يتقدّم مشهد الاعتداءات الإسرائيليّة في الجنوب، الذي تحوّل إلى ساحة مستباحة أمام إسرائيل واعتداءاتها التي تطاول عددًا من البلدات والمناطق الحدوديّة. وكان آخرها استهداف جرّافة تابعة للجيش اللبناني بقنبلة صوتيّة، أثناء عملها على فتح الطرق وإزالة الركام في بلدة المنصوري، ما أدّى إلى إصابة أحد العسكريّين بجروح.
وبات ثابتًا أنّ إسرائيل نقلت سيناريو غزّة إلى لبنان بتفاصيله، ونجحت في فرض وتكريس أمر واقع جديد، عبر إنشاء منطقتها الأمنيّة ومنع عودة الأهالي إلى القرى المتاخمة للخطّ الأصفر، فيما تبقى المساحة الثانية من الجنوب تحت وطأة التفجيرات وأعمال التجريف المستمرّة. ويضاف إلى ذلك تمادي إسرائيل في سرقة أشجار الزيتون وأثاث المنازل الجنوبيّة، أو ما بقي منها، قبل تفجيرها.
والمفارقة أنّ كلّ ذلك جرى ويجري فيما يخوض لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بات يخشى معها أن تتحوّل إلى مدخل لتوريطه في ترتيبات أمنيّة طويلة الأمد. فبدل أن ينحصر التفاوض بوقف الاعتداءات وملفّ "المناطق التجريبيّة"، التي رفضتها إسرائيل، انتقل البحث إلى الحدود البرّيّة والأسرى، في مسار يبدو أنّ إسرائيل نجحت من خلاله في جرّ لبنان نحو الملفّات التي تريدها، فيما يبقى لبنان منتظرًا الجولة الثامنة من المفاوضات، التي لم يُحدّد موعدها رسميًّا بعد، وإن تردّد أنّها ستُعقد مطلع أيلول.
عون يتحدّث عن تقدّم في المفاوضات
وعلى الرغم من الوقائع الميدانيّة والسياسيّة السلبيّة من الجانب الإسرائيلي، أبلغ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون الوزراء إحراز تقدّم إيجابي في ملفَّي الحدود والأسرى خلال المفاوضات التي عُقدت في العاصمة الإيطاليّة، معربًا عن أمله في أن تظهر قريبًا خطوات عمليّة في هذا الإطار.
وأوضح عون، في مستهلّ جلسة مجلس الوزراء، أنّ المفاوضات تناولت كذلك وقف إطلاق النار وعمليّات نسف المنازل وتجريفها وتحديد "المناطق التجريبيّة"، مشيرًا إلى أنّ الإدارة الأميركيّة ستعمل على معالجة الملفَّين الأخيرين.
وأشار إلى أنّ الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد سيصل قريبًا إلى بيروت لمتابعة هذه الملفّات. كما وضع الوزراء في أجواء زيارته إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكّدًا أنّ المحادثات كانت إيجابيّة، وأنّ ترامب أبدى تفهّمًا لوضع لبنان وفتح "الكثير من الأبواب".
وقال عون إنّ نتائج الزيارة بدأت تُترجم برفع الحظر عن عمل الخطوط الجويّة الأميركيّة إلى لبنان، معربًا عن أمله في أن تبدأ شركة "طيران الشرق الأوسط" تسيير رحلات إلى المطارات الأميركيّة. وكشف عن العمل لعقد مؤتمر اقتصادي في واشنطن، بمشاركة الوزراء المعنيّين وبرئاسة رئيس الحكومة نواف سلام.
واشنطن تختار جهة التحقّق من نزع السلاح
في موازاة ذلك، كشف مسؤول لبناني، في حديث إلى وكالة "رويترز"، أنّ لبنان وإسرائيل اتّفقا على قائمة مختصرة بالدول التي يمكنها إرسال قوّات للتحقّق من نزع سلاح حزب الله، بموجب اتفاق توسّطت فيه الولايات المتحدة، على أن تختار واشنطن الدول من هذه القائمة.
ورفض المسؤول الكشف عن أسماء الدول المدرجة أو تحديد عددها، غير أنّ مسؤولًا لبنانيًّا آخر ودبلوماسيّين أجانب كانوا قد أبلغوا "رويترز" في وقت سابق بأنّ إسرائيل والولايات المتحدة استبعدتا فرنسا من القائمة.
وقال المسؤول اللبناني: "توصّلنا إلى قائمة مختصرة من الدول، وحدّدنا الأطراف التي لا يمكن قبولها بالنسبة إلى كلّ طرف، وكذلك الأطراف الفاعلة المحتملة". وأضاف: "سيتّخذ الأميركيّون القرار الآن، ويمكنهم اختيار أكثر من دولة واحدة".
نزع سلاح حزب الله يتطلّب مسارًا سياسيًّا
في هذا الوقت، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأنّ نزع سلاح حزب الله بالقوّة العسكريّة الإسرائيليّة وحدها يواجه صعوبات كبيرة، وأنّ أيّ حلّ مستدام يتطلّب توافقًا سياسيًّا ودورًا أكبر للدولة والجيش في لبنان.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عسكريّين ومصادر مطّلعة أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل والجانب اللبناني يدرسون خيارات بديلة، من بينها تدريب وحدات نخبة في الجيش اللبناني وتمكينها من فرض سلطة الدولة في مناطق انتشار الحزب، مع احتمال اللجوء إلى القوّة في مراحل لاحقة، إذا تعذّر تنفيذ العمليّة بالوسائل السياسيّة.
وتشمل المقترحات المطروحة أيضًا قطع خطوط الإمداد الحيويّة لحزب الله عبر سوريا، سواء من خلال ترتيبات إقليميّة أو عبر تعاون الحكومة السوريّة الجديدة، إلى جانب ربط جهود إعادة الإعمار بالتقدّم في ملفّ نزع السلاح. في المقابل، يحذّر مسؤولون من أنّ فرض العمليّة بالقوّة قد يؤدّي إلى توتّرات داخليّة خطيرة، وصولًا إلى خطر اندلاع حرب أهليّة.
ونقل التقرير عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي أنّ تجريد حزب الله من سلاحه بالكامل، عبر عمليّة عسكريّة منفردة، قد يتطلّب سيناريوهات معقّدة، من بينها احتلال كامل الأراضي اللبنانيّة، وهو خيار غير عملي. وعليه، يصبح التعاون مع المؤسّسات اللبنانيّة والتوصّل إلى اتفاق سياسي عنصرين أساسيّين في أيّ مسار يستهدف معالجة ملفّ سلاح الحزب.




