إلى القَضَاء دُرْ...!

زياد الصائغالاثنين 2026/08/03
RICH4817.jpg
إستقلالُ القضاءِ لا يُقاسُ بالنصوصِ وحدَها (ريشار سمور)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تُقاسُ الدُّوَلُ اليومَ بعددِ القوانين التي تُصدرُها، ولا بعددِ المؤسّسات التي تُنشئُها، بل بقدرتِها على جعلِ القانونِ سيّدًا فوق الجميع، وجعلِ القضاءِ المرجعيّةَ الأخيرةَ التي يطمئنُّ إليها المواطنُ قبلَ السّلطة، ويحتكمُ إليها المسؤولُ قبلَ النّفوذ، وتخشاها منظوماتُ الفسادِ قبلَ خصومِها. من هنا، فإنّ لبنانَ يقفُ اليومَ أمامَ استحقاقٍ يتجاوزُ مجرّدَ إصلاحِ القضاء، إلى إعادةِ تأسيسِ فلسفةِ العدالةِ بوصفِها ركيزةً من ركائزِ إعادةِ بناءِ الدّولة.

 

لقد انشغلَ اللبنانيّون، خلالَ العقودِ الماضية، بحقٍّ، في معركةِ استعادةِ السّيادة الوطنيّة وحصريّةِ السّلاح وقرارِ السّلم والحرب بيدِ الدّولة اللُّبنانيّة. هي معركةٌ وجوديّةٌ لا تستقيمُ الدّولةُ من دونِها. غيرَ أنّ اكتمالَها لا يتحقّقُ إلّا بإضافةِ بُعدٍ لا يقلُّ أهمّيّةً عنها، هو سيادةُ القانون. الدّولةُ التي تحتكرُ القوّةَ المشروعةَ من دونِ أن تحتكرَ تطبيقَ العدالة، تبقى دولةً ناقصةً. كما أنّ القضاءَ المستقلَّ من دونِ دولةٍ قادرةٍ على تنفيذِ أحكامِه يبقى قضاءً محدودَ الفاعليّة. لذلك، فإنّ العلاقةَ بينَ القضاءِ والمؤسّسةِ العسكريّة والأمنيّة ليست علاقةَ توازٍ فحسب، بل علاقةُ تكاملٍ وجوديٍّ في صناعةِ الدّولة.

إنّ استعادةَ السّيادة لا تعني فقط أن يصبحَ السّلاحُ الشرعيُّ حكرًا على المؤسّساتِ العسكريّة والأمنيّة، بل تعني أيضًا أن تصبحَ العدالةُ حكرًا على القضاء، لا يُستبدَلُ القاضي بالزعيم، ولا المحكمةُ بالوسيط، ولا الدستورُ بموازينِ القوى. فكما أنّ احتكارَ القوّةِ يمنعُ تعدّدَ الجيوش، فإنّ احتكارَ العدالةِ يمنعُ تعدّدَ المرجعيّات، ويؤسّسُ لمواطنةٍ متساويةٍ أمامَ القانون.

 

من هنا، يصبحُ الحديثُ عن القضاءِ حديثًا عن الأمنِ القوميّ بالمعنى الشامل، لا عن قطاعٍ إداريٍّ أو مهنيٍّ منفصل. الأمنُ لا يبدأُ عندَ الحدودِ فقط، بل يبدأُ داخلَ المحكمة. والاستقرارُ لا تصنعُهُ الدبّاباتُ وحدَها، بل تصنعُهُ أيضًا الأحكامُ العادلةُ التي يشعرُ المواطنُ/ة بأنّها تُطبَّقُ على الجميعِ من دونِ تمييز. لذلك، فإنّ المؤسّساتِ العسكريّة والأمنيّة والقضائيّة تُشكّلُ معًا مثلّثَ الدّولةِ الحديثة، فإذا اختلَّ ضلعٌ منها، اختلَّ البناءُ بأكملِه.

غيرَ أنّ أيَّ مقاربةٍ مسؤولةٍ لإصلاحِ القضاءِ ينبغي أن تبدأَ بالاعترافِ الصريحِ بوجودِ معطوبيّةٍ بنيويّةٍ لا تزالُ تُقيّدُ قدرتَه على أداءِ رسالتِه الدستوريّة. هذا الاعترافُ ليسَ انتقاصًا من القضاءِ أو من القضاة، بل هو شرطٌ أوّلُ لأيِّ إصلاحٍ جدّي. الإنكارُ لا يُصلحُ المؤسّسات، فيما تشخيصُ الخللِ هو المدخلُ الطبيعيُّ للعلاج.

 

لقد راكمتِ الحياةُ السّياسيّةُ اللُّبنانيّة، عبرَ عقودٍ طويلة، ممارساتٍ أضعفتِ القضاءَ من خلالِ التدخّلاتِ السّياسيّة، والتعييناتِ غيرِ المبنيّةِ دائمًا على معاييرِ الكفاءة، والضغوطِ الماليّة، وغيابِ الاستقلالِ الإداريّ الكامل، إضافةً إلى بطءِ التقاضي، وضعفِ الرقمنة، وتفاوتِ الإمكاناتِ اللوجستيّة، وعدمِ تحديثِ البنيةِ التشريعيّة بما يواكبُ التحوّلاتِ الرّاهنة. أصبحَ القضاءُ يعملُ في كثيرٍ من الأحيانِ ضمنَ منظومةٍ تعاني هي نفسُها من اختلالاتِ الدّولة.

هنا، لا بدَّ من التمييزِ بينَ القاضي/ة والمؤسّسة. فكثيرٌ من القضاةِ أثبتوا خلالَ السنواتِ الماضية شجاعةً مهنيّةً وأخلاقيّةً عاليةً، غيرَ أنّ المؤسّسةَ التي يعملونَ ضمنَها لم تُوفّرْ لهم دائمًا البيئةَ الحاضنةَ التي تضمنُ استقلالَهم الكامل. من الظُّلمِ أن تُحمَّلَ المسؤوليّةُ للأفرادِ وحدَهم، فيما يكمنُ جزءٌ كبيرٌ من الأزمةِ في البنيةِ المؤسّساتيّةِ نفسها.إنّ إصلاحَ القضاءِ لا يمكنُ أن يبقى شعارًا انتخابيًّا أو مادّةً في بياناتٍ وزاريّة، بل ينبغي أن يتحوّلَ إلى سياسةٍ عامّةٍ متكاملةٍ ذاتِ أهدافٍ ومؤشّراتِ أداءٍ وجداولَ زمنيّةٍ واضحة. إستقلالُ القضاءِ لا يُقاسُ بالنصوصِ وحدَها، بل بمدى قدرةِ القاضي على إصدارِ حكمِه من دونِ خوفٍ أو انتظارٍ أو تدخّل، وبقدرةِ المؤسّسةِ القضائيّةِ على إدارةِ شؤونِها الإداريّة والماليّة والمهنيّة بكفاءةٍ وشفافيّة. 

 

في هذا السّياق، تبرزُ الحاجةُ إلى مقاربةٍ إصلاحيّةٍ شاملةٍ تقومُ على خمسةِ مرتكزاتٍ مترابطة.

أوّلُها، ترسيخُ الاستقلالِ المؤسّساتيّ للقضاء، بحيثُ تصبحُ إدارةُ الجسمِ القضائيّ نابعةً من المؤسّساتِ القضائيّةِ نفسها، ضمنَ الأطرِ الدستوريّة، بعيدًا عن أيِّ وصايةٍ سياسيّةٍ أو إداريّة. وثانيها، تحديثُ الإدارةِ القضائيّة عبرَ الرقمنةِ الشاملة، بما يختصرُ زمنَ التقاضي، ويُعزّزُ الشفافيّة، ويُقلّصُ مساحاتِ الفسادِ الإداريّ، ويُعيدُ ثقةَ المواطنينَ/ات بإجراءاتِ العدالة. وثالثُها، الاستثمارُ في العنصرِ البشريّ من خلالِ تطويرِ التكوينِ القضائيّ المستمرّ، وتعزيزِ التخصّصاتِ القضائيّةِ الحديثة، ورفعِ القدراتِ المهنيّةِ بما يواكبُ الجرائمَ الماليّةَ والرقميّةَ والعابرةَ للحدود. ورابعُها، تطويرُ منظومةِ التفتيشِ القضائيّ والمساءلةِ المهنيّةِ بما يحفظُ استقلالَ القضاءِ من جهة، ويضمنُ مساءلةً عادلةً وفعّالةً من جهةٍ أخرى، لأنّ الاستقلالَ لا ينفصلُ عن المسؤوليّة. أمّا خامسُها، فهو تكاملُ العملِ بينَ القضاءِ والقوى العسكريّةِ والأمنيّة ضمنَ احترامِ الفصلِ بينَ الصلاحيّات، بما يُعزّزُ تنفيذَ القانون، ويحمي التحقيقات، ويضمنُ تنفيذَ الأحكام، ويُرسّخُ هيبةَ الدّولة.

إنّ العلاقةَ بينَ القضاءِ والمؤسّساتِ العسكريّة والأمنيّة يجبُ أن تُبنى على مفهومِ الشراكةِ المؤسّساتيّة لا التبعيّة. المؤسّسةُ العسكريّة تحمي الدّولةَ من الاعتداءات، والقوى الأمنيّة تحمي النّظامَ العامّ، أمّا القضاءُ فيحمي شرعيّةَ استخدامِ تلكَ القوّة. كلُّ إخلالٍ بهذا التوازنِ يُحوّلُ القوّةَ إلى استنسابيّة، أو يُحوّلُ العدالةَ إلى مجرّدِ إعلانِ نوايا.

 

من هنا، فإنّ بناءَ دولةِ القانونِ يقتضي التزامُنَ مسارينِ متكاملين. الأوّلُ استكمالُ بسطِ سيادةِ الدّولةِ على كاملِ أراضيها، وحصريّةِ السّلاح وقرارِ السّلم والحرب بيدِ المؤسّساتِ الدستوريّة، والثاني استكمالُ بسطِ سيادةِ القانونِ على الجميعِ من دونِ استثناء. لا قيمةَ لسلاحٍ شرعيٍّ إذا لم يكنْ خاضعًا لرقابةِ القانون، ولا قيمةَ لقضاءٍ مستقلٍّ إذا عجزتِ الدّولةُ عن تنفيذِ أحكامِه. إنّ لبنانَ يحتاجُ اليومَ إلى الانتقالِ من منطقِ إدارةِ الأزماتِ إلى منطقِ بناءِ المؤسّسات. القضاءُ هو المؤسّسةُ التي تختبرُ فيها الدّولةُ صدقيّتَها يوميًّا أمامَ مواطناتِها ومواطنيها. كلُّ حكمٍ عادلٍ هو استفتاءٌ جديدٌ على شرعيّةِ الدّولة، وكلُّ تأخيرٍ غيرِ مبرّرٍ في إحقاقِ الحقّ هو خسارةٌ جديدةٌ في رصيدِ الثقةِ الوطنيّة. كما أنّ استقلالَ القضاءِ لم يعُدْ شأنًا داخليًّا فحسب، بل أصبحَ أحدَ معاييرِ قياسِ قدرةِ الدُّوَلِ على اجتذابِ الاستثمار، وحمايةِ الاقتصاد، وضمانِ الحقوق، واستعادةِ الثقةِ الدوليّة. لا اقتصادَ منتجًا بلا قضاءٍ موثوق، ولا إدارةً رشيدةً بلا مساءلة، ولا إصلاحاتٍ بنيويّةً بلا عدالةٍ فعّالة. إنّ معركةَ القضاءِ ليست معركةَ القضاةِ وحدَهم، بل هي معركةُ كلِّ مواطنٍ/ة يريدُ أن يعيشَ في دولةٍ لا في منظومةِ نفوذ، وفي جمهوريّةٍ لا في شبكةِ امتيازات، وفي عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ يُساوي بينَ المواطنات والمواطنين أمامَ القانون، لا أمامَ موازينِ القوى.

 

لقد آنَ الأوانُ لأن يُصبحَ القضاءُ أولويةً سياديّةً لا تقلُّ أهمّيّةً عن أولويّةِ استعادةِ القرارِ الوطنيّ. السّيادةُ ليست جغرافيّةً فقط، بل هي أيضًا قانونيّةٌ ودستوريّةٌ ومؤسّساتيّة. الدّولةُ التي تنجحُ في توحيدِ السّلاحِ ولا تنجحُ في توحيدِ العدالة، تبقى عاجزةً عن استكمالِ مشروعِها الوطنيّ. إذا كانَ شعارُ المرحلةِ الماضية هو استعادةُ قرارِ السّلمِ والحربِ إلى الدّولة، فإنّ شعارَ المرحلةِ المقبلة يجبُ أن يكونَ استعادةَ القرارِ القضائيّ إلى القضاء، واستعادةَ ثقةِ المواطنِ/ة بعدالتِه، واستعادةَ هيبةِ القانونِ في الحياةِ العامّة.

إلى القضاءِ دُرْإذ إنَّ القضاءُ اللُّبنانيّ، ليسَ مؤسّسةً ينبغي اليأسُ منها، بل ركيزةٌ ينبغي إنقاذُها، وتحريرُها، وتمكينُها، لتستعيدَ دورَها الطبيعيَّ حارسةً للدستور، وضامنةً للحقوق، وشريكةً للمؤسّسات العسكريّة والأمنيّة في تثبيتِ سيادةِ الدّولة، حتى يلتقيَ احتكارُ القوّةِ المشروعةِ مع سيادةِ القانون، فتكتملَ معادلةُ الدّولةِ السّيّدةِ، الحرّةِ، العادلةِ، والمستقلّة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث