لو امتلكنا قوّة إسرائيل

مروان حربالثلاثاء 2026/08/04
علم إسرائيلي على أنقاض كفركلا (Getty)
نحب أن نرى في ضعفنا براءة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليست الضحية دائمًا نقيض جلّادها. أحيانًا، لا يفصل بينهما مبدأ أخلاقي، بل اختلال في ميزان القوّة. قد يختبئ في أعماق المظلوم جلّاد لم تتح له الفرصة بعد، وقد يحمل الجرح رغبة لا في إنهاء الألم، بل في نقله إلى جسد آخر. فليس كل من يصرخ تحت السوط رافضًا للسوط، ولا كل من يستدعي العدالة مؤمنًا بها. أحيانًا، يطلب الإنسان الرحمة لأن القسوة ما زالت في يد سواه.من السهل أن يبدو المرء أخلاقيًا حين يكون عاجزًا؛ أن يتحدث عن حرمة المدنيين لأن مدنييه هم الذين يُقتلون، وأن يرفض الحصار لأنه هو المحاصر، وأن يدين الإفراط في استخدام القوّة لأنه لا يملكها. لكن العجز ليس فضيلة، كما أن الخوف ليس رحمة.

 

يبدأ الامتحان الحقيقي حين تتبدّل المواقع: حين تصبح الضحية قادرة على القصف والحصار والتجويع، وحين يصبح من كان فوقها واقعًا تحت رحمتها. عندها فقط يتبيّن إن كانت تريد إنهاء الظلم، أم أنها كانت ترفض فقط أن تكون الطرف الذي يتعرّض له. فالجلّاد ليس دائمًا كائنًا غريبًا عن عالم الضحية. قد يكون ضحية سابقة لم تسأل نفسها، وهي تنزف، ماذا ستفعل إذا أصبح سيفها أطول من سيف عدوها.

لقد امتلكنا من القوّة ما يكفي لإيذاء شعوبنا، ففعلنا. ولو امتلكنا قوّة إسرائيل، فليس في تاريخ أنظمتنا وميليشياتنا ما يطمئن إلى أننا كنّا سنكون أقلّ وحشية. ربما كنّا فقط سنمنح وحشيتنا سماءً أوسع، ومدى أبعد، وقدرة أكبر على تحويل العنف المحدود إلى خراب شامل. هذه محاولة للنظر إلى أنفسنا بلا أقنعة، وطرح سؤال نفضّل دائمًا تأجيله: هل نرفض القتل والتهجير والعقاب الجماعي لأنها جرائم في ذاتها، أم لأننا نحن الذين ندفع ثمنها؟ بين الموقفين هاوية أخلاقية. فنحن نحب أن نرى في ضعفنا براءة، وفي عجزنا عن التدمير دليلًا على إنسانيتنا. لكن من لا يقصف مدينة قد لا يكون أكثر رحمة؛ قد يكون فقط بلا طائرات. ومن لا يحاصر شعبًا قد لا يكون أكثر عدلًا؛ قد يكون فقط بلا حدود يسيطر عليها. ومن لم يمحُ قرية عن الخريطة قد لا يكون رافضًا للمحو؛ قد يكون عاجزًا عن إتمامه. أما حين امتلكنا شيئًا من القوّة، فقد عرفنا كيف نستخدمه.

 

من امتلك سجنًا ملأه بالمعتقلين. ومن امتلك حاجزًا حوّل الاسم إلى تهمة، واللهجة إلى دليل إدانة، ومكان الولادة إلى حكم بالموت. ومن امتلك مدفعًا صوّبه إلى الحي المقابل. ومن امتلك جيشًا أرسله إلى مدنه. ومن امتلك ميليشيا حوّل أبناء جماعته إلى ذخيرة لمشروعه، ثم سمّى موتهم تضحيةً وصمودًا وانتصارًا. قُصفت مدن عربية بأيدي جيوشها، وخُنقت شعوب داخل سجون دولها. اختفى الناس في الزنازين والمقابر الجماعية، وسُحقت الانتفاضات، وهُجّرت الجماعات، ودُفنت القرى تحت شعارات الأمن والسيادة والثورة والمقاومة. وكان الجلّاد، في كثير من الأحيان، يتحدث لغة ضحيته، ويرفع علمها، ويحفظ أناشيدها.

 

في لبنان وسوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن، لم يحتج الموت دائمًا إلى غازٍ أجنبي. كان يكفي حاكم يرى في شعبه تهديدًا، أو جيش يعتقد أن الدولة أهم من مواطنيها، أو ميليشيا تعتبر المجتمع ملكًا لمشروعها. لقد فعل كل طرف ما سمحت به قدرته. وحين عجز عن الذهاب أبعد، نسب ما لم يفعله إلى أخلاقه، لا إلى محدودية سلاحه. لهذا يبدو سؤال امتلاك قوّة إسرائيل مرعبًا. ماذا لو امتلكنا طائراتها وصواريخها وأجهزتها الاستخباراتية؟ ماذا لو استطعنا مراقبة خصومنا من السماء، وقتلهم من مسافة آمنة، وإغلاق الحدود في وجوههم، وقطع الماء والكهرباء عن مدنهم؟ ماذا لو أصبح في استطاعتنا تحويل مجتمع كامل إلى إحداثيات، وقتل الناس من دون أن نرى وجوههم أو نسمع صراخهم؟ وماذا لو امتلكنا، فوق ذلك، حصانة تسمح لنا بأن نسمّي كل ما نفعله دفاعًا عن النفس؟ ليس في تاريخنا ما يضمن أننا كنّا سنتوقّف.

 

الأكثر رعبًا أن كثيرين لا يرفضون منطق إسرائيل؛ يرفضون فقط أن تكون هي التي تحتكر القوّة وتختار الأهداف. لا يحلمون بعالم تتوقّف فيه الطائرات عن قصف المدن، بل باليوم الذي تصبح فيه الطائرات طائراتهم، والسماء سماءهم، والضحايا من اختيارهم. ولو امتلكوا ما تمتلكه إسرائيل، سيقصفون مدنهم باسم الدولة، ويحاصرون أبناءهم باسم الأمن، ويجوّعون مجتمعاتهم باسم المقاومة، ويحوّلون مواطنيهم إلى أهداف لأنهم اعترضوا، أو تمرّدوا، أو رفضوا أن يكونوا وقودًا لمشاريعهم. وقد فعلوا ذلك كلما امتلكوا ما يكفي من القوّة. ولو انقلب ميزان القوّة، لمنحوا القتل اسم الدفاع، والتهجير اسم الضرورة، والإبادة اسم الخلاص. فما يرفضونه ليس الجريمة، بل موقعهم داخلها. لا يريدون إنهاء حق القوي في القتل، بل انتزاعه لأنفسهم. لا يريدون إسقاط الجلّاد، بل وراثة سلاحه؛ ولا تحطيم عرشه، بل إخلاءه كي يجلسوا عليه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث