التطبيع في زمن الإبادة: تغيير موقع الاحتلال في الوعي العام

محمود وهبةالجمعة 2026/08/07
Image-1786036860.Jpg
التطبيع لا يمكن أن يمر ومحاولات فرضه لن تغير حقيقة الصراع(مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن للناظر أن يرى التطبيع حلاً سياسياً طبيعياً في ظلّ حرب مستمرّة على جنوب لبنان وقطاع غزة. لكن مع تبدل الأحوال والفوارق تتخذ هذه الرذيلة مساراً ثقافياً مختلفاً يسعى ما استطاعَ لإعادة تعريف الظلم والاحتلال وتحويله إلى أمر فيه شيء من البداهة. بداهة تتخذ من استهداف الذاكرة منهجاً لها ولا ترى حرجاً في تحويل الجرائم الإسرائيليّة المستمرّة إلى سلسلة أخبار يومية وعاديّة تتراجع قدرة العالم على الدهشة أمامها. 
من هذه الزاوية، اكتسب إطلاق مبادرة "لبنانيون ضد التطبيع" في مسرح المدينة في بيروت، معنى يتجاوز الإعلان عن إطار مدني جديد. فاللقاء شكّل في جملة أهدافه محاولة لإعادة فتح نقاش يكاد يغيب عن المجال العام، بينما لا تزال الحرب تلقي بثقلها على غزة، ويواصل جنوب لبنان العيش على إيقاع العدوان المستمر على المنصوري وقرى أخرى.
يصعب التعامل مع التطبيع وكأنّه نقاش سياسي. إنه سؤال مرتبط بالذاكرة الجنوبيّة قبل أن يقارب السياسة. وبالتالي إن الدعوة لا تنفصل عن اللحظة اللبنانية الراهنة. شارك في إطلاق المبادرة ممثلون عن نحو 94 جمعية وهيئة ونقابة وروابط تنتمي إلى اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، في مشهد عكس وجود مساحة مشتركة ما زالت تجمع أطرافاً متباينة حول رفض التطبيع مع إسرائيل، والعمل على تنسيق المبادرات المدنية والثقافية والقانونية المناهضة له.

Image-1786037195.Jpg

 

 لا يتحدث دعاة التطبيع باسم اللبنانيين

في كلمته، شدد أحد منظمي المبادرة، الدكتور أسامة رحال، على أن إطلاقها يأتي في لحظة وصفها بأنها "الأكثر خطورة"، رافضاً أن يتحدث دعاة التطبيع باسم اللبنانيين. وقال إن لبنان الذي تعبر عنه المبادرة هو "لبنان الواقف في وجه الظلم"، لا لبنان المستسلم، معتبراً أن إسرائيل تواصل احتلال الأرض، وقتل الفلسطينيين، واحتجاز الأسرى، والسعي إلى فرض هيمنتها على المنطقة ومواردها.
ورأى رحال أن القوانين اللبنانية ما تزال تشكل إطاراًرافضاً للتطبيع، محذراً من أي مسار يمنح الاحتلال شرعية سياسية أو قانونية، أو يمس بحق لبنان في ملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية، مؤكداً أن المبادرة تسعى إلى دعم كل القوى الوطنية والمدنية التي تعمل في هذا الاتجاه.
وشارك في اللقاء أيضاً عدد من المتحدثين، بينهم رامز الفري ممثلًا عن طرابلس، وشخصيات فنية وحقوقية عديدة منها ممثلين ومخرجين وإعلاميين وأسرى محررين وممثلين لمختلف المجالات. فيما أكد المنظمون أن المبادرة ليست إطاراً سياسياً جديداًبقدر ما هي منصة لتنسيق الجهود بين الجمعيات والهيئات المختلفة.
بعيداً عن الصورة التي أراد المنظمون تقديمها عن مبادرة عابرة للانقسامات، بدا المشهد داخل القاعة أكثر التصاقاً بالخطاب السياسي الذي تمثله قوى "المقاومة" في لبنان. فقد طغت على المداخلات لغة المواجهة مع إسرائيل، كما حضرت بقوة المواقف الداخلية المرتبطة بالانقسام اللبناني حول ملف السلاح والعلاقة مع الدولة.

Image-1786037270.Jpg

 

لا لأي مسار تطبيعي
على هامش المبادرة وفي مداخلته لـِ "المدن" أكد النائب حسين الحاج حسن رفضه لأي مسار تطبيعي مع إسرائيل، وأنّ مواجهة التطبيع تمثّل "عملاً وطنياً" يستحق المساندة، معتبراً أنّ أي محاولة لفتح الباب أمام العلاقة مع العدو الإسرائيلي مرفوضة سياسياً وأخلاقياً، ولا تنسجم مع الدستور اللبناني أو مع القيم الإنسانية، في ظل ما وصفه بجرائم القتل والتدمير التي ارتكبها الاحتلال في لبنان وفلسطين. وفي تعليقه على مسار المفاوضات، اعتبر الحاج حسن أنّ التهديد الذي يطال القرى الحدودية وإطلاق النار على الجيش اللبناني يشكّلان "الادعاء الأسوأ" مؤكداً أنّ ما يجري لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة مع عدو، بحسب تعبيره، لا يزال يمارس الاعتداءات على لبنان.
من جهة موازية، لم يقتصر النقاش على مسألة التطبيع بمعناها المباشر، إنما انتقل بدوره إلى انتقاد العهد والحكومة اللبنانية، حيث وُجّهت انتقادات قاسية إلى السلطة السياسية، واعتُبر اتفاق الإطار مساراً يحمل مخاطر تطبيعية وتنازلاً عن الحقوق اللبنانية، وفق الخطاب الذي ساد اللقاء.
المبادرة التي أرادت تقديم نفسها كإطار جامع لمواجهة التطبيع، بدت في بعض لحظاتها أسيرة السجال السياسي اللبناني الداخلي. فبدل أن يبقى النقاش متمحوراً حول الأسئلة الثقافية والقانونية المتعلقة بالتطبيع، تقدمت المواجهة مع السلطة وخياراتها السياسية إلى واجهة المشهد.
بدوره، اعتبر الحاج محمود قماطي في حديثه لـِ "المدن" أنّ المبادرة هي "مبادرة جماعية" تؤكد رفض التطبيع مع إسرائيل، معتبراً أنّ أصل التطبيع في المنطقة يشكّل، بحسب تعبيره، "جريمة بحق الأمة" ومشدداً على أنّ لبنان يرفض أي مسار من هذا النوع.
وفي موقفه من المفاوضات التي تقودها السلطة اللبنانية، رأى قماطي أنّها لا تؤدي، وفق تقديره، إلا إلى "مزيد من التنازلات والخسارة الوطنية والتفريط بالسيادة" محذّراً من أنها تضع لبنان تحت وصايتين أميركية وإسرائيلية، وأنها "لن تعطي أي نتيجة".
قطعاً لا يعني ذلك التقليل من حضور القضية التي اجتمع المشاركون حولها، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة أي مبادرة من هذا النوع على توسيع دائرتها خارج جمهورها السياسي الطبيعي. فرفض التطبيع قد يشكل نقطة التقاء بين أطراف مختلفة، لكن تحويل هذا الرفض إلى مشروع مجتمعي واسع يحتاج إلى خطاب قادر على تجاوز الاصطفافات التقليدية.

 

جورج عبدالله: التطبيع لا يمكن أن يمرّ 

وفي مداخلته شدّد الأسير اللبناني المحرر جورج عبد الله على رفضه لأي مسار تطبيعي مع العدو الإسرائيلي، معتبراً أن التطبيع لا يمكن أن يمرّ وأن محاولات فرضه لن تغيّر حقيقة الصراع مع إسرائيل. وهاجم عبد الله  السلطة اللبنانية معتبراً أن كل من يفرّط بالحقوق والسيادة سيلفظه التاريخ، وأن الرهان على المقاومة سيبقى قائماً فالمقاومة، ولو طال الزمن، تنتصر، والانتصار سيكون حليف أصحاب الحق.
ربما ما يستحق التوقف عنده لا يقتصر على كلمات المتحدثين أو حدود الحضور السياسي. ربما تكمن العبرة في اللحظة التي قيلت فيها هذه المواقف. في الوقت الذي يُعاد فيه تقديم التطبيع، في بعض الخطابات الإقليمية، باعتباره بوابة إلى الاستقرار وإعادة رسم العلاقات في الشرق الأوسط، لم تتوقف الحرب أصلًا عن إنتاج وقائعها.

 

الجغرافيا العاملية ما تزال تحمل ذاكرة
ما تزال غزة تعيش تحت وطأة الدمار الهائل، فيما لم يتحول جنوب لبنان إلى مساحة تعافت من الحرب، قرى جنوبية ومدن تقصف ومزارع تحرق وأراضٍ يجري تفجيرها وتحويلها إلى جغرافيا مدمرة وخالية. ولذلك، يصبح الكلام عن التطبيع مدخلاً لدراسة العلاقة بين المجتمع الجنوبي وذاكرته.
فالتطبيع، في أحد معانيه، يبدأ حين يتغير موقع الاحتلال في الوعي العام. حين يصبح الحديث عنه أقل إلحاحاً، وتغدو مساءلته فعلاً استثنائياً. عندها يصبحُ التطبيع انتقالاً بطيئاً في الحساسية الأخلاقية للمجتمع، من رفض الظلم إلى التكيف معه، ومن النظر إلى الاحتلال باعتباره قضية، إلى التعامل معه بوصفه أمراً واقعاً لا يغيّر الاعتراضُ في أحواله شيئاً. 
يغدو الجنوب اللبناني اليوم مع هذا النقاش مساحة تتشكل فيها، على امتداد عقود، علاقة اللبنانيين بفكرة السيادة نفسها. واستحضاره في هذا النقاش فيه شيءٌ من استدعاء العاطفة والتذكير بأن الجغرافيا العاملية ما تزال تحمل ذاكرة وجرحاً لم يغلق بعد. لذا يبدو النقاش حول التطبيع، في ظل استمرار آثار الحرب في غزة وجنوب لبنان، جزءاً من رغبة في الانتقال إلى مرحلة جديدة من دون المرور بالعدالة والاعتراف بما جرى من تهجير وخذلان وإبادة لمجتمع بأكمله.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث