المسؤولية الدولية لإيران وإمكان إلزامها بالتعويض على لبنان

ميشال فلاحالسبت 2026/08/08
Image-1775666646
مطالبة لبنان إيران بالتعويض ليست، من حيث القانون الدولي، فكرة سياسية مجردة أو حقاً افتراضياً بلا أساس(غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تنحصر المسألة في سؤال سياسي حول ما إذا كان لإيران نفوذ في لبنان، بل يمكن صياغتها قانونياً على النحو الآتي: هل أدت أفعال منسوبة إلى الدولة الإيرانية، أو إلى أجهزة تابعة لها أو تعمل بتوجيهها أو تحت سيطرتها، إلى خرق التزامات دولية نافذة تجاه لبنان، وإلى إلحاق أضرار مادية ومعنوية قابلة للتقدير؟ إذا كان الجواب مثبتاً بالأدلة، فإن النتيجة القانونية لا تكون مجرد إدانة سياسية، بل قيام مسؤولية دولية تستتبع جبر الضرر والتعويض.

 

أولاً: الأساس الدستوري اللبناني لحق الدولة في المطالبة

تؤسس مقدمة الدستور اللبناني، التي تكرس انتماء لبنان إلى منظومة الأمم المتحدة والتزامه مواثيقها، للمرجعية الدستورية الداخلية لأي تحرك دولي. كما تنص المادة الأولى على أن لبنان «دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة»، فيما تجعل المادة 65 السلطة التنفيذية، ومجلس الوزراء تحديداً، الجهة الدستورية التي تخضع لها القوات المسلحة، وصاحبة الاختصاص في رسم السياسة العامة للدولة وفي شؤون الدفاع والأمن والسياسة الخارجية.

وبالتالي، فإن تمويل أو تسليح أو تدريب أو توجيه قوة مسلحة تعمل داخل لبنان خارج السلطة الدستورية اللبنانية، إذا ثبتت علاقته بدولة أجنبية، لا يشكل فقط تدخلاً سياسياً؛ بل يمكن أن يمثل مساساً مباشراً بالسيادة الدستورية وبالاختصاص الحصري للدولة في الحرب والسلم والدفاع. ويكون للحكومة اللبنانية، بوصفها الممثل الدولي للدولة، صلاحية اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة لحماية حقوق لبنان والمطالبة بجبر الأضرار التي لحقت به.

 

ثانياً: الالتزامات الدولية التي يمكن أن تشكل أساساً للمسؤولية

يقدم ميثاق الأمم المتحدة الأساس الأول. فالمادة 2/1 تكرس المساواة في السيادة، والمادة 2/4 تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، كما تؤكد المادة 2/7 مبدأ عدم التدخل في الاختصاص الداخلي للدول. وتفرض المادة 2/3 تسوية المنازعات بالوسائل السلمية.

وقد طورت الجمعية العامة هذه القواعد في القرار 2625 (XXV) لعام 1970، إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية، الذي يرفض تدخل الدول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الشؤون الداخلية والخارجية للدول الأخرى، كما يرفض تنظيم أو تشجيع أو تمويل أو تحريض أو تسامح الدولة مع أنشطة مسلحة تهدف إلى التدخل في دولة أخرى. وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في حالة دولة تقوم، بصورة مستمرة، بتمويل وتسليح قوة مسلحة تعمل داخل دولة أخرى وتملك قدرة مستقلة عن حكومتها الشرعية.

كما يكتسب القرار 3314 (XXIX) لعام 1974 بشأن تعريف العدوان أهمية تفسيرية، إذ يعتبر من صور العدوان إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من دولة أو بالنيابة عنها، أو تقديم دعم جوهري لها، متى بلغ السلوك مستوى الأعمال المسلحة المحددة في القرار. ولا يعني ذلك أن كل تمويل لجماعة مسلحة يشكل تلقائياً «عدواناً» بالمعنى الفني، لكنه يوفر معياراً قانونياً مهماً لتقييم خطورة السلوك الدولي.

أما في مجال مسؤولية الدول، فتشكل مواد لجنة القانون الدولي لعام 2001 بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً المرجع الأكثر مباشرة. فالمادة تقرر أن كل فعل غير مشروع دولياً ترتكبه الدولة يرتب مسؤوليتها الدولية، والمادة تشترط عنصرين: أن يكون السلوك منسوباً إلى الدولة، وأن يشكل خرقاً لالتزام دولي نافذ عليها.

وتتوسع المواد   إلى 11 في قواعد الإسناد، ولا سيما المادة التي تنسب إلى الدولة أفعال الأشخاص أو الجماعات إذا كانوا يتصرفون بناءً على تعليماتها أو تحت توجيهها أو سيطرتها. وهنا تبرز أهمية معيار السيطرة الفعلية الذي اعتمدته محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها، إذ اشترطت، في نسبة العمليات المحددة إلى الدولة، إثبات سيطرة فعلية على العمليات التي ارتكبت خلالها الانتهاكات.

 

ثالثاً: لماذا يصبح التعويض التزاماً قانونياً لا مجرد مطلب سياسي؟

تحدد المادة 31 من مواد لجنة القانون الدولي القاعدة الحاسمة: الدولة المسؤولة عن فعل غير مشروع دولياً ملزمة بـ«الجبر الكامل» للضرر الناجم عنه. وتشمل المادة 34 صور الجبر: الرد، والتعويض، والترضية، منفردة أو مجتمعة.

وتوجب المادة 36 التعويض عن كل ضرر قابل للتقييم المالي لم تتم معالجته بالرد، بما في ذلك، عند إثباته، خسارة الأرباح. كما تشمل المسؤولية الأضرار المادية والمعنوية وفقاً للقواعد العامة للقانون الدولي. أما المادة 30 فتفرض وقف الفعل المستمر، وتقديم ضمانات بعدم التكرار حيث تقتضي الظروف ذلك.

وعليه، يستطيع لبنان قانونياً أن يبني مطالبة تعويضية على فئات محددة من الأضرار، منهاالأضرار المباشرة التي لحقت بالبنى التحتية والمؤسسات العامة، كلفة الحروب والنزوح وإعادة الإعمار، الخسائر الاقتصادية القابلة للإثبات، الأضرار التي أصابت المالية العامة، والأضرار المعنوية التي لحقت بالدولة وسيادتها.

أما الاغتيالات والجرائم التي ارتكبتها جماعات أو أفراد، فلا يمكن تحميل إيران مسؤوليتها تلقائياً لمجرد وجود علاقة سياسية أو تمويلية. لكن يمكن إدراجها في ملف المسؤولية إذا أثبت التحقيق القضائي أن أجهزة إيرانية أصدرت أوامر أو قدمت توجيهاً أو سيطرة عملياتية، أو إذا توافرت عناصر قانونية أخرى للإسناد. وهذه النقطة حاسمة؛ فالقانون الدولي لا يعاقب على «النفوذ» بذاته، بل على السلوك المحدد القابل للإسناد.

 

رابعاً: القرارات الدولية المتعلقة بلبنان كجزء من الملف الإثباتي

يشكل قرار مجلس الأمن 1559 (2004) سنداً مهماً، إذ أكد احترام سيادة لبنان واستقلاله السياسي وسلامة أراضيه، ودعا إلى انسحاب القوات الأجنبية ونزع سلاح الميليشيات وبسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية.

كما أكد القرار 1701 (2006) وقف الأعمال العدائية، ودعا إلى عدم دخول الأسلحة والمواد ذات الصلة إلى لبنان من دون موافقة الحكومة اللبنانية، وإلى بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. وهذه القرارات لا تنشئ، بحد ذاتها، حكماً تلقائياً بالتعويض لإيران، لكنها توفر إطاراً دولياً موثقاً لتحديد الالتزامات المتعلقة بالسيادة والسلاح والسلطة الشرعية.

 

خامساً: الطريق العملي للمطالبة بالتعويض

يجب على لبنان، قبل رفع أي دعوى، أن ينشئ بقرار رسمي لجنة وطنية للتحقيق والتوثيق والتقييم المالي، تجمع الأدلة المتعلقة بمصادر التمويل والتسليح، وسلاسل القيادة والتوجيه، والوقائع القضائية، وتقارير الأجهزة الرسمية والدولية، وتحدد الضرر المالي لكل واقعة قابلة للإسناد.

بعد ذلك، يوجه لبنان إلى إيران إخطاراً دبلوماسياً رسمياً ومطالبة بالتعويض، يحدد الوقائع والقواعد القانونية والأضرار، ويطلب التفاوض أو الاتفاق على التحكيم. ويمكن، بالتوازي، عرض المسألة على مجلس الأمن بموجب المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة، وطلب إدراجها في إطار حفظ السلم والأمن الدوليين. إلا أن الحصول مسبقاً على قرار من مجلس الأمن ليس شرطاً قانونياً لقيام المسؤولية أو لتقديم دعوى قضائية؛ فالمادتان 33 و36 من الميثاق تكرسان التسوية السلمية، ولا تجعل المادة 35 قراراً سابقاً لازماً لبدء المسار القضائي.

 

سادساً: المحكمة المختصة والعقبة الحقيقية

المحكمة الطبيعية لأي نزاع تعويضي بين دولتين هي محكمة العدل الدوليةغير أن اختصاصها يقوم على رضا الدول. وتنص المادة 36/1 من نظام المحكمة على الاختصاص في الحالات التي تحيلها الدول إليها، أو في المسائل المنصوص عليها في معاهدات نافذة. أما المادة 36/2 فتتعلق بالاختصاص الإلزامي المتبادل بين الدول التي قبلته.

وتكمن المشكلة العملية في أن إيران لا تقبل اختصاص المحكمة قبولاً عاماً مفتوحاً في جميع المنازعات؛ إذ إن إعلانها الحالي بموجب المادة 36/2 مقيد بصورة شديدة، ولا يوفر أساساً عاماً لدعوى لبنانية من هذا النوع. لذلك فإن الطريق الأقوى هواتفاق خاص بين لبنان وإيران على إحالة النزاع إلى المحكمة، أو وجود معاهدة نافذة بينهما تتضمن شرطاً يمنح المحكمة الاختصاص، أو اللجوء إلى التحكيم باتفاق الطرفين.

 

الخلاصة

إن مطالبة لبنان إيران بالتعويض ليست، من حيث القانون الدولي، فكرة سياسية مجردة أو حقاً افتراضياً بلا أساس. فالقواعد الدولية النافذة تعترف صراحة بمسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة، وتفرض الجبر الكامل والتعويض عن الضرر القابل للإثبات. ويملك لبنان أساساً دستورياً ودولياً لفتح هذا المسار.

غير أن النجاح يتوقف على تحويل الاتهامات العامة إلى ملفات قانونية منفصلةكل واقعة، وكل عملية تمويل أو تسليح أو توجيه، وكل ضرر، مع إثبات العلاقة السببية والإسناد إلى الدولة الإيرانية وفق معيار قانوني قابل للدفاع أمام جهة قضائية دولية.

والخطوة الأكثر واقعية ليست انتظار قرار مسبق من مجلس الأمن، بل مباشرة إجراءات توثيق ومطالبة رسمية ومفاوضات إلزامية أو اتفاق تحكيم، مع السعي إلى بناء أساس اختصاص لمحكمة العدل الدولية. فإذا رفضت إيران التسوية، فإن الرفض لا يلغي المسؤولية، لكنه يجعل العقبة الأساسية إجرائيةإثبات الاختصاص القضائي، لا إثبات وجود قاعدة دولية تلزم الدولة المسؤولة بالتعويض.

 

المراجع

  1. الدستور اللبناني، المقدمة والمواد 1 و65.
  2. ميثاق الأمم المتحدة، المواد 2، 33، 35، 36، 39، 41، 42 و94.
  3. نظام محكمة العدل الدولية، المادة 36.
  4. لجنة القانون الدولي، مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً لعام 2001، المواد 1، 2، 4–11، 14، 30، 31، 34–37.
  5. محكمة العدل الدولية، Military and Paramilitary Activities in and against Nicaragua (Nicaragua v. United States of America)، حكم 27 حزيران 1986.
  6. الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 2625 (XXV)، إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، 1970.
  7. الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 3314 (XXIX)، تعريف العدوان، 1974.
  8. مجلس الأمن، القرار 1559 (2004).
  9. مجلس الأمن، القرار 1701 (2006).

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث