في27 كانون الثاني من هذا العام، دعت رئاسة الجمهورية اللبنانية مختلف المؤسسات والهيئات، ولا سيما النقابات المختصّة، والجامعات والمدارس، وسواها من هيئات وجمعيات، إلى الاحتفال بمئوية الدستور اللبناني (الصادر في 23 أيار 1926)، عبر تنظيم مؤتمرات وندوات ومحاضرات، وحلقات دراسية متنوعة، تكون الغاية منها، وفق نص الدعوة:
"التعريف بالمبادئ الدستورية وبالنظام الديمقراطي البرلماني وأطره المختلفة"؛ كي يتعرّف اللبنانيون، ولا سيما الجيل الجديد منهم، إلى خصائص نظامهم ودورهم في هذا المسار الديمقراطي، وما يجب أن يُطوَّر ويُحدَّث من نصوص، كي تتلاءم مع مقتضيات المجتمعات الحديثة.
لم تلقَ هذه الدعوة الاهتمامَ اللازم، بالرغم من أنّ الدستور هو "القانون الأعلى" والوثيقة الأساسية التي تُنظّم شكلَ الدولة، وتُحدّد نظام الحكم، وتُنظّم عمل السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية والقضائية)، وتضمن حقوق الأفراد وحرياتهم وحمايتهم من الاستبداد إلخ... وبالرغم من أنّه الأساس الذي تُبنى عليه الدولة، وبالرغم من أنّه "العقد الاجتماعي" الذي يُنظّم شؤونَ الحكم، غير أنّه لا يحتلّ المكانةَ التي يستحقّها في حياة اللبنانيين، حكّامًا ومحكومين، في علاقة جدليّة.
واقتصرت التفاعلات مع الدعوة الرئاسيّة والاحتفالات بالمناسبة، على ندوة فكريّة ومعرض توثيقي أقامتهما، مشكورةً، إحدى الجامعات الخاصة، وعلى برنامج ثقافي مثير للاهتمام أطلقته إحدى المؤسسات المختصّة بالتنمية البشرية، وعلى مجموعة محدودة من المقالات التحليليّة المعمّقة، الصادرة في بعض الصحف، ولكنّ كلّ هذه المبادرات لا ترقى إلى مرتبة الحملة الوطنية التي تليق بالمناسبة.
فلم تتحوّل الدعوة المذكورة إلى حملة وطنيّة نقديّة عامة، إلى حدث وطني جامع، إلى فرصة مواتية لإطلاق حوار وطني حول دستور 1926، تناقضاته، عيوبه، ثغراته، إيجابياته، والآثار التي خلّفها ويخلّفها على الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة إلخ...، على مدار قرنٍ كامل، ولم تتحوّل إلى فرصة لتفجير الأسئلة المعرفيّة والأخلاقيّة والوجوديّة.
لا يفترض أن تحولَ "الرهبة" التي تُحاط به، بوصفه أعلى نصّ قانوني في الدولة، ووثيقةً تأسيسيّةً جوهريّةً، دون تداوله على نطاق جماهيري، فالدساتير ليست حكرًا على الراسخين في الفقه الدستوري، أو الفقه القانوني، كما أنّه ليس ملكيّةً عقاريّةً لأهل الحكم والسلطان ليتصرّفوا بها كما يشاؤون.
إنّها فرصة مواتية لإثارة الإشكاليات المتعدّدة التي يطرحها الدستور، وطرح الأسئلة المهجوس بها.
إنّها فرصة مواتية لمساءلة دستور 1926 عن كيفيّة تعامُله مع مسألة التعدُّد الطائفي الهويّاتي للجماعات اللبنانيّة، وإذا كان قد أسّس بمواده لتحويل الجماعات اللبنانيّة المتمايزة ثقافيًّا، إلى مجتمع متماسك وموحَّد تحكمه قوانين موحَّدة، وقيم عليا موحَّدة، وتُدير شؤونه دولة مركزيّة حديثة، ومتماسكة وموحَّدة، أم أنّ صانعيه اكتفوا بالبناء على الهيكليات القديمة وتثبيتها وتجذيرها؟ فمن شأن العقود الاجتماعية التي تُبرمها الجماعات فيما بينها أن تؤدي إلى توحيدها، وتنظيم عيشها بما يمنع تناحرها وتنافرها، مؤديًا على العكس، إلى تآلفها وتضامنها وتعاونها.
بمعنىً آخر، التساؤل عمّا إذا كان دستور 1926 قد أُسس لرؤية حداثويّة مدنيّة للفرد والمجتمع والدولة والوطن، أم رؤية طائفيّة تقليديّة تلغي الفرد وتُقسّم المجتمع وتُشعبه، وتُخضع الدولة للطوائف وزعمائها، وتُؤجّل نشوء الأوطان، أم أنّه جمع بشكل هجين بين الرؤيتين؟
هي فرصة مواتية للتساؤل حول مدى حجم تأثير أحكام دستور 1926، معطوفًا على أحكام القرار 60 ل.ر، الذي أصدرته السلطة الانتدابية الفرنسيّة عام 1936، وكان يهدف إلى تنظيم الطوائف الدينيّة وهيكليتها، وتنظيم أحوالها الشخصيّة ومحاكمها، وتوسيع صلاحياتها وامتيازاتها، ومعطوفًا، أيضًا، على "الميثاق الوطني" للعام 1943، الذي غلبت أحكامه في العهود الاستقلالية، وفي كثير من الأحيان، أحكام الدستور، ونعني بالعهود الاستقلالية تلك التي تعاقبت في لبنان بعد نيل استقلاله، حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
هي فرصة لمساءلة دستور 1926 عن دوره في بلورة هويّة لبنانيّة جامعة من عدمها، في بلورة هويّة لبنانيّة عليا لا تنازعها وتنافسها الهويات الفرعيّة.
هي فرصة مواتية لإعادة الاعتبار لمفهوم "الدستور" بالمطلق والنسبي، في الخطاب السياسي والإعلامي، والثقافي والشعبي، والسعي إلى شيوعه وذيوعه في لغة الناس اليوميّة، عندما يتناول هؤلاء القضايا العامة، فيكفّ عن كونه كيانًا عصيًّا، علويًّا، شاهقًا، عسيرًا على السبر والفهم، ولا يعني سوى الراسخين في العلم الدستوري والقانوني والسياسة، ومفصولاً عن مسارات الأفراد العاديين ومصائرهم. وهل يستقيم الحديث عن ثقافة سياسية ابتدائية دون معرفة أحكام دستور البلاد، شؤونه وشجونه؟
والحال، يعيش اللبنانيون، في الواقع، في غربة عن دستورهم، حتى باتوا يستكثرون على أنفسهم استعمال المصطلح نفسه. فأغلب اللبنانيين لا يدرسون الدستور بشكل عميق، ومادة التربية لا تُؤهّل المواطن لفهم الدستور والمطالبة بتطبيقه، علمًا أنّه من حق اللبنانيين وواجبهم الاطلاع على مضامين دستور بلادهم، والتنبّه إلى أنّ هذين "الحق" و"الواجب" جزء أساسي من معنى وجود الدستور نفسه. فالدستور هو في الأساس عقد اجتماعي يُنظّم العلاقة بين الشعب والسلطة، فإذا كان الشعب مصدرَ السلطات، فمن الطبيعي أن يناقشَ بروحٍ نقديّة، النصَّ الذي يُنظّم حياته العامة والخاصة، ونعني الأحوال الشخصيّة على سبيل المثال.
ولا يفوتنا أنّ المواطن اللبناني قد يفتقد إلى الفضول الكافي للاطلاع على أحكام دستور بلاده ومناقشتها، لاعتقاده أنّ مرجعيّته الأولى هي "الزعيم الطائفي" وليس القوانين الدستوريّة والدولة، وأنّ نفوذَ زعيمه الطائفي تتجاوز ما ينصّ عليه الدستور والقوانين، كما أنّه قد يُضمر في لاوعيه أنّ الدستور والقوانين، في دولة من طينة الدولة اللبنانيّة، قابلة للانتهاك في كل حين وعلى مدار الثواني، ويكمن في افتقار اللبناني إلى الفضول الكامن للاطلاع على أحكام دستور بلاده وتفاعلها، سببٌ إضافيٌّ للتجاوب مع الدعوة الرئاسيّة العامة.
وهي فرصة مواتية للانطلاق من دستور 1926 نحو "الدستور الجديد"، أو دستور 1926 بحلّته الجديدة، بعد إدماج أحكام "اتفاق الطائف" (1989)، والسؤال عن مدى التزام "أهل الحل والربط" بالأحكام الجديدة، وعمّا طُبِّق منها وما لم يُطبَّق، وعن مردوديّة وفاعليّة ما طُبِّق منها، وعن عواقب ومحاذير ما لم يُطبَّق، ويُعَدُّ تعديلات أساسيّة جوهريّة، من مثل "إلغاء الطائفية السياسية"، أو الأحكام العامة الواردة في المقدمة. وحينها يكون الاحتفاء بالمئويةّ فرصةً ذهبيّةً لتناول قضايا سياسيّة بنيويّة ورئيسيّة وراهنة بامتياز.
وهي فرصة مواتية، للتساؤل، حول الانتهاكات المتتالية التي تعرّض ويتعرّض لها هذا الدستور الجديد، وحول الاستنسابيّة في التفسير والتطبيق، وحول غلبة المنطق الطائفي التحاصصي، على المنطق القانوني، وشيوع مصطلحات بديلة من مصطلح الدستور، من مثل "الميثاقيّة"، و"التوافقيّة"، و"العيش المشترك"، كما حول مشروعيّة استبدال الأعراف والعادات السياسيّة والتسويات والتفاهمات بأحكامه، وحول مشروعية تعطيل المؤسسات الدستوريّة وتعليق العمل بها، عند حدوث خلافات سياسيّة (تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، تعطيل جلسات البرلمان، التأخر في تشكيل الحكومات إلخ...).
إنّ هذه الإشكاليّات هي غيضٌ من فيض إشكاليات الدستور اللبناني، منذ صدوره عام 1926، وصولًا إلى تعديله عام 1990؛ أي بنسختيه الأولى والثانية، وقد تمّت معالجة بعضها في حفنة من المقالات التحليليّة المعمّقة. ولكن لا هذه المقالات الرصينة، ولا الجهود التي بذلتها، مشكورةً، إحدى الجامعات الخاصة، ولا الأنشطة المثيرة للاهتمام، التي أعدّتها إحدى المؤسسات المعنيّة بالتنميّة البشريّة، كفيلة بتحويل المئوية إلى حملة وطنية شاملة تستنفر في سبيل إنجاحها المؤسسات والهيئات والنقابات والجمعيات والمدارس، ومحطات التلفزة والمواقع الإلكترونية، وغيرها من منابر، وتكون الغاية من استنفارها طرح ومناقشة موضوع وطني جوهري، يخصّ مبدئيًّا كل فرد لبناني.
أمّا الرغبة في تفنيد دلالات هذه اللامبالاة، فهي تحتاج إلى مقاربات أخرى، متصلة.



