كلّ الأنظار مسلّطة إلى روما، حيث تنطلق غداً الثلثاء الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية، الإسرائيلية، والثانية التي تستضيفها العاصمة الإيطالية، خصوصًا أنّها تأتي بعد الاختبار الصعب لـ"المرحلة التجريبية الأولى"، ووسط استمرار التفجيرات الهائلة والغارات الإسرائيلية، وتكثيف عمليات التدمير الممنهج للقرى، ما يطرح علامات استفهام حول جدوى المسارات التفاوضية في المطلق.
الوفد اللبناني المفاوض، برئاسة السفير سيمون كرم، وصل إلى روما مراهنًا على استثمار الزخم السياسي الناجم عن اللقاء الأخير بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، للسعي إلى ترجمته في شكل ضغط أميركي فعلي يدفع إسرائيل إلى التعاطي الإيجابي مع تنفيذ اتفاق الإطار، والتخلّي عن نهج المماطلة.
وفي مقاربته الميدانية، يُصرّ لبنان على الانتقال إلى التنفيذ الجدّي للمرحلة الثانية من اتفاق الإطار، عبر طرح توسيع "المناطق التجريبية" لتصل إلى مناطق خاضعة فعلًا للاحتلال الإسرائيلي المباشر. وتتحدّد الاستراتيجية التفاوضية للوفد اللبناني في هذا الشأن بطرح أساسي يتمثّل بطلب إدراج بنت جبيل ضمن مشروع المناطق التجريبية، لتأمين انتشار الجيش وحماية المدنيين. وإذا لم تتمّ الاستجابة لهذا الطرح، سيكون للبنان خيار بديل يقضي بضمّ بلدة الخيام.
ويهدف هذا الطرح التفاوضي إلى الانتقال بالمناطق النموذجية من بلدات لم تكن محتلة أساسًا، كزوطر الغربية، إلى بلدات محتلة فعليًا وعالية الرمزية، لاختبار مدى التزام إسرائيل بانسحاب مرحلي يتيح عودة السكان والبدء بورش الإعمار.
لكنّ التفاؤل اللبناني اصطدم، على ما يبدو، بالسقف السياسي الذي رسمه السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، قبل ساعات من انطلاق المفاوضات، إذ شكّلت تصريحاته مؤشّرًا إلى حجم الهوّة بين ما تتطلّع إليه بيروت وما تسعى إليه تل أبيب. فقد ربط أيّ انتقال إلى المرحلة الثانية بضرورة إنجاز "قدر كبير من العمل التقني" وضبط آليات التنفيذ، محذّرًا من أنّ "التسرّع قد يعرّض المدنيين للخطر". وهذا الموقف يعني عمليًا أنّ واشنطن تعتبر أنّ المرحلة التجريبية الأولى لا تزال قيد الاختبار، وهي بذلك تمنح تل أبيب حججًا تقنية وأمنية لإرجاء الانسحابات المقرّرة.
وكان لبنان قد استجاب لطلب واشنطن توسيع وفده التفاوضي، ليتحوّل إلى وفد سياسي وعسكري واقتصادي وقانوني موسّع، يضمّ، إلى جانب السفير سيمون كرم والسفيرة ندى حمادة معوض، وفدًا عسكريًا كاملًا من ستّة ضباط، وخبراء في ملفات الحدود والقوانين والاقتصاد، بينهم المحامي أنطوان صفير، والخبير نجيب مسيحي، ومستشارة رئيس الجمهورية روعة حاراتي، لمواكبة ملفات الإعمار.
ويحمل الوفد اللبناني ملفًا شاملًا يوثّق الانتهاكات الإسرائيلية الميدانية المتواصلة وتفجير القرى. غير أنّ هذه الجهود ستصطدم بالشرط التعجيزي المسبق الذي أعاد إطلاقه مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي دميتري غيندلمان، إذ أكّد أنّ أيّ تقدّم في تنفيذ اتفاق الإطار مرهون باتخاذ "خطوات حقيقية لنزع سلاح حزب الله"، معلنًا استمرار مهمّات الجيش الإسرائيلي العسكرية ما دام الخطر قائمًا.
ووفق هذه المعطيات، تتّجه جولة "روما 2" إلى التأزّم مبكرًا تحت ضغط "التفهّم" الأميركي للمتطلّبات الإسرائيلية. وعشية الجولة كان لافتاً التحقيق الذي بثته القناة 12 الإسرائيلية، وفيه جردجة عن نسب التدمير الذي تعرضت له قرى الجنوب اللبناني، وجاء فيه أن 19 بلدة تعرضت لتدمير شبه كلي.
وبينما يحاول لبنان استخدام ورقته التفاوضية لتثبيت الانسحاب في بنت جبيل أو الخيام ووقف تدمير الجنوب، تستغلّ إسرائيل الغطاء الدبلوماسي الأميركي وشرط نزع السلاح لرهن أيّ انسحاب باستحقاقات أمنية وسياسية شبه تعجيزية. ولذلك، تجد بيروت نفسها مجدّدًا في مواجهة جولة تفاوضية ستفرغها تل أبيب من مضمونها، لتبقى يدها طليقة في تصحير قرى الجنوب وتوسيع رقعة السيطرة عند أول فرصة.
بنت جبيل تنقل الاتفاق من الافتراض إلى الاختبار
لا تنحصر أهمية الطرح اللبناني باختيار بنت جبيل أو الخيام، بل بما يمثّله الانتقال إلى بلدة خاضعة للاحتلال من تغيير في طبيعة الاختبار. ففي زوطر الغربية، لم يكن الانسحاب الإسرائيلي مطروحًا بوصفه استحقاقًا ميدانيًا حقيقيًا، ما جعل المرحلة الأولى أقرب إلى اختبار للترتيبات التقنية وانتشار الجيش، لا لمدى استعداد إسرائيل للتراجع من مناطق تسيطر عليها.
أمّا إدراج بنت جبيل، أو الخيام في حال رفضها، فيضع اتفاق الإطار أمام جوهره الفعلي. فنجاح المرحلة الثانية لن يُقاس هذه المرّة بإنجاز ترتيبات على الورق، بل بانسحاب إسرائيلي ملموس، وانتشار الجيش، وعودة المدنيين، وفتح الطريق أمام الإعمار. ومن هنا، يصبح الردّ الإسرائيلي على الاقتراح مقياسًا لجدّية المسار برمّته، لا مجرّد خلاف على اختيار منطقة تجريبية جديدة.
ويحاول الوفد اللبناني، من خلال هذه المقاربة، تثبيت تلازم بين الأمن والسيادة وعودة السكان. فبيروت لا تريد أن تتحوّل التجربة إلى إدارة أمنية للقرى اللبنانية من دون انسحاب الاحتلال، ولا إلى صيغة تجعل انتشار الجيش مقابلًا لحقّ إسرائيل في مواصلة الغارات والتوغلات متى قرّرت وجود خطر.
واشنطن تدير الوقت وتمنح إسرائيل هوامش إضافية
في المقابل، تكشف تصريحات ميشال عيسى أنّ الأولوية الأميركية لا تزال منصبّة على إدارة المخاطر التقنية، لا على فرض جدول زمني للانسحاب. فحديثه عن ضرورة التوصّل إلى آلية "واضحة وعملية" قبل المرحلة التالية يضع المسؤولية على الطرفين بالتساوي، في وقت يقدّم فيه لبنان ملفًا يوثّق استمرار العمليات الإسرائيلية.
والمفارقة أنّ التحذير من تعريض المدنيين للخطر يتزامن مع غارات وتفجيرات وقنابل فوسفورية حارقة هزّت بلدات الجنوب. وهذا التزامن يضاعف الشكوك اللبنانية في إمكان الفصل بين المسار التفاوضي والضغط العسكري، ويعزّز الانطباع بأنّ إسرائيل تستخدم النار لرفع سقف شروطها عشية كلّ جولة.
وبدل أن يشكّل التصعيد سببًا لتسريع الانسحاب، يجري توظيف المخاوف الأمنية لتأجيله. وهكذا، يتحوّل عامل الوقت إلى ورقة إسرائيلية، فيما يدفع المدنيون ثمن الانتظار، وتزداد كلفة إعادة الإعمار كلّما توسّعت عمليات التدمير.
نزع السلاح شرط يسبق الانسحاب
يزيد موقف غيندلمان المشهد تعقيدًا، إذ ينقل التفاوض من البحث في تنفيذ اتفاق الإطار إلى اشتراط إنجاز ملف نزع سلاح حزب الله قبل أيّ تقدّم. وبهذا الربط، لا يعود الانسحاب الإسرائيلي خطوةً مقابلة لترتيبات أمنية متدرّجة، بل نتيجة مؤجّلة إلى ما بعد تحقّق إسرائيل من تنفيذ شروطها.
ويتيح هذا المنطق لتل أبيب الاحتفاظ بحرّية تحديد مستوى الخطر، وتقدير كفاية الإجراءات اللبنانية، وتوقيت الانسحاب. كما يمنحها القدرة على الجمع بين التفاوض واستمرار العمليات العسكرية، من دون مهلة زمنية ملزمة أو معيار واضح لإعلان اكتمال المرحلة الأمنية.
في المقابل، يحاول لبنان الاستفادة من توسيع الوفد لإظهار جهوزيته لمناقشة الجوانب العسكرية والقانونية والاقتصادية، وربط الانسحاب بخطة متكاملة تشمل انتشار الجيش وعودة السكان والإعمار. لكنّ تنوّع الاختصاصات داخل الوفد لن يكون كافيًا إذا بقي القرار السياسي الأميركي منحازًا إلى إدارة المطالب الإسرائيلية بدل تحويل الضمانات إلى التزامات متبادلة.
دولة تختبر سيادتها وعدالتها في آنٍ واحد
تنعقد جولة روما بالتزامن مع الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، في مشهد يضع الدولة أمام اختبارين متوازيين، استعادة السيادة في الجنوب، واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسّسات العدالة. وفي المناسبة، اعتبر عون أنّ صدور القرار الظنّي بات "ضرورة لا تحتمل مزيدًا من الانتظار"، داعيًا القضاء إلى إثبات استقلاليته وإنصاف الضحايا. أمّا رئيس الحكومة نواف سلام، فشدّد على أنّه "لا تسوية على حساب العدالة"، وأن لا غطاء لأيّ مسؤول مهما كان موقعه.
وبين العدالة المؤجّلة في بيروت والسيادة المعلّقة في الجنوب، تواجه السلطة سؤالًا واحدًا عن قدرتها على تحويل المواقف إلى نتائج. ففي المرفأ، تُقاس صدقيتها بالقرار الظنّي والمحاسبة، وفي روما، تُقاس بانتزاع انسحاب فعلي يوقف تدمير القرى ويعيد الأهالي.
لذلك، لن يكون نجاح الجولة مرتبطًا بعدد الاجتماعات أو اتساع الوفد، بل بما إذا كانت ستنتج خطوة قابلة للقياس على الأرض. أمّا إذا بقي الانتقال إلى المرحلة الثانية رهينة الشروط الإسرائيلية المفتوحة والمهل التقنية الأميركية، فستتحوّل "روما 2" إلى محطة إضافية لإدارة الأزمة، فيما تواصل إسرائيل فرض وقائعها بالنار.




