود إليها "حزب الله" تحت غطاء مدني يمنح إسرائيل حجّة يمكن استخدامها لرفض الانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية، أو للمطالبة بشروط إضافية، أو لتبرير استمرار عملياتها العسكرية حتى بعد انتشار الجيش اللبناني.

ويأتي ذلك فيما يشكو لبنان أصلًا من استمرار الخروقات والعمليات الإسرائيلية في زوطر ومحيطها بعد الانسحاب. وكان رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عزّ الدين قد أفاد بدخول مسيّرة إسرائيلية إلى مبنى البلدية وطلبها فتح أبوابه لتفتيشه، قبل انتقالها إلى ساحة البلدة ومراقبة أعمال رفع الركام.

وعليه، تبدو المعركة حول زوطر الغربية أبعد من حدود البلدة نفسها. فإلى جانب الوقائع الميدانية، تدور معركة على تعريف نجاح التجربة الأولى: لبنان يعتبر الانسحاب وانتشار الجيش وعودة الأهالي أساسًا للانتقال إلى مراحل إضافية، فيما تعمل إسرائيل على بناء رواية مضادّة تعتبر أنّ عودة مؤسسات محسوبة على بيئة "حزب الله" كافية للتشكيك بالتجربة برمّتها.

وفي حال اعتماد هذه المقاربة إسرائيليًا، يصبح الخلاف حول "المنطقة التجريبية" أكثر تعقيدًا، إذ لن يعود محصورًا بمسألة وجود السلاح أو العناصر العسكرية، بل سيمتدّ إلى طبيعة المؤسسات المدنية والجمعيات التي يُسمح لها بالعمل بعد عودة السكان. وهو ما يفتح الباب أمام إسرائيل لتوسيع ذرائعها الأمنية، في وقت يتمسّك فيه لبنان بوقف العمليات العسكرية والتجريف والتدمير شرطًا لأي تقدّم في المفاوضات والانتقال إلى مرحلة تجريبية جديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث