إسرائيل تلوّح بهجوم واسع وتضغط عسكريًّا على مفاوضات روما

المدن - سياسةالأربعاء 2026/08/05
نتنياهو وكاتس (Getty)
القناة 12 عن مصادر أمنية إسرائيلية: "الجيش اللبناني يخادع". (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

رفعت إسرائيل، مساء الأربعاء، سقف الضغط العسكريّ والسياسيّ على لبنان بالتوازي مع الجولة السابعة من المفاوضات الجارية في روما، بعدما طلب الجيش الإسرائيليّ، وفق وسائل إعلام عبريّة، تنفيذ هجوم واسع في الجنوب، قبل أن تكبح القيادة السياسيّة هذا الخيار، فيما دخل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس في مشاورات لتحديد طبيعة الردّ على ما تصفه إسرائيل بـ"خرق حزب الله" لاتفاق وقف إطلاق النار.

ولا يأتي التصعيد بعيدًا من طاولة روما. إذ انتهت جلسات الأربعاء من المفاوضات قبل موعدها على وقع "تطوّرات ميدانيّة"، وفق مسؤول في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، في وقتٍ فتحت إسرائيل مواجهة أخرى داخل غرفة التفاوض نفسها، بطلبها تعليق المحادثات احتجاجًا على ما وصفته بـ"التسريبات المضلّلة" الصادرة عن الوفد اللبنانيّ.

وبذلك، باتت الجولة التي كان يفترض أن تبحث الانتقال التدريجيّ من وقف النار إلى ترتيبات ميدانيّة أكثر استقرارًا، محكومةً بمعادلة مختلفة: إسرائيل تختبر الجيش اللبنانيّ في المناطق التي تنسحب منها، وتشكّك في أدائه، وتلوّح بالقوة العسكريّة في الوقت نفسه الذي تفاوض فيه على توسيع نموذج الانسحاب.

 

الجيش يريد توسيع الضربات.. والسياسة تتريّث

ونقلت "يديعوت أحرونوت" عن مصادر إسرائيليّة أنّ الجيش طلب شنّ "هجوم واسع" في جنوب لبنان ردًّا على التطورات الأخيرة، إلّا أنّ القيادة السياسيّة أوقفت تنفيذ الهجوم.

وتقاطعت هذه المعلومات مع ما أوردته القناة 12 عن مطالبة الجيش المستوى السياسيّ بالسماح بتنفيذ هجمات أوسع في لبنان، فيما نقلت هيئة البثّ الإسرائيليّة عن مسؤول قوله إنّ الردّ على ما تصفه تل أبيب بـ"خرق حزب الله" لم ينتهِ بعد، وإنّ الجيش يطلب تنفيذ عمليّة تحتاج إلى مصادقة القيادة السياسيّة.

وفي موازاة ذلك، دخل نتنياهو وكاتس في مشاورات أمنيّة لبحث الردّ، وفق القناة 14، بما يشير إلى أنّ النقاش الإسرائيليّ لم يعد متعلّقًا بمبدأ الردّ وحده، بل بحجمه وحدوده، وبمقدار ما يمكن للميدان أن يضغط على مسار روما من دون إسقاطه.

وكان التصعيد قد بدأ يأخذ طابعًا ميدانيًّا أكثر وضوحًا مع إصدار الجيش الإسرائيليّ، للمرّة الأولى منذ وقف إطلاق النار، إنذارًا بإخلاء سكان المنصوري في قضاء صور، قبل تنفيذ ضربات في الجنوب.

 

من "خيبة الأمل" إلى اتهام الجيش اللبنانيّ بـ"الخداع"

لكنّ التطور الأكثر دلالة سياسيًّا قد لا يكون في حجم الضربة الإسرائيليّة وحده، بل في تحوّل الخطاب تجاه الجيش اللبنانيّ نفسه.

فبعد حديث إسرائيليّ عن "خيبة أمل" من أدائه، نقلت القناة 12 عن مصادر أمنيّة إسرائيليّة اتهامات أكثر حدّة، زعمت فيها أنّ الجيش اللبنانيّ "لم يفعل أيّ شيء تقريبًا" في المناطق التي تسلّمها بعد الانسحاب الإسرائيليّ، ووصلت إلى وصف سلوكه بـ"الخداع".

ويضع هذا الاتهام علامة استفهام مباشرة فوق تجربة "المناطق التجريبيّة"، التي تقوم أساسًا على معادلة بسيطة: انسحاب إسرائيليّ تدريجيّ، يقابله انتشار الجيش اللبنانيّ وضمان عدم عودة البنية العسكريّة لـ"حزب الله".

ومن هنا تتجاوز الحملة الإسرائيليّة على الجيش اللبنانيّ بعدها الميدانيّ. فإذا اعتبرت تل أبيب أنّ المؤسسة العسكريّة لا تنفذ الجزء المطلوب منها في هذه المعادلة، فإنها تكتسب، وفق منطقها التفاوضيّ، ذريعة لربط أيّ انسحاب جديد بشروط وضمانات إضافيّة.

 

أزمة داخل غرفة المفاوضات

ففي اللحظة نفسها التي ارتفع فيها منسوب التوتر جنوبًا، ظهرت أزمة داخل المفاوضات. وأفادت "جيروزاليم بوست" بأنّ إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة تعليق المحادثات، متهمةً الوفد اللبنانيّ بتسريب معلومات "مضلّلة ومتكرّرة" عمّا يدور خلف الأبواب المغلقة.

وبحسب الصحيفة، تولّى السفير الإسرائيليّ لدى واشنطن يحيئيل لايتر نقل الطلب إلى الجانب الأميركيّ.

وعلى الرغم من ذلك، حافظت واشنطن على خطاب مختلف نسبيًّا، إذ قال مسؤول في وزارة الخارجيّة الأميركيّة إنّ محادثات الأربعاء كانت "مثمرة" وأحرزت تقدّمًا، وإنّ اختتامها المبكر جاء نتيجة التطورات الميدانيّة، مؤكدًا استئنافها الخميس.

ويكشف التباين مفارقة الجولة الحالية: الوسيط الأميركيّ يتحدث عن تقدّم، فيما ترفع إسرائيل في الوقت ذاته سقف الاعتراض على أداء لبنان، عسكريًّا وتفاوضيًّا.

 

معركة "المناطق التجريبيّة"

ويتركز أحد أهم ملفات الجولة على مستقبل "المناطق التجريبيّة"، بعد بدء تطبيق نموذج الانسحاب الإسرائيليّ والانتشار اللبنانيّ في عدد من البلدات الجنوبيّة.

وفيما يسعى لبنان إلى توسيع التجربة وربطها بمسار يؤدي تدريجيًّا إلى إنهاء الاحتلال، أفادت تقارير بأنّه اقترح إدخال بنت جبيل والخيام ضمن المرحلة المقبلة، لما للمدينتين من ثقل جغرافيّ ورمزيّ، فضلًا عن أعداد النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة إليهما.

وهنا تبرز أهميّة الهجوم الإسرائيليّ على أداء الجيش اللبنانيّ: فالنقاش لم يعد يدور فقط حول أين تنسحب إسرائيل لاحقًا، بل حول الشروط التي ستفرضها قبل كل انسحاب، وما تعتبره "ضمانة" لعدم عودة "حزب الله".

وعليه، قد يكون التصعيد الحالي جزءًا من معركة تحديد قواعد المرحلة التالية بقدر ما هو ردّ على حادثة ميدانيّة.

 

الميدان يدخل روما

على هذا النحو، تدخل مفاوضات الخميس تحت ثلاثة ضغوط إسرائيليّة متوازية: تهديد عسكريّ بتوسيع العمليات، وتشكيك بقدرة الجيش اللبنانيّ على تنفيذ الالتزامات في المناطق التي تتراجع منها القوات الإسرائيليّة، وضغط سياسيّ مباشر على طريقة إدارة الوفد اللبنانيّ للمفاوضات.

والمفارقة أنّ هذا التصعيد يأتي لحظة انتقال المفاوضات، وفق الرواية الأميركيّة، من المبادئ العامّة إلى تفاصيل التنفيذ. ولذلك، فإنّ السؤال الذي سيحكم الجولة المقبلة لم يعد فقط ما إذا كانت إسرائيل ستنسحب من مناطق إضافيّة، بل بأي شروط، وما إذا كان التلويح بالنار سيصبح جزءًا ثابتًا من أدوات التفاوض على كل خطوة انسحاب جديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث