في هذا اليوم، الرابع من آب، يجد لبنان نفسه محاصراً بمرارات قديمة وجديدة، ميدانية ودبلوماسية. وفيما ذهب إلى روما للبحث عن سبل لإنقاذ الجنوب من الاحتلال والدمار الواسع، والذي يزداد اتساعاً كل يوم، تحلّ الذكرى السادسة لتفجير مرفأ بيروت الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص وأصاب الآلاف ودمر جزءاً واسعاً من العاصمة. ومن جديد، يتحرك أهالي الضحايا مطالبين بالحقيقة والعدالة. وبين مشهدين: خراب بيروت قبل 6 سنوات، وخراب الجنوب منذ 3 سنوات، تتجلى أزمة لبنان المتعددة الوجوه.
ما رشح من نتائج عن جلسة روما هو أن لبنان لم يحصل من إسرائيل خلالها من المستوى السياسي على الأجوبة المتعلقة بوقف النار والانسحابات. لكنها شهدت تطوراً لافتاً تمثل في تراجع الوفد الإسرائيلي، للمرة الأولى، عن موقفه الممتنع بشأن الحدود البرية. فقد وافق على بدء العمل لإعادة إظهار الحدود المرسّمة دولياً وتثبيتها عبر خرائط وإحداثيات دقيقة ومن خلال الاستعانة بالخبراء التقنيين. لكن هذا "الانفتاح التفاوضي" يصطدم أولاً برفض الطرح اللبناني مدينتي بنت جبيل والخيام كمناطق تجريبية جديدة، وسط تفهم أميركي وانفتاح على اختيار طرف ثالث غير أميركي ولا فرنسي للتحقق. والثاني هو بناء الجيش الإسرائيلي سبع قواعد عسكرية دائمة وشبكات طرق لوجستية في الجنوب على عمق يصل إلى 12 كيلومتراً ومساحة 600 كيلومتر مربع، بينها قاعدة مستحدثة فوق أنقاض معتقل الخيام. وهذا الهدم والتجريف والتثبيت العسكري يدعم الاقتناع بأن إسرائيل تعمل لتحويل انتشارها إلى بنية احتلال طويلة الأمد، وترفض أي انسحاب حقيقي.
أما في الداخل، فقد فجّر الكلام الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم سجالاً حاداً مع السلطة التنفيذية، إذ اتهم السلطة السياسية بأنها "كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً لسيادة لبنان". وقد جاءه الرد على لسان رئيس الوزراء نواف سلام، الذي اعتبر أن "العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب إسناد عبثية، ومنحها الذرائع لانتهاك السيادة وتدمير القرى". وأكد سلام أن سيادة لبنان لا تتجزأ ولا تبنى بتعدد قرارات الحرب والسلم، بل بقرار مستقل ودولة تمتلك جيشاً واحداً يبسط سلطته حصرًا على كامل أراضيها. ومن جهتها، ردت مصادر بعبدا بوضوح على طروحات الحزب، مجددة التأكيد على أن الجيش موجود وسيكون موجوداً في كل شبر من لبنان وليس فقط جنوب الليطاني، مشيرة إلى أن الرئاسة لم تغلق باب الحوار، بل الحزب هو من يتملص من الحضور إلى بعبدا لمناقشة الخيارات الوطنية.
وهكذا، يكشف المشهد اللبناني في 4 آب عن دوامة متكاملة يدور فيها لبنان: إسرائيل تفاوض في روما باليد اليمنى بينما تبني قواعد الاحتلال وتفجر القرى باليد اليسرى. والخلاف في الداخل حول السلاح ومصيره ومفهومه لم يتبدل. وأما في قلب العاصمة، فتبقى العدالة لمئتي ضحية، وآلاف الجرحى والمعوقين، ومئة وخمسين ألف متضرر معطلة، وبلا أفق. إنه مأزق لبنان المقيم عميقاً، من عاصمته إلى الجنوب.
بنت جبيل والخيام: اختبار الانسحاب الحقيقيّ
بالتوازي مع البحث الحدوديّ، ناقشت الجولة الآليّات التنفيذيّة والتفاصيل التقنيّة للمناطق النموذجيّة. وطرح الوفد اللبنانيّ بنت جبيل خيارًا أوّل، والخيام خيارًا بديلًا، للانتقال من تجربة محدودة في مناطق لم تكن خاضعة لاحتلال مباشر، إلى اختبار حقيقيّ لاستعداد إسرائيل للانسحاب من بلدات تحتلّها أو تسيطر عليها بالنار.
ولم يحصل لبنان بعد على جواب إسرائيليّ نهائيّ بشأن المنطقتين، فيما أبدى الجانب الأميركيّ تفهّمًا للطرح اللبنانيّ. وفي حال رفض إسرائيل، أعدّ الوفد خيارات بديلة، من دون التراجع عن المبدأ الأساسيّ: لا قيمة لأيّ منطقة نموذجيّة إذا لم تتضمّن انسحابًا إسرائيليًّا فعليًّا، وانتشار الجيش اللبنانيّ، وعودة السكّان، وبدء الإعمار.
ويدور البحث أيضًا حول الجهة التي ستتولّى التحقّق من تنفيذ الخطوات المتبادلة، على ألّا تكون أميركيّة أو فرنسيّة. ويُطرح الخيار الإيطاليّ بين الاحتمالات المتداولة، من دون حسمه حتّى الآن. وتكتسب هويّة الطرف الثالث أهمّيّة استثنائيّة، لأنّ مهمّته لن تكون تقنيّة فحسب، بل ستشمل توثيق الانسحاب، ومراقبة انتشار الجيش، ومنع إسرائيل من الاحتفاظ بدور إشرافيّ يتيح لها التحكّم بمسار التنفيذ.
وقف النار يشمل الهدم والتجريف
ولم يكتفِ الوفد اللبنانيّ بالمطالبة بتجديد الالتزام بوقف إطلاق النار، بل سعى إلى إعادة تحديد مفهومه، بحيث يشمل صراحةً وقف عمليّات تفخيخ المنازل وهدمها وإحراقها، وتجريف الأراضي والطرق، وتدمير المنشآت المدنيّة.
وطلب الوفد من الجانب الإسرائيليّ رفع هذا المطلب إلى المستوى السياسيّ والعودة بجواب واضح، بعدما تحوّل وقف النار، وفق التطبيق الإسرائيليّ، إلى صيغة تسمح باستمرار القصف والتوغّل والهدم، ما دامت العمليات لا تتخذ شكل حرب شاملة.
وتكمن أهمّيّة هذا الطرح في أنّ إسرائيل تستخدم الفترة الفاصلة بين جولات التفاوض لتغيير معالم القرى المحتلّة، وتدمير ما تبقّى من بنيتها المدنيّة، بما يجعل عودة الأهالي وإعادة الإعمار أكثر صعوبة، ويمنحها أوراقًا إضافيّة على طاولة المفاوضات.
إسرائيل ترسم احتلالًا طويل الأمد
في مقابل الانفتاح الإسرائيليّ المحدود في روما، تكشف الوقائع الميدانيّة مسارًا معاكسًا تمامًا. فقد أظهر تحليل لصور أقمار اصطناعيّة إنشاء الجيش الإسرائيليّ سبع قواعد عسكريّة جديدة على الأقلّ في جنوب لبنان، وشقّ عشرات الكيلومترات من الطرق اللوجستيّة والعسكريّة داخل الأراضي المحتلّة.
وبحسب المعطيات، سيطرت إسرائيل خلال الحرب على مساحة تقدّر بنحو 600 كيلومتر مربّع، فيما يصل عمق انتشارها في بعض المحاور إلى نحو 12 كيلومترًا. ولا يقتصر الأمر على مواقع حدوديّة متفرّقة، بل يشمل شبكة قواعد وتحصينات وطرق إمداد ومواقع مراقبة ومناطق سيطرة بالنار، في ما يشبه إنشاء بنية احتلال قابلة للاستمرار.
أما الدلالة الأشدّ رمزيّة، فتتمثّل في إقامة قاعدة عسكريّة فوق أنقاض معتقل الخيام، بعدما هدم الجيش الإسرائيليّ ما تبقّى من أبنيته وسوّى الموقع بالأرض. وبذلك، تحوّل أحد أبرز شواهد الاحتلال الإسرائيليّ السابق إلى قاعدة لاحتلال جديد، فيما تعرّضت أحياء واسعة من البلدة للهدم والنسف والتجريف.
وتواصل إسرائيل تعزيز هذه الوقائع بالتزامن مع جلسات روما. ففيما كان المفاوضون يبحثون وقف الاعتداءات، وقع تفجير ضخم على أطراف المنصوري، وتقدّمت دبّابات إسرائيليّة ترافقها جرّافة من طراز "D9" باتّجاه المنطقة الواقعة بين حداثا وعيتا الجبل، حيث أطلقت إحدى الدبّابات قذيفة باتّجاه منزل.
هكذا، تفاوض إسرائيل على الانسحاب بيد، فيما تبني قواعد الاحتلال وتنسف القرى باليد الأخرى. وهي معادلة تضع الجولة أمام سؤال جوهريّ: هل تتحوّل المفاوضات إلى أداة لتفكيك الاحتلال، أم إلى غطاء سياسيّ لإدارته وتثبيت وقائعه؟
قاسم يهاجم التفاوض والسلطة تردّ
على وقع التفاوض والقصف، انفجر سجال داخليّ حادّ بين "حزب الله" والسلطة التنفيذيّة. فقد هاجم الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم مسار المفاوضات المباشرة، معتبرًا أنّه لم يجلب للبنان سوى "العار والذلّ والخيبة والتنازلات المتتالية"، ودعا الدولة إلى وقف التفاوض إلى حين توقّف الاعتداءات الإسرائيليّة.
واتهم قاسم السلطة السياسيّة بأنّها "كانت عونًا لإسرائيل بدل أن تكون عونًا لسيادة لبنان"، داعيًا إلى فتح باب الحوار مع الحزب، وتقوية الجيش، ووضع برنامج زمنيّ لإعادة الإعمار. كما شدّد على تمسّكه بانتشار الجيش جنوب نهر الليطاني، وعلى استمرار ما وصفه بدور المقاومة في الدفاع عن الأرض.
وجاء الردّ الأكثر حدّة على لسان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، الذي اعتبر أنّ "العون الأكبر لإسرائيل قدّمه مَن تفرّد بإدخال لبنان في مغامرات حروب إسناد عبثيّة"، ومنحها الذرائع للاعتداء على لبنان وتدمير مدنه وقراه وقتل أبنائه وتهجيرهم.
ورأى سلام أنّ مَن تفرّد بقرار الحرب، وربط لبنان بمحاور وحسابات خارجيّة، "لا يملك أن يوزّع شهادات في الوطنيّة، ناهيكم بالسيادة"، مؤكّدًا أنّه "لا سيادة للبنان إلّا بقرار واحد مستقلّ، في دولة لها جيش واحد، تبسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتيّة حصرًا".
ومن جهتها، ردّت مصادر بعبدا على حصر قاسم انتشار الجيش بجنوب الليطاني، مؤكّدةً أنّ "الجيش موجود في كلّ لبنان، وسيكون موجودًا في كلّ لبنان". كما شدّدت على أنّ أبواب القصر الجمهوريّ لم تُغلق أمام الحزب، بل إنّه هو مَن امتنع عن الحضور إلى بعبدا لإجراء حوار مع رئيس الجمهوريّة.
وهكذا، أعاد السجال فتح جوهر الأزمة الداخليّة: مَن يملك قرار الحرب والسلم؟ وهل يكون الجيش مؤسّسة الدولة الوحيدة المسؤولة عن الدفاع والسيادة، أم يبقى انتشاره جزءًا من معادلة تتعايش فيها الشرعيّة مع سلاح مستقلّ عنها؟
المرفأ: وعد قضائيّ جديد بعد ستّ سنوات
وفي قلب بيروت، تحرّك أهالي ضحايا المرفأ مجدّدًا مطالبين بالحقيقة والعدالة، بعد ستّ سنوات لم يصدر خلالها أيّ قرار اتهاميّ يحدّد المسؤوليّات عن واحدة من أكبر الجرائم في تاريخ لبنان.
وفي تطوّر قضائيّ جديد، أعلن وزير العدل عادل نصّار أنّ النيابة العامّة التمييزيّة تعمل على إنجاز مطالعتها في ملفّ التحقيقات، وأنّه يُفترض الانتهاء منها قبل نهاية العام، تمهيدًا لصدور القرار الاتهاميّ وإحالة الملفّ إلى المحاكمة أمام المجلس العدليّ.
لكنّ الوعد الجديد، على أهمّيّته، لا يبدّد ثقل السنوات الستّ من التعطيل والمماطلة والإفلات من المحاسبة. فأهالي الضحايا لا يطالبون بموقف تضامنيّ آخر، بل بحقيقة قضائيّة كاملة، ومتهمين، ومحاكمة علنيّة، وأحكام تعيد إلى الدولة بعض معناها.
في الرابع من آب 2026، يبدو لبنان عالقًا بين خرابين: خراب لم تُنجز عدالته في بيروت، وخراب يتّسع يوميًّا في الجنوب. وبينهما، تفاوض خارجيّ يتقدّم ببطء، واحتلال يترسّخ بسرعة، وانقسام داخليّ لم يغادر مربّعه الأوّل.
إنّه مأزق لبنان المقيم: دولة تحاول استعادة حدودها في روما، فيما تُنتهك سيادتها على الأرض، وتحاول استعادة قرارها في الداخل، فيما يبقى قرار الحرب موضع نزاع، وتحاول استعادة ثقة مواطنيها، فيما لا تزال عدالة الرابع من آب مؤجّلة.




