روما رهن التصعيد.. لبنان يهدد: لن نشارك في الجولة المقبلة

مانشيت - المدنالسبت 2026/08/08
Image-1786198773.Jpeg
دخل لبنان مفاوضات روما واضعًا وقف إطلاق النار وعمليات نسف المنازل وتجريفها في رأس أولوياته. (االمدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

احتلّ الوضع في الجنوب صدارة المشهد السياسي بعد يومين على اختتام الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانيّة، الإسرائيليّة، بفعل استمرار الاعتداءات واتّساع رقعتها من القصف والتفجيرات إلى التوغّلات والتجريف ومراقبة حركة الجيش اللبناني والبلديّات. وتواصل القصف المدفعي الإسرائيلي بصورة متقطّعة على أحراج ومرتفعات علي الطاهر عند أطراف النبطيّة الفوقا، وطاول المنطقة الواقعة بين دوحة كفررمان وتلّة الدبشة المشرفة على مدينة النبطيّة. كما استهدفت القذائف محيط بلدة المنصوري في قضاء صور، وأصابت عددًا من المنازل، بالتزامن مع تحليق الطيران الحربي الإسرائيلي على علوّ منخفض في أجواء القطاعين الأوسط والغربي.

ولم تعد الاعتداءات الإسرائيليّة مجرّد خروقات ميدانيّة تجري على هامش المفاوضات، بل تحوّلت إلى جزء من بنيتها وأداة للضغط داخلها. فإسرائيل تفاوض لبنان فيما تواصل تثبيت وقائع أمنيّة وعسكريّة على أرضه، وتمنع السكان من العودة إلى بلداتهم، وتنسف المنازل وتجرّف الأراضي، في محاولة لتحويل ما فرضته بالقوّة إلى شروط ثابتة في أيّ اتفاق مقبل. وفي موازاة الضغط بالنار، تتقدّم مقاربة أميركيّة تربط دعم الدولة والجيش وإعادة الإعمار بإحراز تقدّم في ملفّ سلاح حزب الله، بما يضع لبنان أمام مسار يتجاوز وقف إطلاق النار إلى إعادة تشكيل التوازن الأمني والسياسي في مرحلة ما بعد الحرب.

غير أنّ لبنان، في المقابل، بدأ يلوّح باستخدام ورقة المشاركة في المفاوضات للضغط على إسرائيل. فبحسب معلومات خاصّة بـ"المدن"، لن يشارك الوفد اللبناني في جولة جديدة ما لم تستجب إسرائيل للشروط اللبنانيّة، وفي مقدّمها وقف شامل لإطلاق النار ووقف عمليّات التجريف والتدمير، إلى جانب الموافقة على الانتقال إلى مناطق تجريبيّة جديدة. وبذلك، لم يعد لبنان ينتظر موعد الجولة الثامنة فحسب، بل يربط انعقادها بتغيير ملموس في السلوك الإسرائيلي على الأرض.

 

الجنوب تحت النار والتوغّلات مستمرّة

يتقدّم مشهد الاعتداءات الإسرائيليّة في الجنوب الذي تحوّل إلى ساحة مستباحة، فيما تكشف الوقائع المتلاحقة أنّ الوجود الإسرائيلي لم يعد مقتصرًا على مواقع ثابتة خلف الخطّ الأصفر، بل يتّخذ شكل توغّلات وعمليّات داخل البلدات، يعقبها نسف المنازل وتجريفها أو إعادة تموضع القوّات.

وفي بلدة زوطر الغربيّة، أفاد رئيس البلديّة عبد عزّ الدين بأنّ مسيّرة إسرائيليّة دخلت مبنى البلديّة وطلبت فتح أبوابه لتفتيشه، قبل أن تنتقل إلى ساحة البلدة لمراقبة أعمال رفع الركام. وقال عزّ الدين إنّه اضطر إلى فتح باب مكتبه أمام المسيّرة لتتمكّن من مراقبة الموجودين داخله، في مشهد يختصر طبيعة الرقابة الإسرائيليّة المفروضة على البلدة، على الرغم من انتشار الجيش اللبناني فيها.

وفي البلدة نفسها، أُصيب ثلاثة عسكريّين في الجيش اللبناني بجروح، أحدهم إصابته متوسّطة، أثناء عملهم على تفكيك ذخائر غير منفجرة. وتكشف الحادثة جانبًا آخر من المخاطر التي تواجه الوحدات العسكريّة بعد دخولها المناطق المدمّرة، إذ لا يقتصر دورها على الانتشار وتثبيت الأمن، بل يشمل مسح مساحات واسعة خلّفت فيها الحرب ذخائر وعبوات ومخلّفات متفجّرة.

وعلى مقربة منها، أظهرت مشاهد مصوّرة آليّات إسرائيليّة وهي تجرّف منازل في زوطر الشرقيّة، فيما نفّذت القوّات الإسرائيليّة تفجيرًا داخل بلدة القنطرة في قضاء مرجعيون. كما كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن إصابة جندي من الكتيبة الهندسيّة 607 بنيران قوّة إسرائيليّة أخرى خلال وجوده في بلدة الطيري، بما يؤكّد استمرار تحرّك الوحدات العسكريّة الإسرائيليّة داخل البلدات اللبنانيّة.

وتضاف هذه الوقائع إلى القصف الذي طاول مرتفعات علي الطاهر ومحيط كفررمان والمنصوري، وإلى عمليّات التفجير والتجريف المتواصلة في عدد من المناطق. وتستمرّ إسرائيل كذلك في نسف المنازل وسرقة ما بقي من أثاث وممتلكات وأشجار زيتون، قبل تدمير الأبنية، فيما تحاول منع الجيش والبلديّات والأهالي من تثبيت العودة إلى المناطق التي أعلنت انسحابها منها.

وهكذا، لا يبدو الانسحاب الإسرائيلي في بعض المناطق أكثر من إعادة تموضع محدودة، تتيح للقوّات العودة إلى تنفيذ توغّلات وعمليّات تفجير متى شاءت. وهو ما يفرغ مفهوم "المناطق التجريبيّة" من وظيفته المعلنة، أي تمكين الجيش اللبناني من الانتشار وفتح الطريق أمام عودة السكان، ويحوّله إلى اختبار مستمرّ تملك إسرائيل وحدها حقّ الحكم على نتائجه.

 

لبنان يلوّح بتعليق المفاوضات

في ظلّ هذه الوقائع، كشف مصدر قريب من رئاسة الوفد اللبناني المفاوض لـ"المدن" أنّ لبنان لن يشارك في الجولة المقبلة من المفاوضات، المرتقبة خلال أيلول، إلا إذا استجابت إسرائيل لشروطه.

وبحسب المصدر، فإنّ موعد الجولة الجديدة ليس ثابتًا حتى الآن، خلافًا لما يُتداول عن عقدها مطلع أيلول. ويربط لبنان مشاركته في الجلسات المقبلة بخضوع إسرائيل لمطالبه، وفي مقدّمها وقف شامل لإطلاق النار، ووقف عمليّات التجريف والتدمير، والموافقة على الانتقال إلى مناطق تجريبيّة جديدة.

ويتمسّك الوفد اللبناني بخيارَي الخيام وبنت جبيل ضمن المرحلة المقبلة من "المناطق التجريبيّة"، في محاولة لنقل التطبيق إلى مناطق تشكّل اختبارًا فعليًّا للانسحاب الإسرائيلي، بدل حصره في مناطق شهدت إعادة تموضع محدودة أو لم تكن خاضعة أصلًا لوجود عسكري إسرائيلي دائم.

ويؤكّد الموقف اللبناني أنّ بيروت غير معنيّة بالحسابات السياسيّة والخلافات الداخليّة في إسرائيل، ولا تريد أن تتحوّل الساحة اللبنانيّة إلى حقل تجارب مرتبط بالانتخابات الإسرائيليّة. فلبنان، وفق المصدر، لن يذهب إلى مفاوضات جديدة فيما تواصل إسرائيل استخدام الجنوب ميدانًا لتثبيت وقائعها أو تحسين شروطها الداخليّة والتفاوضيّة.

ويشكّل هذا الموقف تحوّلًا في إدارة المسار، إذ ينتقل لبنان من الاكتفاء بالمطالبة بوقف الاعتداءات إلى التلويح بتعليق مشاركته. كما يعيد ترتيب العلاقة بين الميدان والطاولة: لا تفاوض جديدًا من دون خطوات إسرائيليّة مسبقة، ولا انتقال إلى ملفات الحدود والترتيبات الأمنيّة بينما تبقى عمليّات النسف والتجريف مستمرّة.

 

من وقف العدوان إلى الترتيبات الأمنيّة

دخل لبنان مفاوضات روما واضعًا وقف إطلاق النار وعمليّات نسف المنازل وتجريفها في رأس أولويّاته، إلى جانب التقدّم في ملفّ "المناطق التجريبيّة". غير أنّ إسرائيل رفضت تقديم التزامات واضحة في هذه الملفّات، فيما اتّسع النقاش ليشمل الحدود البرّيّة والأسرى وشكل الترتيبات الأمنيّة المقبلة.

ويعني هذا الانتقال أنّ التفاوض لم يعد محصورًا بكيفيّة إنهاء الاعتداءات، بل بات يقترب من صوغ نظام أمني جديد للجنوب، يقوم على إزالة السلاح والأنفاق ومراكز القيادة، وتثبيت السيطرة الحصريّة للجيش اللبناني، وإخضاع التنفيذ لآليّة تحقّق تشارك فيها جهة ثالثة.

وفي هذا السياق، كشف مسؤول لبناني لوكالة "رويترز" أنّ لبنان وإسرائيل توصّلا إلى قائمة مختصرة بالدول التي يمكنها المشاركة في التحقّق من نزع سلاح حزب الله، على أن تتولّى واشنطن اختيار الدولة أو الدول المعنيّة. وبحسب مسؤولين ودبلوماسيّين تحدّثوا إلى الوكالة، استبعدت الولايات المتحدة وإسرائيل فرنسا من القائمة.

ومن المنتظر أن يصل الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد إلى بيروت لمتابعة الملفات المتّصلة بوقف الاعتداءات ونسف المنازل و"المناطق التجريبيّة". إلّا أنّ الزيارة تأتي هذه المرّة أمام شرط لبناني واضح: إنّ استمرار المسار التفاوضي لم يعد أمرًا محسومًا إذا بقيت إسرائيل متمسّكة بالتصعيد ورفضت الانتقال إلى مناطق تجريبيّة جديدة.

 

الموسوي: السلطة ورّطت البلد

في المقابل، يواصل حزب الله رفضه للمسار التفاوضي وشروطه، إذ اعتبر عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب إبراهيم الموسوي أنّ السلطة اللبنانيّة "ورّطت نفسها والبلد بالمفاوضات المباشرة مع العدو"، ورأى أنّ "اتفاق الإطار" يتضمّن إملاءات ولا يراعي مصلحة لبنان.

وينطلق موقف الموسوي من رفض الحزب أن تتحوّل المفاوضات إلى مسار يفرض على لبنان تنفيذ التزاماته المتعلّقة بالسلاح، فيما تبقى إسرائيل من دون التزام واضح بالانسحاب أو وقف الاعتداءات. كما يعكس اتّساع التباين الداخلي حول جدوى التفاوض تحت النار، وحدود التنازلات التي يمكن تقديمها، ومن يملك قرار الدخول في ترتيبات أمنيّة طويلة الأمد.

وتمنح الاعتداءات الإسرائيليّة المستمرّة الحزب مادّة إضافيّة للطعن في المسار التفاوضي. فكلّما اتّسعت التوغّلات والتفجيرات من دون ردع أميركي، تعزّزت حجّة المعترضين بأنّ إسرائيل تستخدم التفاوض غطاءً لتثبيت احتلالها، لا طريقًا للانسحاب. في المقابل، تحاول الدولة تعديل ميزان التفاوض من خلال ربط مشاركتها المقبلة باستجابة إسرائيل للشروط اللبنانيّة.

 

واشنطن تنتقل إلى التشريع

بالتوازي مع المفاوضات، يتبلور في واشنطن مسار أكثر وضوحًا لربط الدعم الأميركي للبنان بنزع سلاح حزب الله وتعزيز سلطة الدولة. فقد قدّمت السيناتور الديمقراطيّة جين شاهين والسيناتور الجمهوري جيمس لانكفورد مشروع "قانون عقوبات لبنان واستقراره ودعمه"، الذي يجمع بين فرض عقوبات على الجهات الداعمة للحزب وتقديم مساعدات أمنيّة واقتصاديّة إلى الدولة اللبنانيّة.

ويفرض المشروع عقوبات على الأشخاص الأجانب الذين يدعمون تمويل إيران لحزب الله، أو يعرقلون جهود نزع سلاحه وإصلاح القطاع المالي. وتشمل الإجراءات تجميد الممتلكات وحظر المعاملات الماليّة وعدم الأهليّة للحصول على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، مع استثناء المساعدات الإنسانيّة.

وفي المقابل، يجيز المشروع تخصيص 200 مليون دولار سنويًّا من المساعدات الأمنيّة لتعزيز قدرات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، على أن يرتبط التمويل بإثبات إحراز تقدّم في مواجهة الحزب. ويمكن رفع المساعدات إلى 300 مليون دولار سنويًّا إذا اعتبرت واشنطن أنّ تقدّمًا كافيًا قد تحقّق.

كما ينصّ المشروع على إنشاء صندوق حوافز لتمويل تعافي البنية التحتيّة والخدمات المدنيّة التي تتولّى الدولة إدارتها بدلًا من حزب الله، إلى جانب تقديم تقارير دوريّة عن مسار نزع السلاح والإصلاح المصرفي والتنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، والتقدّم نحو إقامة علاقات سلميّة بين لبنان وإسرائيل.

وهكذا، لا تظهر إعادة الإعمار في المقاربة الأميركيّة بوصفها ملفًّا إنسانيًّا أو اقتصاديًّا منفصلًا، بل أداة سياسيّة وأمنيّة مرتبطة بإعادة بناء حضور الدولة في المناطق التي يشغل فيها حزب الله موقعًا عسكريًّا واجتماعيًّا وخدماتيًّا. فواشنطن تعرض المساعدات والدعم المؤسّسي في جهة، وتضع العقوبات والرقابة والشروط في الجهة المقابلة.

 

لا حلّ عسكريًّا منفردًا

في الوقت نفسه، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين عسكريّين ومصادر مطّلعة أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل والجانب اللبناني يدرسون خيارات متعدّدة لمعالجة سلاح حزب الله، انطلاقًا من صعوبة إنجاز المهمّة بعمليّة عسكريّة إسرائيليّة منفردة.

وتشمل الخيارات المطروحة تدريب وحدات نخبة في الجيش اللبناني وتمكينها من فرض سلطة الدولة في مناطق انتشار الحزب، وربط إعادة الإعمار بالتقدّم في ملفّ السلاح، إلى جانب قطع خطوط الإمداد عبر سوريا، سواء بالتعاون مع الحكومة السوريّة الجديدة أو من خلال ترتيبات إقليميّة.

ونقل التقرير عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي أنّ تجريد الحزب من سلاحه بالكامل بالقوّة قد يتطلّب احتلال الأراضي اللبنانيّة، وهو خيار غير عملي. لذلك، يصبح التعاون مع المؤسّسات اللبنانيّة والتوصّل إلى اتفاق سياسي عنصرين أساسيّين في أيّ مسار مستدام. وفي المقابل، يحذّر مسؤولون من أنّ محاولة فرض نزع السلاح بالقوّة قد تفجّر توتّرات داخليّة وتهدّد بإعادة فتح احتمالات الصدام الأهلي.

 

الحجار في طرابلس: الأمن والإنماء معًا

وفي موازاة الانشغال بالجنوب، حضر الوضع الأمني والإنمائي في الشمال خلال زيارة وزير الداخليّة والبلديّات أحمد الحجار إلى طرابلس، حيث ترأّس اجتماع مجلس الأمن الفرعي لمحافظتَي لبنان الشمالي وعكّار، بحضور المحافظين وقادة الأجهزة العسكريّة والأمنيّة والقضائيّة.

وأكد الحجار أنّ المرحلة المقبلة ستشهد عملًا أمنيًّا مستمرًّا، بالتوازي مع جهود إنمائيّة لمعالجة حاجات طرابلس والشمال. ويحمل هذا الربط دلالة تتجاوز الزيارة نفسها، إذ تواجه الدولة تحدّي تثبيت حضورها أمنيًّا ومؤسّسيًّا في مختلف المناطق، فيما تُدفع في الجنوب إلى تحمّل مسؤوليّات متزايدة ضمن ترتيبات دوليّة وإقليميّة شديدة الحساسيّة.

وعليه، تتقاطع فوق الساحة اللبنانيّة ثلاثة مسارات: إسرائيل تضغط بالنار وتوسّع وقائعها الميدانيّة، وواشنطن تربط الدعم وإعادة الإعمار بتغيير معادلة السلاح، فيما بدأ لبنان يلوّح بتعليق المفاوضات ما لم تتوقّف الاعتداءات وتُقبل شروطه. وبين هذه المسارات، تبقى المعادلة الأصعب: كيف ينتزع لبنان الانسحاب ووقف العدوان، من دون أن تتحوّل حاجته إلى الحماية والإعمار إلى مدخل لفرض تسوية تُكتب شروطها تحت النار؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث