فرضت التطورات العسكرية الساخنة التي شهدها الجنوب اليوم نفسها أروقة البحث السياسي والتقني في روما، مهددة بتعطيل المسار التفاوضي الذي يترنح أساساً تحت وطأة الضربات الإسرائيلية والتشبث بمناطق السيطرة، بل توسيعها.
فقد شهد الجنوب اللبناني تطوراً أمنياً بارزاً، بإعلان إسرائيل تعرض قوة من مشاتها لانفجار مبنى مفخخ، أثناء تنفيذها عمليات تلغيم وتدمير للمنازل في بلدة جنوبية لم تحددها، ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة آخرين. ورداً على ما وصفته بـ "الانتهاك الصارخ"، شن الجيش الإسرائيلي موجة من الغارات الجوية والقصف المدفعي والفوسفوري استهدفت مناطق عدة في الجنوب، شملت أطراف كفررمان، مصلى بلدة تبنين، والمنطقة بين زبقين ومجدل زون، بالتزامن مع توجيه إنذارات عاجلة لإخلاء بلدة المنصوري.
وعكس هذا التصعيد حال التأزم الذي تشهده محادثات روما، حيث يسعى الوفد اللبناني إلى معالجة الميدان ووقف عمليات التفجير والتجريف الإسرائيلية التي تطاول قرى بأكملها. وفي مقابل طلب لبنان توسيع "المناطق النموذجية" لتشمل بنت جبيل والخيام، أبدى الجانب الإسرائيلي تحفظاً وتمنعاً عن إعطاء إجابات حاسمة، وسط تسريبات عبر وسائل إعلامه برفض توسيع تلك المناطق، خصوصاً في ظل طلب واشنطن أن تحقق الترتيبات الحالية تنفيذاً كاملاً للإطار الثلاثي، معتبرة أن نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية يمثلان الأولوية والمطلب الأساسي لتأمين انسحاب إسرائيلي كامل وإعادة سلطة الدولة.
وأفادت مصادر بعبدا بأن الوفد اللبناني طرح خلال جلسة المفاوضات التهديد الإسرائيلي لبلدة المنصوري، باعتباره دليلًا إضافيًا على ضرورة تجديد وقف إطلاق النار وإلزام إسرائيل بعدم انتهاكه. وأوضحت أن لبنان يطالب في كل جلسة بتجديد وقف إطلاق النار لمدة ثمانية أسابيع، أو 60 يومًا، من تاريخ الإعلان، مؤكدة أن وجوده على طاولة التفاوض في روما يهدف إلى استعادة الأرض وعودة أبنائها، وأنه مستمر في التفاوض لمنع أي تصعيد. وأضافت أن المفاوضات ستُستكمل غداً الخميس عند الساعة العاشرة صباحًا بتوقيت بيروت.
إذاً، يتحرك المشهد اللبناني على حافة خطرة. فبينما تحاول بيروت ضبط التجاوزات الإسرائيلية في القرى الجنوبية وتثبيت الحدود عبر التفاوض في روما، يأتي تفجر الميدان ليُظهر هشاشة التهدئة والعجز عن إحداث أي اختراق تفاوضي ملموس.
روما: تقدّم تقنيّ تحت سقف الانسداد
في روما، توزّعت المفاوضات على ثلاثة مسارات متوازية: سياسيّ، وعسكريّ، وحدوديّ. لكن كثرة الطاولات لم تُنتج حتى الآن جوابًا عن السؤال اللبنانيّ الأساسيّ: ماذا ستفعل إسرائيل في المقابل؟
في المسار العسكريّ، عاد لبنان إلى طرح الخيام وبنت جبيل منطقتين تجريبيّتين جديدتين، على قاعدة انسحاب الجيش الإسرائيليّ منهما، ودخول الجيش اللّبنانيّ وانتشاره وبسط سلطته، ومنع إعادة تكوين البنية العسكريّة لحزب الله، بالتوازي مع فتح الطرق وتهيئة شروط عودة السكان. غير أن إسرائيل لم تُبدِ استعدادًا للانتقال إلى هذه المرحلة، وسط معطيات عن رفضها الانسحاب من مناطق إضافيّة في المرحلة الراهنة.
وهنا تحديدًا يقع الاشتباك السياسيّ الحقيقيّ. فلبنان يريد معادلة متزامنة: انسحاب إسرائيليّ يتيح للدولة التقدّم، مقابل إجراءات لبنانيّة أمنيّة وعسكريّة على الأرض. أمّا إسرائيل فتدفع في اتّجاه قلب التسلسل: تنفيذ لبنانيّ أولًا، والتحقّق منه، ثمّ البحث لاحقًا في الانسحاب. وبين الصيغتين فارق يتجاوز الجدولة إلى جوهر التفاوض نفسه: مَن يقدّم الخطوة الأولى، ومَن يملك حقّ اعتبارها كافية؟
مَن يتحقّق ومَن يملك حقّ العودة؟
من هنا برزت عقدة "الطرف الثالث". فالبحث السياسيّ انصرف إلى الجهة التي ستتولّى التحقّق من تطبيق الإجراءات داخل المناطق النموذجيّة، وسط استعداد دول عدّة للاضطلاع بالمهمّة. أمّا إسرائيل، فتريد الاحتفاظ بقدرة مباشرة على التحقّق، وهو ما يرفضه لبنان، خشية أن تتحوّل آليّة المراقبة إلى مدخل لإعادة تكريس حرّيّة الحركة العسكريّة الإسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانيّة.
وبالتوازي، قدّم الوفد اللّبنانيّ في ملف الحدود عرضًا مدعّمًا بالوثائق والخرائط، انطلق من خطّ الهدنة، مرورًا بالخطّ الأزرق، وصولًا إلى الوضع القائم حاليًّا، ونال، بحسب المعلومات، إشادة أميركيّة. وقد بدا واضحًا أن بيروت تحاول تثبيت مرجعيّة تفاوضيّة تقوم على الحدود والوثائق، في مواجهة مرجعيّة أخرى تحاول إسرائيل تكريسها بقوّة الميدان.
المنصوري: نموذج مصغّر للمشكلة كلّها
وسط هذه المفاوضات، جاء إنذار المنصوري ليضغط دفعة واحدة على أكثر الملفات حساسيّة. فالجيش الإسرائيليّ اعتبر البلدة جزءًا ممّا يسمّيه "المنطقة الأمنيّة"، فيما نفت مصادر رسميّة لبنانيّة الرواية الإسرائيليّة، مؤكّدة أن الادّعاءات عن خرق الجيش اللّبنانيّ للاتفاق "عارية من الصحّة"، وأن عودة الأهالي إلى البلدة حصلت برفقة الجيش وبالتنسيق مع لجنة "الميكانيزم".
وبذلك، تحوّلت المنصوري من بلدة مهدّدة بالقصف إلى نموذج مصغّر عن النزاع الذي تحاول روما إدارته: إسرائيل ترسم على الأرض مفهومًا لـ"منطقة أمنيّة"، فيما يحاول لبنان منع تحوّل الوقائع العسكريّة المستجدّة إلى حدود سياسيّة أو أمنيّة دائمة.
بعبدا: ستّون يومًا واستعادة الأرض
في مقابل الضغط الإسرائيليّ، ترفع بعبدا مطلبًا واضحًا: إعادة تأكيد وقف إطلاق النار وتجديده لمدّة ثمانية أسابيع، أو 60 يومًا، على أن يُتّفق على موعد بدء سريانه.
وبحسب مصادر بعبدا، فإن وجود لبنان في روما ليس تفاوضًا لمجرّد إدارة الأزمة، بل بهدف "استعادة الأرض وعودة أبناء الأرض"، مع الاستمرار في المسار التفاوضيّ لمنع الانزلاق إلى تصعيد أوسع.
وهذا الموقف يمنح مطلب وقف النار وظيفة تتجاوز التهدئة الآنيّة. فلبنان يحاول جعله الأرضيّة التي يُبنى عليها ما بعده: الانسحاب، انتشار الجيش، عودة السكان، التحقّق، ثمّ الانتقال إلى مناطق إضافيّة.
تفاوض على الأرض.. وتفاوض بالنار
لكنّ المعضلة التي كشفتها أحداث اليوم الثاني أكثر قسوة: بينما يفاوض لبنان على وقف العمليات العسكريّة، تستخدم إسرائيل استمرارها جزءًا من شروط التفاوض. وبينما يبحث المجتمعون في روما في مناطق نموذجيّة يُفترض أن ينسحب منها الإسرائيليّون، تتحدّث المعطيات الإسرائيليّة نفسها عن انتشار عسكريّ يمتدّ إلى عمق الأراضي اللّبنانيّة، فيما تتواصل أعمال شقّ الطرق وربط المواقع والتجريف والهدم.
لهذا، لا تكمن أزمة روما في غياب البحث. البحث قائم، والملفات مفتوحة، والخرائط على الطاولة، وآليّات التحقّق تُناقش. الأزمة في المسافة بين ما يُناقَش في القاعات وما يحدث على الأرض. فكلّما حاول لبنان تحويل التفاوض إلى مسار لاستعادة الأرض، أعاد الميدان طرح احتمال معاكس: أن يتحوّل الوقت نفسه إلى أداة لتثبيت وقائع الاحتلال.
وعليه، يدخل الوفد اللّبنانيّ جلسة الغد، التي يُفترض أن يُطرح خلالها أيضًا ملف الأسرى، أمام اختبار يتجاوز تحصيل تقدّم تقنيّ إضافيّ. فالاختراق الذي تحتاجه بيروت ليس بندًا جديدًا على جدول الأعمال، بل جوابًا إسرائيليًّا عن وقف النار والانسحاب. ومن دونهما، تبقى مفاوضات روما تدور حول كيفية تثبيت التهدئة، فيما الجنوب يعيد، تحت النار، تعريف الوقائع التي يُفترض أن تُثبَّت.




