في أكثر اللحظات قتامةً، قد تظهر أحيانًا نافذة صغيرة لا يراها إلا من يمتلك ترف قراءة التحولات الكبرى بعيدًا عن ضجيج اللحظة. والمنطقة العربية اليوم تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود: حروب تتوسع، وصراعات إقليمية تتداخل، وشعوب تدفع أثمانًا باهظة لصراعات لم تخترها، فيما تتراجع فرص التنمية والاستقرار أمام أولوية الأمن والخوف.
ومع ذلك، فإن المفارقة التاريخية تكمن في أن الأزمات الكبرى لا تحمل دائمًا الخراب فقط؛ فهي قد تفتح أيضًا فرصًا لإعادة ترتيب الأولويات وبناء قواعد جديدة. وربما تكون المنطقة العربية أمام فرصة نادرة للخروج من دائرة الأزمات المتكررة، بشرط أن تمتلك شجاعة الاعتراف بأسباب التعثّر، وأن تتخلى عن الأوهام التي عطّلت مسيرتها لعقود.
ولكن، كيف يمكن الحديث عن فرصة والمنطقة تلتهب بحربٍ غير مسبوقة طاولت شظاياها وويلاتها مجتمعات مستقّرة ومزدهرة، نجحت فيما سبق بأن تصبح قبلةً ومثالًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبيئةً ناجحةً للأعمال والاستثمار؟ وكيف تكون فرصةً وقد زادت معاناة الشعب الفلسطيني في السنتين الأخيرتين أضعاف ما كابده في عقود؟
بين خطرين مزمنين
عانى العالم العربي طويلًا من تحديات كبرى جاءت من أكثر من اتجاه، لكن خطرين إقليميين جاثمين كان لهما تأثير عميق في صياغة واقع المنطقة خلال العقود الماضية: الصراع مع إسرائيل، والسياسة الإقليمية الإيرانية.
منذ قيام إسرائيل، دخلت المنطقة في دائرة صراع مفتوح لم تجد طريقًا إلى تسوية عادلة ودائمة له. فقد ناصبت إسرائيلُ العرب العداء فور قيامها بطبيعة الحال، وكذلك بادلها العرب العداء نصرةً لشعب فلسطين، الذي فشلت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في وضع إطار يحمي حقوقه ويضمن تطبيق القرارات الأممية التي وُضعت لإدارة النزاع بما يحفظ وجود الشعبين.
والنتيجة باتت معروفة. الدول المحيطة بإسرائيل حملت لواء الحرب الدائمة معها -ولو كانت حربًا باردة وشعاراتية في معظم الأحيان- فحوّلت مجتمعاتها إلى معسكرات إيديولوجية يحكمها عسكر رديء وغير فعّال، يرفع لواء تحرير فلسطين لا ليحرّرها، بل لاكتساب المشروعية وديمومة السيطرة على الشعوب والثروات. ولهذه الغاية، لا مانع لديه، بعد أن وضع بلده ومصالح شعبه في سلة الموازين الدولية (الاتحاد السوفياتي خلال حربه الباردة مع "الامبريالية الأميركية" قبل انهياره)، من أن تتشظى مجتمعاته وتتفشّى فيها شتى أنواع الأفكار الهدّامة يسارًا ويمينًا وإسلامًا متطرفًا يرى في الجميع أعداء له، بما فيه الإسلام المعتدل.
نجت دول الخليج العربي إلى حدٍ بعيد من هذا المصير المشؤوم، وراحت، واحدة تلو الأخرى، تخطّ طريقًا مختلفًا مُعبّدًا ومستويًا نحو حداثة معقولة وتنمية جدية قائمة على بناء الاقتصاد والانفتاح على العالم. فحققت لشعوبها مصيرًا مختلفًا، وقدرًا من الرخاء والاستقرار والاستثمار في المستقبل، لم تعرفه، مع الأسف، شعوب الأنظمة العسكرية المجاورة التي بقيت غارقة في الفقر والشعارات. لم تتخلّ تلك الدول عن مناصرة شعب فلسطين، لكنها نأت بنفسها عن "الكفاح المسلّح" وحروب "النظارات" والتلفزيونات ومحاور الشرق والغرب. وتبنّت مقاربة مختلفة تقوم على تعزيز الدولة والاستقرار وتوسيع المصالح الاقتصادية، بدلاً من الدخول في حروب مفتوحة أو صراعات لا تنتهي.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن بناء المجتمعات والمؤسسات والاستثمار في الإنسان كان أكثر قدرة على صناعة القوة الحقيقية من رفع الشعارات التي لم تنتج إلا مزيدًا من الانقسامات والبؤس.
تمثّل الخطر الآخر الأكثر فداحة في سياسة إيران الإقليمية منذ قيام "الجمهورية الإسلامية" عام 1979؛ فهي لا تعترف بحدود ولا بأنظمة ودول. تمّد أذرعها وأصابعها جنوبًا وشمالا وحيث تستطيع، وتنشئ الخلايا والمنظمات "الثورية"، وتهدد جيرانها بمناسبة ومن دون مناسبة. وهي تمارس اليوم قرصنة مباشرة في مضيق هرمز، ضاربةً أسس الملاحة التجارية العالمية عرض الحائط، وخانقة الاقتصاد العالمي.
لقد عانت الدول العربية طويلاً من التدخلات الإيرانية الناعمة والخشنة، ودفعت أثمانًا كبيرة واضطر بعضها إلى تحالفات وترتيبات لحماية أمنها واستقرارها ودرء شرّ جارها المتوثّب للهيمنة عليها، تارةً باسم "تصدير الثورة"، وتارةً "لمحاربة الشيطان الأكبر أميركا"، وتارةً أخرى "لتحرير فلسطين ورمي إسرائيل في البحر"!.. إلى آخره من الشعارات الجوفاء والحجج العرجاء. وبقية الرواية معروفة.
لحظة عربية مختلفة؟
اليوم، شكّل التصدّع الكبير الذي أصاب محور إيران في المنطقة (ضرب المشروع النووي وتأخير الباليستي، وتصفية معظم القيادات العسكرية وعلى رأسها المرشد الأعلى للنظام، وإضعاف ذراعها الأقوى حزب الله وتصفية معظم قادته؛ وكان سبق هذا سقوط نظام الأسد في دمشق وما يعنيه من سد شريان الإمداد الإيراني)، بالإضافة إلى التباين المعتبر بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية في ترتيب الأولويات وكيفية إنهاء الملفات، وتقدّم مصالح دول الخليج على أجندة الرئيس الأميركي وإدارته لتقاطعها إلى حدٍ معقول مع مصالحه، عوامل جديدة لا يجب إغفالها في لحظة انتقالية مهمة.
للمرة الأولى منذ زمن طويل، قد تبدو الفرصة سانحة للعرب من أجل الخروج من دائرة المتلقي للأحداث إلى صانعها، ولأخذ زمام المبادرة في تلمّس مستقبل آخر غير ما كانوا منقادين إليه بلا خيار. هناك فرصة للخروج من هذا الدور إذا استطاعت الدول العربية (بالجملة، ولمَ لا بالمفرّق؟) أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى بناء مشاريع سياسية واقتصادية تقوم على المصالح الواقعية.
ولكن شرط هذه الفرصة ليس فقط التخلّي عن أوهام الشعارات الأيديولوجية والديماغوجية التي أكلت طويلا من عقول وأعمار أبناء وبنات المنطقة، ولم تقرّبهم سنتيمترًا واحدًا من أي حياة رغيدة يستحقونها، وإنما أيضًا الخروج بعقل يخاطب العصر بلغته ويفاوضه بمصلحته، متحرّرًا من إرث ثقيل من التيه بين الاستضعاف تارةً والركون إلى مجدٍ غابر تارة أخرى.
هذا لا يعني التخلي عن القضايا العادلة، بل يعني البحث عن وسائل أكثر فاعلية لتحقيقها. فالقوة الحقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد لمن يمتلك الصواريخ والجيوش التقليدية، بل لمن يمتلك العقل والأدوات الدقيقة والتكنولوجيا الفائقة، والاقتصاد المتين، والتعليم الفعّال، والمؤسسات الحديثة القادرة، والمجتمعات التي يشعر أبناؤها بأن لهم مستقبلًا داخل أوطانهم يجب الذود عنه.
لا هدايا
ليست الإدارة الأميركية حَمَلاً وديعًا، ولا حليفًا لأحد، وليست في موقع واحد ثابت طوال الوقت. هي حليفة مصالحها أولا وأخيرًا. والرئيس ترامب يعبّر بفجاجة ولكن بواقعية عن هذه النظرة. فرصة العرب تكمن تحديدًا هنا إن أحسنوا صياغة مشروع واقعي يعيد ريادتهم على منطقتهم -ليس أكثر- بتواضع ولكن بتصميم يضع أولويات جديدة ويرتبها ببراغماتية، بما يوفّر لشعوبهم فرص التمتع بثرواتهم والعيش برخاء وازدهار من غير تهديد أحد. طروحاتٌ قد تتقاطع إلى حدٍ كبيرٍ مع سياسة الإدارة الحالية (العقارية) الباحثة عن مناخ مستقرّ يُستثمر فيه، وعن شراكات آمنة ومربحة.
لقد خطت دول رائدة، كالعربية السعودية والإمارات وقطر، في السنوات الأخيرة خطوات مثيرة على طريق هذه الشراكات الناجحة، واستقطبت بسهولة قادة "العالم الرقمي" الجدد، ووضعت أسسًا -لا ينبغي العودة عنها- للمساهمة في هذا العالم وحجز مكانٍ فاعل فيه لا يستهين به أحد، بدل تملّق أحلاف ومحاور من مخلّفات عالم قديم وعقل قديم.
الفرصة العربية اليوم ليست وعدًا مضمونًا، ولا هدية من أحد. وقد تكون نافذة مفتوحة لفترة محدودة. فهل يمتلك العرب الشجاعة -بعد أن امتلكوا مؤخراً الرؤية- لكي يحوّلوا سنوات الألم الطويلة إلى بداية مرحلة جديدة لصناعة غد لائق؟




