شهدت الساعات الأخيرة تصعيدًا متسارعًا على الجبهتين الميدانيّة والتفاوضيّة بين لبنان وإسرائيل، إذ لم تتوقّف تداعيات التصعيد الإسرائيليّ في الجنوب عند الغارات التي أوقعت شهيدًا وجرحى، بل امتدّت إلى تلويح الجيش الإسرائيليّ بعمليّة أوسع ضدّ "حزب الله"، وسط مشاورات على أعلى مستوى سياسيّ وأمنيّ لتحديد حجم الردّ وحدوده. وفيما أفادت وسائل إعلام إسرائيليّة بأنّ الجيش طلب شنّ هجمات مكثّفة في لبنان، كبحت القيادة السياسيّة هذا الخيار حتى الآن، في ظلّ خشية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من انتقادات واشنطن.
وجاء التصعيد في اللحظة الأكثر حساسيّة من مفاوضات روما، بعدما انتهت جلسات اليوم قبل موعدها، بالتوازي مع طلب إسرائيليّ بتعليق المحادثات على خلفيّة اتهام الوفد اللبنانيّ بتسريب معلومات "مضلّلة". وهكذا، انتقلت صورة اليوم سريعًا من محاولة تحقيق اختراق تفاوضيّ في العاصمة الإيطاليّة إلى سباق بين الدبلوماسيّة والميدان: مفاوضات يُفترض أن تُستأنف غدًا، في مقابل تهديد إسرائيليّ بتوسيع العمليات، وهجوم غير مسبوق على أداء الجيش اللبنانيّ في "المناطق التجريبيّة"، ومشاورات إسرائيليّة مفتوحة بشأن الخطوة العسكريّة التالية.
وفي الوقت الذي كان فيه الوفد اللبنانيّ يخوض في روما واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسيّة مع إسرائيل، كانت الوقائع الآتية من الجنوب تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. فبينما تطالب بيروت بوقف الاعتداءات والانسحاب من مناطق جديدة تمهيدًا لتوسيع تجربة انتشار الجيش اللبنانيّ، واصلت إسرائيل التجريف والتدمير، قبل أن ترفع مستوى التصعيد بإنذار سكان بلدة المنصوري بالإخلاء.
وبذلك، لم يعد التصعيد الميدانيّ مجرّد خلفيّة للمفاوضات، بل دخل إلى قاعة التفاوض نفسها. إذ تحرّك الوفد اللبنانيّ خلال اجتماعات اليوم الثاني لمعالجة إنذار المنصوري، في مشهد اختصر المعضلة التي تواجه الجولة السابعة: لبنان يفاوض لاستعادة الأرض وعودة الأهالي، فيما تحاول إسرائيل، بالتوازي، تكريس وقائع أمنيّة وعسكريّة جديدة داخل الأراضي اللبنانيّة.
إسرائيل ترسم الوقائع بالجرافات
بالتزامن مع مطالبة لبنان بالانتقال إلى منطقة تجريبيّة ثانية تنسحب منها القوات الإسرائيليّة ويُعاد فيها انتشار الجيش اللبنانيّ، أظهرت مشاهد مصوّرة جرافات إسرائيليّة تنفّذ أعمال تجريف واقتلاع للأشجار في وادي السلوقي، عند أطراف بلدة شقرا. كما تحدّثت معلومات متداولة عن تقدّم أربع جرافات من جهة حولا باتجاه الوادي.
المفارقة هنا تتجاوز توقيت العملية. فالمفاوضات في روما تبحث، في جوهرها، كيفية تقليص الوجود الإسرائيليّ وإعادة سلطة الدولة اللبنانيّة إلى المناطق الجنوبيّة، في حين تستمر إسرائيل في تعديل طبيعة الأرض التي يُفترض أن تنسحب منها.
وتعزّز هذه المخاوف معطيات نشرتها صحيفة "هآرتس"، أفادت بأن الجيش الإسرائيليّ بات يسيطر على نحو 600 كيلومتر مربّع من الأراضي اللبنانيّة، بالتوازي مع إنشاء قواعد وطرق وبنى عسكريّة داخل المنطقة.
روما بلا أجوبة إسرائيليّة
أمام هذا المشهد، لم يحمل اليوم الأول من مفاوضات روما الاختراق الذي كانت تراهن عليه بيروت. فالمباحثات اتسمت بالصعوبة، ولم يحصل الوفد اللبنانيّ على جواب إسرائيليّ نهائيّ بشأن وقف عمليات التفجير والتدمير، كما بقيت آليّة التحقّق من تطبيق التفاهمات موضع نقاش.
أما التطوّر السياسيّ الأبرز، فتمثّل بقبول إسرائيل الدخول في البحث بملف الحدود البرّيّة، بعد تمسّك سابق بموقف أكثر تشدّدًا. لكن هذا التحوّل لم يُترجم بعد نتائج عمليّة.
ولهذا، بقيت حصيلة اليوم الأول أقرب إلى "راوح مكانك": ملفات تُفتح وتفاصيل تُناقش، لكن من دون قرارات سياسيّة إسرائيليّة تسمح بتحويل النقاش إلى خطوات تنفيذيّة.
ثلاثة مسارات في اليوم الثاني
وفي اليوم الثاني، توزّعت المفاوضات على ثلاثة مسارات منفصلة ومتوازية: سياسيّ، وعسكريّ، وحدوديّ.
عسكريًّا، تركز البحث على تجربة المناطق النموذجيّة وآليّات تطبيقها وإمكان الانتقال إلى مناطق جديدة. وطرح لبنان الخيام وبنت جبيل ضمن التصوّرات المقبلة، بالتوازي مع البحث في انتشار الجيش اللبنانيّ في فرون وزوطر الشرقيّة.
غير أن المشكلة بقيت في الموقف الإسرائيليّ. فقبل انعقاد الاجتماعات، تحدّث الإعلام الإسرائيليّ عن رفض تل أبيب توسيع المناطق التجريبيّة في المرحلة الراهنة، فيما أكدت المعلومات اللبنانيّة أن بيروت لم تتلقَّ حتى الآن الأجوبة المطلوبة بشأن المنطقة الثانية.
وطرح الجانب اللبنانيّ أيضًا بدائل لعمليات تفجير الأنفاق أو المنشآت التي يُعثر عليها، من بينها أن يتولى الجيش اللبنانيّ استلامها ومعالجتها، أو تعطيلها عبر ردمها بالإسمنت وإقفالها، بدل نسفها بطريقة تؤدي إلى تدمير المنازل والأراضي المحيطة بها.
مَن يراقب التطبيق؟
سياسيًّا، برزت عقدة أخرى تتعلّق بالطرف الثالث الذي سيُعهد إليه التحقّق من تنفيذ التفاهمات داخل المناطق التجريبيّة.
وبحسب مصادر بعبدا، لم يُحسم اسم الدولة أو الجهة التي ستتولى هذه المهمّة، وسط استعداد أكثر من دولة للمساعدة، ومن بينها إيطاليا، فيما يبدي لبنان ترحيبًا بمشاركة طرف ثالث يضمن تطبيق التفاهمات.
ولا تبدو المسألة تقنيّة فحسب. فآليّة التحقّق ستحدّد عمليًّا مَن يملك صلاحية التأكد من تنفيذ الالتزامات، وما إذا كانت إسرائيل ستتمكّن من الاستناد إلى ادعاءات أمنيّة لمواصلة عملياتها داخل لبنان، أم يصبح التحقق مسؤولية جهة متفق عليها بين الأطراف.
الحدود: بيروت تواجه الميدان بالخرائط
وفي المسار الحدوديّ، قدّم الوفد اللبنانيّ عرضًا موسّعًا استند إلى الوثائق والخرائط، وانطلق من خطّ الهدنة، مرورًا بالخطّ الأزرق، وصولًا إلى الوضع الحالي.
وبحسب المعلومات، حظي العرض بإشادة الجانب الأميركيّ، فيما يعكس وجود خبير قانونيّ دوليّ في الوفد اللبنانيّ محاولة بيروت تحصين موقفها بمرجعيّة قانونيّة وتاريخيّة، في مواجهة الوقائع الجديدة التي أحدثتها العمليات العسكريّة الإسرائيليّة.
فمعركة الحدود هنا ليست على الخرائط وحدها. لبنان يريد أن يبدأ النقاش مما هو مرسّم وموثّق دوليًّا، لا من خطوط السيطرة التي أنتجتها الحرب.
المنصوري تدخل قاعة التفاوض
لكنّ التطوّر الأكثر حساسيّة جاء من المنصوري. ففي أثناء انعقاد اجتماعات روما، وجّه الجيش الإسرائيليّ إنذارًا إلى سكان البلدة بالإخلاء، ما دفع عددًا من العائلات إلى المغادرة، قبل أن يتحوّل الإنذار إلى ملف طارئ داخل الاجتماع.
ونقلت القناة 12 الإسرائيليّة عن مصدر عسكريّ زعمه أن المنصوري تقع ضمن ما تصفه إسرائيل بـ"المنطقة الأمنيّة"، وأن عودة الأهالي إليها برفقة الجيش اللبنانيّ تشكّل خرقًا للتفاهمات.
في المقابل، نفت مصادر رسميّة لبنانيّة هذه الرواية بصورة قاطعة، مؤكدة أن "كل الادعاءات الإسرائيليّة حول وقوع المنصوري ضمن المنطقة الأمنيّة، وأن الجيش اللبنانيّ خرق أيّ اتفاق، عارية من الصحّة"، وأن الأهالي دخلوا البلدة برفقة الجيش اللبنانيّ وبالتنسيق، في حينه، مع لجنة "الميكانيزم".
وتكتسب هذه الحادثة دلالة تتجاوز المنصوري نفسها. فإذا كانت إسرائيل قادرة على تحديد ما تسمّيه "منطقة أمنيّة" وفرض قيود على عودة اللبنانيّين إلى بلداتهم، يصبح الخلاف في روما متصلًا بالسؤال الأوسع: هل تقود المفاوضات إلى تفكيك المنطقة التي فرضتها الحرب، أم إلى تنظيمها وتثبيتها؟
بعبدا: ستّون يومًا واستعادة الأرض
إزاء ذلك، يضع لبنان إعادة تثبيت وقف إطلاق النار في مقدّمة مطالبه.
وتؤكد مصادر بعبدا أن الوفد اللبنانيّ يصرّ في روما على "إعادة تأكيد وتجديد وقف إطلاق النار لمدّة ثمانية أسابيع، أو 60 يومًا"، على أن يجري الاتفاق على موعد الإعلان عنه.
وتختصر المصادر الهدف السياسيّ للمشاركة اللبنانيّة بالقول إن "لبنان موجود على طاولة التفاوض في روما لاستعادة الأرض وعودة أبناء الأرض، ومستمرّ في التفاوض لمنع أيّ تصعيد".
ويعوّل لبنان في ذلك بصورة أساسيّة على الدور الأميركيّ، باعتبار واشنطن الطرف الأكثر قدرة على الضغط على إسرائيل لتقديم أجوبة في ملفات الانسحاب ووقف العمليات العسكريّة، بدل إبقائها معلّقة من جولة إلى أخرى.
نزع سلاح حزب الله في المقابل
غير أن المقاربة الأميركيّة تحمل أولويّاتها المقابلة أيضًا. إذ شدّد متحدث باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة على ضرورة نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك بنيته العسكريّة في الجنوب، معتبرًا ذلك من المتطلّبات الأساسيّة للإطار الذي تعمل واشنطن على تنفيذه.
وهكذا تظهر الفجوة بين ترتيب الأولويّات لدى الأطراف: لبنان يضع وقف النار والانسحاب وعودة السكان في صلب مطالبه، فيما تركز واشنطن وإسرائيل على نزع سلاح "حزب الله" والتحقّق من الإجراءات اللبنانيّة قبل الانتقال إلى مراحل إضافيّة من الانسحاب.




