شكّل جنوب لبنان عقودًا طويلة إحدى أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط، حيث تداخلت الاعتبارات العسكرية مع الصراعات الإقليمية والتنافس الدولي على أداء دور في المنطقة. ومنذ إنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في عام 1978 بموجب قراري مجلس الأمن الدولي 425 و426، كان لهذه القوة دور أساسيٌّ في مراقبة الحدود الجنوبية للبنان ودعم الاستقرار. ثم توسعت مهمتها بعد حرب تموز/ يوليو 2006 بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1701 الصادر في آب/أغسطس 2006، والذي نصّ على وقف تام للأعمال العدائية، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء منطقة أمنية يقتصر فيها الوجود المسلح على الدولة اللبنانية و"قوات اليونيفيل".
إلا أن التحوّلات الأمنية والسياسية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما منذ اندلاع حرب غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتجدّد المواجهات بين إسرائيل وحزب الله واحتلال إسرائيل مناطق واسعة من جنوب لبنان، أعادت فتح النقاش في شأن مستقبل الترتيبات الأمنية ودور "اليونيفيل". وقد عاد هذا النقاش إلى الواجهة مع تصاعد المواجهات وطرح بدائل أمنية محتملة لمواكبة مستقبل وجود "اليونيفيل" في جنوب لبنان. فقد تصاعدت الانتقادات الإسرائيلية والأميركية لدور "اليونيفيل" في دعم تطبيق القرار 1701، ولا سيما في ظل ما اعتبره هذان الطرفان استمرارًا لوجود عناصر مسلحة في جنوب لبنان. وفي المقابل واجهت قوة حفظ السلام الأممية قيودًا على حرية الحركة والوصول، وتعرضت مرات عدة لاستهداف الجيش الإسرائيلي، إلى جانب مخاطر التصعيد الميداني وتعقيدات البيئة السياسية التي تعمل فيها، فيما بقيت مهمّاتها محصورة في رصد الأعمال العسكرية، ومؤازرة الجيش اللبناني ودعمه، والتنسيق مع الأطراف المعنية.
في ضوء هذا كله، أتى قرار مجلس الأمن الدولي 2790 في 28 آب/أغسطس 2025، الذي قدّمت فرنسا مشروعه، ووافق عليه لبنان وقضى بتمديد ولاية "اليونيفيل" مرة أخيرة حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2026. كما طلب من القوة الدولية أن تبدأ في خفض عديد قواتها وسحب أفرادها بشكل منظّم وآمن في غضون عام واحد. وطلب القرار أن تتم هذه العملية بالتشاور الوثيق مع الحكومة اللبنانية، كونها الجهة الوحيدة المخوّلة توفير الأمن في جنوب لبنان. وقد دعا المجتمع الدولي إلى تكثيف دعمه للجيش اللبناني، بما يشمل المعدات والعتاد والمال، لضمان انتشاره جنوب نهر الليطاني وتعزيز قدراته لتنفيذ القرار 1701. كذلك دعا الحكومة الإسرائيلية إلى سحب قواتها من شمال الخط الأزرق، بما في ذلك الانسحاب من المواقع الخمسة التي لا تزال تحتلها داخل الأراضي اللبنانية، ودعا السلطات اللبنانية إلى الانتشار في هذه المواقع وبسط سيطرتها على جميع الأراضي اللبنانية.
ومع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، برز مؤخرًا اقتراح ألماني يدعو الاتحاد الأوروبي إلى النظر في تشكيل بعثة أوروبية تخلف قوة حفظ السلام الأممية بعد انتهاء ولايتها، تفاديًا لحدوث أي فراغ أمني ودعمًا لاستقرار الترتيبات الأمنية الجديدة في جنوب لبنان. ويأتي هذا الطرح في ظل رغبة دول أوروبية أساسية، ولا سيما ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في الحفاظ على وجود مباشر في الملف اللبناني، وإعادة بلورة دورها بما يتلاءم والتحولات الإقليمية الجديدة.
يعكس هذا الاقتراح تحولًا أوسع في طريقة إدارة الملف الأمني في جنوب لبنان، وانتقال القوة الدولية الموجودة فيه من إطار أممي متعدد الأطراف إلى إطار أوروبي قد يكون أكثر ارتباطًا بحسابات الأمن الأوروبي والمطالب الإسرائيلية والتوازنات الإقليمية. كما يثير تساؤلات بشأن طبيعة التفويض الذي يمكن أن تحصل عليه أي بعثة أوروبية، وحدود دورها في دعم الدولة اللبنانية، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، والتعامل مع ملف سلاح حزب الله.
ويناقش تقدير الموقف هذا احتمال الانتقال من الإطار الأممي الذي توفره "اليونيفيل" إلى حضور أوروبي جديد في جنوب لبنان، من خلال دراسة دوافع المبادرة الأوروبية، ومواقف مختلف الأطراف اللبنانية والإسرائيلية والدولية، إضافة إلى التحديات القانونية والسياسية والأمنية التي قد تواجه إنشاء بعثة أوروبية مستقبلية، والسيناريوات المتعلقة بمستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب. وينطلق التقدير من فرضية أساسية مفادها أن نجاح أي بعثة أوروبية لن يتوقف على قدراتها العسكرية وحدها، وإنما على قدرتها أيضًا على بناء توافق سياسي على طبيعة تفويضها وحدود دورها، بما يضمن أن تؤدي دورًا داعمًا للاستقرار، وألا تصبح طرفًا جديدًا في النزاع.
"اليونيفيل" ومستقبل الدور الدولي في جنوب لبنان
شكّلت "اليونيفيل" منذ إنشائها في عام 1978، أحد أبرز أطر الحضور الدولي في جنوب لبنان، حيث أُنشئت بموجب القرارين 425 و426 الصادرين عن مجلس الأمن عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1978، بهدف مراقبة الانسحاب الإسرائيلي، واستعادة الأمن، ومساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها في المنطقة. إلا أن دورها تطور بالتدريج مع تغير طبيعة الصراع، ولا سيما بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000 وحرب تموز/ يوليو 2006.
بعد حرب تموز/ يوليو 2006، عزّز القرار 1701 مهمة "اليونيفيل" ووسّع نطاق عملها، ليشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله، ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، والمساعدة في إنشاء منطقة أمنية يقتصر الوجود المسلح فيها على الدولة اللبنانية والقوات الدولية. كما أصبحت القوة الأممية قناة اتصال أساسية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، وعنصرًا مهمًّا في إدارة التوترات والحد من التصعيد على طول الحدود الجنوبية، ولا سيما بمحاذاة ما يعرف بالخط الأزرق، وهو خط انسحاب موقت بطول 120 كلم حدّدته الأمم المتحدة عام 2000 للتحقق من الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ولا يُعدّ حدودًا دولية رسمية .
لكن استمرار وجود "اليونيفيل" نحو خمسة عقود كشف عن فجوة بين طبيعة تفويضها والواقع الأمني في الجنوب. فقد بقيت مهمتها محصورة في المراقبة والدعم، من دون أن تمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة تتيح لها إمكانية التدخل لوقف الانتهاكات أو لنزع السلاح. وقد أدى ذلك إلى تصاعد الاعتراضات الإسرائيلية على دور اليونيفيل، إذ اعتبرت إسرائيل أن القوة الأممية لم تتمكن من منع تعزيز القدرات العسكرية لحزب الله جنوب نهر الليطاني، وأن مهمتها الحالية ما عادت كافية لضمان أمن الحدود.
في المقابل، ترى أطراف لبنانية أن المسألة تتجاوز فاعلية "اليونيفيل"، لأنها ترتبط أيضًا بالبيئتين السياسية والإقليمية المعقدتين اللتين عملت في ظلهما، واختصار دورها على إحصاء الانتهاكات الإسرائيلية، حيث بقي تنفيذ القرار 1701 مرتبطًا بتوازنات داخلية وخارجية. كما أعادت التطورات التي أعقبت حرب غزة في عام 2023 وما تلاها من مواجهات بين إسرائيل وحزب الله، فتح النقاش مجددًا بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.
بناء عليه، فإن انتهاء ولاية "اليونيفيل" في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، لا يمثل مجرد استبدال قوة دولية بأخرى، وإنما يعكس أزمة أوسع في نموذج حفظ الأمن القائم؛ فما السؤال الأساسي سؤالًا واحدًا وهو من يتولى مراقبة الحدود؟ بل أصبح سؤالين هما ما طبيعة النظام الأمني المطلوب في جنوب لبنان؟ ومن يمتلك القدرة لضمان تطبيقه؟ ومن هنا برز البحث عن دور أوروبي جديد باعتباره محاولة لإعادة صياغة هذا النظام بما يتلاءم مع المتغيرات الأمنية والسياسية الجديدة.
المبادرة الألمانية والإطار الأوروبي: الدوافع والأهداف
جاء الاقتراح الألماني إنشاء بعثة تابعة للاتحاد الأوروبي بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" في سياق إعادة تقييم الدور الدولي في جنوب لبنان. فقد دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى بحث تولّي الاتحاد الأوروبي دورًا أمنيًا جديدًا في الجنوب لمنع حدوث فراغ أمني وللمحافظة على الاستقرار بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، خصوصًا في منطقة تعتبر من أكثر مناطق التوتر حساسية. وقد اعتبر السيد فاديفول أن وجود آلية دولية يبقى ضروريًا لمنع تجدد المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، كما يعكس رغبة دول أوروبية واسعة في تعزيز دورها في إدارة الأزمات الإقليمية المحيطة بها. وترى برلين أن وجود بعثة أوروبية يمكن أن يحافظ على المراقبة الدولية، ويدعم تنفيذ الترتيبات الأمنية المرتبطة بالقرار 1701، ويساهم في تهيئة الظروف أمام انسحاب الجيش الإسرائيلي، بالتزامن مع منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله قرب الحدود.
ويحاول هذا الطرح تحقيق توازن بين مطلب إسرائيلي يتمثل في ضمان أمن الحدود، ومطلب لبناني يرتبط باستعادة الدولة السيطرة الكاملة على أراضيها. لذلك، ستواجه أي بعثة أوروبية تحدي الموازنة بين دورها الأمني واحترام السيادة اللبنانية. كما تعكس المبادرة الألمانية رغبة أوروبية في الحفاظ على حضور سياسي وأمني فاعل في لبنان وشرق المتوسط. فقد كان لبنان تاريخيًّا مجالًا مهمًّا للحضور الأوروبي، سواء عبر المساعدات أو عبر المشاركة العسكرية في "اليونيفيل"، حيث تشارك فرنسا وإيطاليا بأعداد كبيرة من الجنود، بينما تؤدي ألمانيا دورًا بارزًا ضمن القوة البحرية التابعة للبعثة.
وفي هذا السياق، برز أيضًا مقترح فرنسي-إيطالي مشترك، أُعلن عنه في اجتماع في حزيران/يونيو الفائت بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني تطرّق إلى إمكانية نشر قوات فرنسية-إيطالية في جنوب لبنان للإشراف على الترتيبات الأمنية. ويعكس هذا الطرح توجّهًا أوروبيًّا للحفاظ على حضور مباشر بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، ويأتي مكمّلًا للمبادرة الألمانية.
لذا، فمن شأن الانتقال من إطار أممي إلى آخر أوروبي مباشر أن يمنح الاتحاد الأوروبي قدرة أكبر على التأثير في مستقبل الترتيبات الأمنية اللبنانية، خصوصًا في ظل تنامي الدور الأميركي-الإسرائيلي في تحديد ماهية المرحلة المقبلة. كما تسعى أوروبا إلى الحفاظ على هامش من الاستقلالية في إدارة أزمات المنطقة وحماية مصالحها المرتبطة بأمن شرق المتوسط والاستقرار الإقليمي.
ومع ذلك، يبقى تحديد العلاقة بين القوة الأوروبية المقترحة والجيش اللبناني من أبرز التحديات؛ فالموقف اللبناني الرسمي يؤكد أن مسؤولية بسط الأمن والسيادة وحصر السلاح تقع على عاتق الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وفي مقدمها الجيش اللبناني، بينما ينبغي لأي وجود دولي أن يدعم سيادة الدولة لا أن يحل مكانها.
أما الرؤية الأوروبية فتقوم على اعتبار الجيش اللبناني الشريك الأساسي في تنفيذ الترتيبات الأمنية، مع حاجته إلى دعم تقني ولوجستي ومراقبة دولية. لذلك، فإن نجاح أي بعثة مستقبلية سيعتمد على تقديم نفسها قوة مساندة للدولة اللبنانية، لا سلطة أمنية موازية. لذلك يتمثل التحدي الأساسي أمام المبادرة الألمانية في صياغة تفويض واضح يحدد طبيعة القوة الجديدة وحدود صلاحياتها. فكلما تمحور دورها حول دعم الجيش وتعزيز مؤسسات الدولة، ارتفعت فرص قبولها داخليًّا، في حين قد تواجه رفضًا واسعًا إذا تحولت إلى أداة لفرض ترتيبات أمنية تتماشى مع المصالح الإسرائيلية.
البُعد الإسرائيلي والبُعد الأميركي: إعادة تعريف أمن الجنوب
يُمثل الموقف الإسرائيلي أحد أبرز العوامل التي تدفع نحو إعادة النظر في طبيعة الوجود الدولي في جنوب لبنان. فمنذ حرب تموز/يوليو 2006، اعتبرت إسرائيل أن مهمة "اليونيفيل" لم تنجح في منع تعزيز القدرات العسكرية لحزب الله جنوب نهر الليطاني، ما دفعها إلى الاعتراض على دور "اليونيفيل" وانتقاده مرات عدة والدفع نحو عدم تمديد ولايتها.
انطلاقًا من هذا التقييم، تطالب إسرائيل بترتيبات أمنية أكثر صرامة، تركز على نزع سلاح حزب الله ومنع بناء قدراته العسكرية بدلًا من الاكتفاء بآلية مراقبة دولية. كما تربط أي انسحاب محتمل من جنوب لبنان بالتحقق من تنفيذ هذه الترتيبات، بوصفها شرطًا أساسيًّا لضمان أمن حدودها الشمالية ومنع تجدد التهديدات عبرها.
وهنا لا بد من الإشارة إلى تقاطع موقف الولايات المتحدة الأميركية مع الموقف الإسرائيلي بدرجة كبيرة، خاصة في التشكيك بفاعلية مهمة "اليونيفيل" الحالية، حيث تميل واشنطن إلى دعم آلية أكثر صرامة تجاه ملف سلاح حزب الله. وبحكم نفوذها في الملف اللبناني وعلاقتها الوثيقة بإسرائيل ودعمها الجيش اللبناني، سيكون لموقف الولايات المتحدة الأميركية تأثير كبير في طبيعة أي بعثة أوروبية مستقبلية وحدود صلاحياتها.
بناء عليه، أصبح السؤال يتجاوز هوية القوة التي ستنتشر في جنوب لبنان إلى طبيعة المهمة نفسها: هل يقتصر دورها على المراقبة واحتواء التوتر، أم إنها ستُمنح صلاحيات أوسع لتنفيذ ترتيبات أمنية تنسجم مع المطالب الإسرائيلية والأميركية؟
موقف لبنان: بين السيادة والضمانات الأمنية
يمثل الموقف اللبناني من أي بعثة دولية أو أوروبية مستقبلية، معادلة دقيقة بين الحاجة إلى استمرار الدعم الدولي، والحرص على الحفاظ على سيادة الدولة. فقد يرى لبنان في الدور الأوروبي فرصة لتعزيز الاستقرار ودعم الجيش اللبناني في مرحلة أمنية حساسة، لكنه سيبقى متمسكًا بدور الجيش اللبناني جهة وحيدة مسؤولة عن الأمن في الجنوب، ومعتبرًا أي وجود دولي داعمًا لدور الدولة ومكمّلًا له لا بديلًا منه.
لذلك، سيرتبط القبول اللبناني بأي بعثة جديدة بطبيعة تفويضها وحدود صلاحياتها. وستتمسك بيروت بأن تركز المهمة على دعم انتشار الجيش اللبناني، وتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان الانسحاب الإسرائيلي، والعمل ضمن إطار القرار 1701، مع رفض أي صيغة تمنح القوة الدولية دورًا تنفيذيًّا يتجاوز المراقبة والدعم أو يفرض ترتيبات أمنية داخلية.
أما حزب الله، فالراجح ألا يعارض وجودًا دوليًّا من حيث المبدأ، لكنه سيرفض أي قوة يرى أن هدفها الأساسي يتمثل في نزع سلاحه أو فرض ترتيبات تستهدفه مباشرة. ويربط الحزب عادة أمن الجنوب بالانسحاب الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال، قبل الانتقال إلى بحث مسألة السلاح.
في المقابل، قد يبدي الحزب مرونة أكبر تجاه بعثة تركّز على مراقبة وقف إطلاق النار، ودعم الدولة اللبنانية، والحد من التصعيد، شرط ألا تتحول إلى أداة لممارسة ضغوط عسكرية أو سياسية عليه. كما قد يصبح هذا الملف موضوع تجاذب داخلي، فلربما ترى بعض القوى اللبنانية في الحضور الأوروبي فرصة لتعزيز دور الدولة، في حين قد ينظر إليه آخرون على أنه محاولة لتغيير موازين القوى الداخلية.
بناء عليه، سيتوقف نجاح أي بعثة أوروبية على قدرتها على إدارة علاقتها بالأطراف الخارجية، وعلى أن يحظى دورها بقبول داخلي. وسيتمثل التحدي الأساسي، هنا، في تحقيق توازن بين دعم سيادة الدولة اللبنانية وتجنب التحول إلى طرف جديد في الصراع السياسي والأمني.
التحديات أمام إنشاء بعثة أوروبية
على الرغم من أن إنشاء بعثة أوروبية في جنوب لبنان قد يشكل حلًّا وسطًا بين انتهاء مهمة "اليونيفيل" ومنع حدوث فراغ أمني، فإن تحويل هذا المقترح إلى صيغة قابلة للتنفيذ سيواجه تحديات قانونية وسياسية وأمنية معقدة؛ فالمسألة لا تتعلق بقدرة الاتحاد الأوروبي على تشكيل قوة جديدة فحسب، ولكن بمدى حصولها على الشرعية والقبول اللازمين لممارسة مهمّاتها.
يتمثل التحدي الأول في الشرعية الدولية. فقد أُنشئت "اليونيفيل" بناءً على قرارين صادرين عن مجلس الأمن الدولي، ما منحها شرعية دولية وأساسًا قانونيًّا. أما البعثة الأوروبية المقترحة، فسيتعين تحديد أساسها القانوني، سواء عبر قرار جديد من مجلس الأمن الدولي أو من خلال صيغة أخرى. وقد تؤثر مواقف القوى الكبرى، ولا سيما روسيا والصين، في طبيعة التفويض أو إمكانية اعتماده، خصوصًا إذا رأت في المهمة تجاوزًا لحدود مهمّات حفظ السلام، واتجاهًا نحو فرض ترتيبات أمنية وسياسية.
أما التحدي الثاني فيرتبط بطبيعة التفويض. فهناك فرق بين قوة تراقب وقف إطلاق النار وتدعم المؤسسات اللبنانية، وقوة تمتلك صلاحيات ردع أو تدخل مباشر لمنع إعادة بناء قدرات عسكرية. وكلما توسع التفويض، ارتفعت المخاطر السياسية والعسكرية، وتحولت القوة الأوروبية من جهة مراقبة إلى طرف محتمل في النزاع.
كما تبرز مسألة العلاقة بالجيش اللبناني كعامل أساسي في نجاح المهمة. وينبغي ألا يؤدي وجود قوة أوروبية إلى خلق ازدواجية أمنية في الجنوب، على أن يتركز دورها على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته باعتباره الجهة الشرعية المسؤولة عن الأمن. لذلك، سيكون تحديد طبيعة التنسيق بين الطرفين ضروريًّا لضمان قبول الدولة اللبنانية.
أخيرًا، ستواجه أي بعثة أوروبية مخاطر أمنية مباشرة، نظرًا إلى حساسية المنطقة واحتمال تعرضها لضغوط أو استهداف إذا اعتُبرت طرفًا. كما أن منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله من دون امتلاك صلاحيات واسعة يمثل تحديَّا عمليًّا كبيرًا.
بناء عليه، فإن التحدي الأساسي أمام أي بعثة أوروبية يتجاوز مسألة تشكيلها إلى صياغة تفويض متوازن يحافظ على الاستقرار، ويحظى بتوافق دولي ولبناني، ويمنع تحوّلها من أداة للتهدئة إلى عنصر جديد من عناصر التوتر.
السيناريوات المحتملة
يعتمد مستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" على مجموعة من العوامل، أبرزها موقف الأطراف اللبنانية، والتفاهمات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وإسرائيل، ومدى القدرة على التوصل إلى صيغة تحظى بشرعية سياسية وقانونية. وفي هذا الإطار، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوات رئيسية:
السيناريو الأول
يقوم السيناريو الأول على انتقال منظم من المظلة الأممية إلى بعثة يقودها الاتحاد الأوروبي أو تحالف أوروبي، مع الحفاظ على حضور دولي في الجنوب. ويستند هذا السيناريو إلى رغبة دول أوروبية أساسية، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في منع حدوث أي فراغ أمني والحفاظ على دور مباشر في إدارة الاستقرار على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية.
وستركز هذه البعثة على مراقبة وقف الأعمال القتالية، ودعم الجيش اللبناني، وتقديم المساعدة التقنية، والمساهمة في تنفيذ الترتيبات المرتبطة بتنفيذ القرار 1701. كما قد توفر إطارًا يساعد على انسحاب إسرائيلي تدرجي مقابل ضمانات أمنية تحد من احتمالات تجدد التصعيد.
تكمن إيجابيات هذا الخيار في الحفاظ على المراقبة الدولية، ومنع تدهور الوضع الأمني، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني. إلا أنه لا يضمن بالضرورة معالجة مسألة سلاح حزب الله، وقد تواجه البعثة عددًا من التحديات إذا لم تمتلك تفويضًا واضحًا.
السيناريو الثاني
يفترض السيناريو الثاني عدم التوصل إلى اتفاق في شأن شكل البعثة الجديدة، ما يؤدي إلى انتهاء مهمة "اليونيفيل" دون بديل. وقد يترتب على ذلك تراجع المراقبة الدولية، وارتفاع احتمالات التصعيد بين إسرائيل و"حزب الله"، خصوصًا في ظل استمرار هشاشة الوضع الإقليمي.
كما قد يؤدي غياب أي بديل دولي إلى توسيع إسرائيل تدخلها المباشر وتثبيت احتلالها لأجزاء واسعة من الجنوب بحجة حماية أمنها لمنع عودة التهديدات، ما يضعف قدرة الدولة اللبنانية على إدارة الملف الأمني في الجنوب.
السيناريو الثالث
أما السيناريو الثالث، فيقوم على منح القوة الأوروبية تفويضًا أوسع بما يتعلق بنزع سلاح حزب الله. وعلى الرغم من احتمال حصول هذا الخيار على دعم إسرائيلي-أميركي، فإنه سيكون الأكثر حساسية على المستوى اللبناني؛ فإذا اعتبر حزب الله أن المهمة تستهدفه مباشرة، أو تهدف إلى تغيير التوازن الداخلي، فقد يواجهها سياسيًّا وربما أمنيًّا، ما قد يحوّل القوة الأوروبية من أداة استقرار إلى طرف في النزاع. كما قد تواجه رفضًا من قوى لبنانية تعتبر مهمّاتها مساسًا بالسيادة الوطنية.
وبالنظر إلى المعطيات المتاحة، يبدو السيناريو الأول الأقرب إلى التحقيق، لا سيما إذا اقتصر دور القوة الأوروبية على دعم الدولة اللبنانية وتعزيز قدرات الجيش اللبناني؛ غير أن نجاح هذا السيناريو سيظل رهنًا بالتوافق على طبيعة التفويض وحدوده، ومدى مراعاته التحديات السياسية والأمنية في لبنان.
يتجاوز الانتقال من قوات "اليونيفيل" الأممية إلى قوة يقودها الاتحاد الأوروبي أو تحالف أوروبي، مسألة تغيير هوية الوجود الدولي المعني بحفظ السلام في جنوب لبنان، ليعكس تحولًا أوسع في طريقة إدارة الملف، من نموذج أممي قائم على حفظ السلام والمراقبة إلى نموذج أوروبي قد يكون أكثر ارتباطًا بالتوازنات الأمنية الأوروبية والمخاوف الإسرائيلية وترتيبات المرحلة المقبلة.
غير أن نجاح أي بعثة أوروبية مستقبلية، سيتوقف، إلى جانب قدرتها العسكرية، على قدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار الإقليمي والدولي واحترام السيادة اللبنانية. ويتطلب ذلك أن تكون القوة الجديدة داعمة للدولة اللبنانية لا بديلًا منها، وأن يشكل دعم الجيش اللبناني ومؤازرته محورًا أساسيًّا لأي ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب، مع توفر توافق وطني واسع على طبيعة عملها وحدودها.
بناء عليه، يحتاج لبنان إلى التعامل مع هذا التحول بصورة استباقية، من خلال المشاركة في تحديد طبيعة المهمة المقبلة، وضمان ألا تتجاوز صلاحيات أي قوة دولية جديدة حدود دعم المؤسسات الشرعية ومساندتها. وفي المقابل، يظل تعزيز قدرات الجيش اللبناني شرطًا أساسيًّا لنجاح أي نموذج أمني جديد. فمهما كان شكل الحضور الدولي، فلا يمكن أن يشكل بديلًا عن تمكين الدولة اللبنانية من بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.




