المجتمعات المنقسمة في لبنان... المتعصبون يرممون بعضهم بعضًا

فؤاد الديرانيالثلاثاء 2026/08/04
GettyImages-1234459321.jpg
يبدو المشهد وكأن المجتمع كله قد انقسم إلى معسكرين
حجم الخط
مشاركة عبر

قد يقف رجلٌ يتقن المزج بعباراتٍ منمّقة بين لغته العربية ولغة أجنبية أو أكثر، مرتديًا بزته الإيطالية، وربطة عنقه الحريرية، وقميصه الأبيض المنتشي بعطرٍ باريسي فاخر، أمام المرآة، فيخال نفسه النقيض الكامل لرجلٍ ملتحٍ يحرص على مراعاة الأحكام الشرعية في ملبسه وهيئته، ويتزين بخاتمٍ من فضة، وتنساب على لسانه مفرداتٌ مستقاة من كتب التراث الديني التي يتوسلها في تشكيل هويته وآرائه السياسية. وقد يستسهل كل واحد منهما اختزال الآخر في صورة نمطية؛ فيراه جاهلًا أو رجعيًا أو منسلخًا عن مجتمعه أو تابعًا للخارج، تبعًا للموقع الذي يقف فيه. لكن المرآة، لو استطاعت أن تنفذ إلى ما وراء المظهر، لأظهرت لهما احتمالًا آخر: أن يكونا، رغم كل تلك الاختلافات، شديدي الشبه في البنية الذهنية التي ينطلقان منها. فالمفارقة ليست في تشابه المواقف، بل في تشابه الآليات التي تُنتجها. والتطرف لا يرتدي زيًا واحدًا؛ فقد يأتي بربطة عنق، أو بلحية، وقد تفوح منه رائحة عطرٍ فرنسي فاخر، أو رائحة خلطاتٍ طبيعية. أما التعصب، الذي يغذي مختلف صور التطرف، فلا يتحدد بقواعد السلوك، ولا باللغة، ولا بالمظهر، بل يقبع في مكان آخر؛ في أعماق المعتقدات، وفي الأحكام المسبقة، وفي الادعاء الصامت أو المعلن بأن الحقيقة قد استقرت نهائيًا في حوزتنا، وأن المختلف معنا لا يخطئ في التقدير فحسب، بل يفتقر إلى الوعي، أو إلى الوطنية، أو إلى الأخلاق.

 

التعصب... أسرع العابرين 

اعتدنا في لبنان أن نقرأ المجتمع من خلال انقساماته السياسية والطائفية والأيديولوجية: سياديون ومقاومون، علمانيون ومتدينون، ليبراليون واشتراكيون،  يمين ويسار، من ينتظمون حول مشاريع سياسية واجتماعية، ومن ينتظمون حول الهويات الأولية والعصبيات التقليدية. وجميعها انقسامات حقيقية، لكنها لا تفسر وحدها ما يجري. فثمة انقسام آخر، أقل ظهورًا، لكنه أشدّ أثرًا. يفصل بين من يملكون قناعات يدافعون عنها، ومن تمتلكهم قناعاتهم فلا يعودون قادرين على النظر إليها من الخارج؛ بين من يستطيع أن يقول: "قد أكون مخطئًا"، ومن يعتبر مجرد احتمال الخطأ تهديدًا لهويته. عند هذه النقطة، يبدأ التعصب في إنتاج لغته الخاصة، ولا يعود مجرد موقف من قضية، بل يصبح طريقةً في التفكير.

وعلى خلاف الصعوبة التي يواجهها أي مشروع سياسي عابر للطوائف والمناطق، يعبر التعصب هذه الحدود بسهولة لافتة، فيجمع بين أصحاب المشاريع المتناقضة ويوحدهم في طريقة التفكير، رغم الافتراق الجوهري بينهم في تحديد الهوية السياسية والحلفاء والخصوم ووسائل تحقيق الأهداف. فلا يعود النقاش بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عن هوية المتكلم. قبل أن تُوزن الحجة، يُسأل: من أي فريق هو؟ ومن أي طائفة؟ ومن أي حزب؟ وبعدها تصبح بقية المهمة سهلة: عميل، مأجور، ذباب إلكتروني، غنم، قطعان، جماعة السفارات، جماعة المحاور وغيرها. هكذا تتحول الكلمات إلى بديل عن التفكير، ويصبح التصنيف أسرع من الفهم، والحكم أسرع من السؤال. ولا يقف الأمر عند تقييم الحجج، بل يمتد إلى الاعتراف بالوقائع نفسها. فالمتعصب لا يبدأ عادةً من السؤال: ماذا حدث؟ بل من السؤال: ماذا ينبغي أن يكون صحيحًا حتى تبقى هويتي وقناعتي بمنأى عن الاهتزاز؟ لذلك قد يغدو الاعتراف بحقيقةٍ ماثلةٍ للعيان عسيرًا متى هددت الصورة التي كوّنها عن نفسه أو عن جماعته.وتتراجع المرونة، وتضعف القدرة على إنتاج التسويات، ويعلو خطاب "نحن" في مواجهة "هم". عندها يغدو التحريض الطائفي والكراهية جزءًا من اللغة اليومية، قبل أن يصبحا جزءًا من الواقع. ويصبح الناس أكثر قابلية للانخراط في أخطر أشكال الإقصاء والعنف تجاه الآخرين. ويصبح الانتقال من الخصومة السياسية إلى استباحة الآخر أكثر سهولة.ويتحول الخطاب إلى معادلة بسيطة: إما نحن وإما هم. وبهذا المعنى تصبح مفهومة حقيقة أن الحروب تبدأ في عقول الناس وأفئدتهم قبل أن تنتقل رحاها إلى الشارع.

 

شركاء في الانقسام

ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن المتعصبين يظنون أنهم يقفون على طرفي نقيض، بينما هم، في كثير من الأحيان، يتصرفون بالطريقة نفسها. يحتجون على التعميم عندما يطال جماعتهم، ثم يعممون بلا تردد على الآخرين. يطالبون بحرية التعبير لأنفسهم، ثم يبحثون عن ألف مبرر لإسكات خصومهم. يستنكرون عبادة الأشخاص عند غيرهم، ثم يغضبون من أي نقد يوجَّه إلى زعيمهم. يرون في أخطاء جماعتهم استثناءً فرضته الظروف، بينما يرون في الخطأ نفسه، إذا صدر عن خصومهم، دليلًا على فسادهم البنيوي. وقد تختلف الرايات التي يلتفون حولها، لكن كثيرًا من المتعصبين، مهما اختلفت انتماءاتهم، يفكرون بالأدوات نفسها. وبذلك فإن المتعصبين، وهم يظنون أنهم يهدمون خصومهم، لا يفعلون، في كثير من الأحيان، إلا ترميمهم. فكل متعصب يمنح المتعصب المقابل الثلاثية التي يحتاجها ليستمر: الخوف واليقين والعدو. وكل خطاب إقصائي ينتج خطابًا إقصائيًا مضادًا. وكل مبالغة تصبح ذريعة لمبالغة مقابلة. وكل تخوين يمنح الطرف الآخر مادة جديدة لتخويف جمهوره، وشحنه، وإقناعه بأن لا مكان إلا لمزيد من التشدد.

وهكذا، يصبح الخصمان شريكين، من حيث لا يشعران، في إعادة إنتاج بعضهما بعضًا. ويدفع المجتمع كله ثمن هذه الشراكة غير المعلنة. والمفارقة أن أكثر القوى السياسية إعلانًا لرفض خصومها تبدو، في لحظات الاستقطاب الحاد، الأكثر حاجة إليهم. فالمتعصب لا يكتمل إلا بمتعصب يقابله، لأن وجوده يمنحه البرهان اليومي على صحة يقينه. ولهذا تستمر الخصومات حتى حين تتغير الوقائع، لأن ما يحركها لم يعد الوقائع نفسها، بل الحاجة إلى خصم يحافظ على تماسك الهوية.

 

تقلص المساحات المشتركة 

وبين هذين المعسكرين، تتقلص المساحات المشتركة، وتتراجع الأطر الجامعة التي يفترض بها أن تخاطب الناس على أساس مصالحهم، وتتوسع المحاصصة لتبلع كل شيء.  ويضيق الهامش الذي يقف فيه أولئك الذين لا يزعمون امتلاك الحقيقة كاملة، ولا يعتقدون أن خصومهم يملكونها كاملة أيضًا، ويحتفظون بمسافة نقدية من أفكارهم، ويعتبرون المراجعة فضيلة لا هزيمة، والتسوية أداة لبناء الأوطان لا مرادفًا للاستسلام. ويحتكر المتعصبون واجهة المشهد في مختلف المعسكرات. فالمجتمعات المأزومة لا يحكمها دائمًا أكثر الناس عددًا، بل أكثرهم ضجيجًا.

وحين يحتكر المتعصبون الضجيج، يبدو المشهد وكأن المجتمع كله قد انقسم إلى معسكرين، فيما تتوارى بصمت تلك المساحة الواسعة التي يمكن أن يولد فيها الحوار.

وفي خضم هذا الانقسام، يبرز – وربما عن حسن نية – جنوح بعضهم إلى نبذ السياسة أو إلى إطلاق الدعوات والتمنيات بأن يتوحد الجميع خلف قناعة وطنية واحدة، وكأن المطلوب أن نتخلى عن قناعاتنا، أو أن نساوم على المبادئ التي نؤمن بها. والحال أن الأوطان لا تُبنى بغياب القناعات، بل بإدارة الاختلاف بينها. ولا تقوم المجتمعات الديمقراطية على التطابق، بل على الاعتراف بشرعية التعدد، وعلى إبقاء القناعات في حيّز السياسة، لا في حيّز الهوية. فإذا تحولت القناعة إلى هوية، غدا التراجع هزيمة، والتسوية خيانة، والنقد انشقاقًا، وأصبح الانتصار على الخصم أهم من معالجة المشكلة التي نشأ الخلاف حولها أصلًا.

ومن هنا، قد لا يكون الانقسام الأخطر في لبنان هو ذاك الذي يفصل بين الأحزاب والطوائف، بل ذاك الذي يفصل بين من يستطيع مراجعة قناعاته، ومن يعتبرها جزءًا من هويته الشخصية. ففي الحالة الأولى يبقى الخلاف سياسيًا، أما في الثانية فيتحول إلى صراع وجودي، وتصبح كل تسوية خسارة، وكل تنازل إذلالًا، وكل اختلاف تهديدًا. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: من يملك الحقيقة؟ بل: من بقي مستعدًا للإصغاء إليها إذا جاءت من خصمه؟

فالمجتمعات لا تتشظى لأن الناس مختلفون، بل لأنها تعجز عن تحويل اختلافهم إلى مساحة مشتركة. وربما لا يكون أخطر ما يواجه لبنان اختلاف أبنائه، بل تشابههم حين يتحول الاختلاف إلى تعصب. وعندئذٍ  يغدو الخصوم أكثر شبهًا مما يظنون، ويستمر الانقسام في إعادة إنتاج نفسه، مهما تبدلت شعاراته وأعلامه. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث