بشكل واضح، تراجع التفاؤل السياسي قُبيل انطلاق مفاوضات روما، تحت وطأة الواقع الميداني الملتهب في الجنوب، حيث تصر إسرائيل على التصعيد بالنار والمتفجرات. وفيما كان مفترضاً أن تُشكل جولة التفاوض المرتقبة، يوم الثلثاء المقبل، جسراً للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق الإطار وتوسيع تجربة "المناطق النموذجية"، جاءت التطورات الأخيرة لتحسم اتجاه إسرائيل إلى نسف المسارات الأمنية والديبلوماسية. فالعمليات العسكرية الأخيرة في قرى الجنوب باتت تُترجم استراتيجية إسرائيلية واضحة تهدف إلى إحباط أي بيئة آمنة تسمح بعودة السكان. وجاءت إصابة خمسة عسكريين بجروح طفيفة في بلدة كفرا بقضاء بنت جبيل، أثناء مواكبة الجيش سيارات مدنية تقلّ أهالي البلدة، لتكشف حجم المخاطر التي تحيط بمحاولات العودة. وبعدما أعلن أن الإصابات نجمت عن استهداف إسرائيلي معاد، عاد الجيش وأوضح، إثر كشف الوحدة المختصة، أن الانفجار ناجم عن جسم مشبوه، وأن المتابعة جارية لكشف بقية التفاصيل. وفي الخضم، تتواصل التفجيرات الممنهجة والعنيفة في الجنوب، وآخرها في بلدتي الطيبة وكونين ومحيطهما، مكملة مسار تحويل القرى الحدودية إلى مناطق غير صالحة للسكن، واقتلاع البنى التحتية والأنفاق لفرض واقع أمني يقضي على أي فكرة للإعمار.
على المستوى التفاوضي، يسعى لبنان الرسمي إلى طرح خطة عملانية لتوسيع "المناطق النموذجية" على غرار تجربة زوطر الغربية، عبر نشر الجيش اللبناني لضمان استعادة الأهالي بلداتهم وممتلكاتهم. غير أن هذه الرؤية تصطدم بجدار المناورة الإسرائيلي، إذ تعلن تل أبيب رفضها تقديم أي جدول زمني واضح لانسحابات إضافية. وبهذا الأداء التفاوضي المماطل، تفرغ إسرائيل جولة روما المرتقبة من محتواها، محولةً المبادرة الدبلوماسية الأميركية إلى حلقة مفرغة، حيث سيُطلب من لبنان تقديم التزامات أمنية أحادية، في حين تستمر الآلة العسكرية الإسرائيلية في إعادة تشكيل الأرض وإخضاعها لمنطق القوة.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد الجنوبي عن المشهد الإقليمي الأوسع، والمتمثل في حال الترقب المشدودة بين الولايات المتحدة وإيران. فعلى رغم إعلان واشنطن إلغاء ضربة عسكرية كانت مخططة ضد طهران، تحت عنوان التقدم نحو تفاهمات، إلا أن بقاء القوات الإيرانية في حال تأهب قصوى يعكس عمق الأزمة وعدم يقين التهدئة. وهذا التوتر الإقليمي يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هامش حركة إضافياً لاستغلال حال حبس الأنفاس الدولية، والدفع باتجاه استكمال الخيارات العسكرية في لبنان، من دون الخشية من ضغوط أميركية كابحة، خصوصاً مع تقاطع المصالح حول تقليص نفوذ طهران وحلفائها في المنطقة.
وتكشف مجريات اليوم في الجنوب أن إسرائيل إذ تنسف الأنفاق والقرى الجنوبية، إنما تفجّر عملية عودة الأهالي، وتُجْهز على المرحلة التجريبية الأولى وما يرافقها من آمال بالتوسع. وتالياً، تكون في صدد تفجير جولة روما المقررة في 4 آب قبل أن تبدأ، واضعةً لبنان أمام خيارين: إما القبول بتكريس أمر واقع أمني واقتطاع جغرافي دائم، وإما مواجهة استحقاقات الانزلاق نحو مواجهة عسكرية أشد قسوة.
تفجيرات وحرائق على امتداد الجنوب
وتزامنت الحادثة مع تصعيد إسرائيلي واسع امتد من مرتفعات علي الطاهر إلى بلدات بنت جبيل ومرجعيون والساحل الجنوبي. ونفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في مرتفعات علي الطاهر، سُمع صداه في مختلف أنحاء الجنوب، فيما ألقت محلّقة إسرائيلية مواد متفجرة فوق المنطقة، قبل أن تتعرض المرتفعات لقصف بقذائف فوسفورية عند أطراف النبطية الفوقا.
كما استهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدة مجدل زون، في وقت أقدمت القوات الإسرائيلية على إحراق منازل في البلدة وفي مشاع المنصوري، ضمن سياسة تدمير متواصلة تطاول المنازل والمرافق المدنية والأراضي الزراعية. وألقت القوات الإسرائيلية أيضاً قنبلة صوتية باتجاه المنصوري، في استمرار للضغط على المناطق التي لا يزال قسم من سكانها يحاول العودة إليها أو تفقد ممتلكاته فيها.
وفي القطاع الأوسط، نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات كبيرة في بلدة كونين، سُمع صداها في مناطق جنوبية عدة، إلى جانب تفجير عنيف في بلدة الطيبة في قضاء مرجعيون. كما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في محيط كفرتبنيت على دفعتين، فيما سُمعت بعد منتصف الليل أصوات تفجيرات في محيط بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل. وسبق ذلك إطلاق ثلاث قذائف من دبابة "ميركافا"، إلى جانب تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه حداثا، في مشهد يؤكد أن النشاط الإسرائيلي لا يقتصر على عمليات تفجير محددة، بل يشمل القصف والتمشيط وإحراق المنازل وإلقاء القنابل والمواد المتفجرة، بما يحول دون استعادة أي حياة طبيعية في المنطقة.
وفي موازاة التصعيد البري، حلق الطيران المسيّر الإسرائيلي فوق بيروت والضاحية الجنوبية، موسعاً دائرة الضغط الأمني خارج المنطقة الحدودية، في وقت تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه التحركات مرتبطة برسائل تسبق جولة روما أو بتمهيد لعمليات عسكرية إضافية.
إسرائيل تعلن سحب اللواء 401
وفي مقابل كثافة العمليات الميدانية، أعلنت إسرائيل انتهاء مهمة فريق القتال التابع للواء 401 في جنوب لبنان، بعد ثمانية أشهر من النشاط بقيادة الفرقة 91. وقالت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية إيلا واوية إن مهمة اللواء شملت أنشطة دفاعية على طول الحدود وعمليات هجومية داخل ما سمّته "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان. وزعمت واوية أن قوات اللواء دمرت خلال فترة انتشارها أكثر من 1200 بنية تحتية تابعة لحزب الله، بينها مسارات تحت الأرض يبلغ طولها التراكمي مئات الأمتار، بالتعاون مع وحدة "يهلوم". وأضافت أن القوات عثرت على أكثر من 600 قطعة من الوسائل القتالية، وقتلت أكثر من 60 عنصراً من حزب الله، وفق الرواية الإسرائيلية.
ولا يعني سحب اللواء بالضرورة تراجعاً في وتيرة العمليات أو تغييراً في طبيعة الانتشار الإسرائيلي، بقدر ما قد يندرج في إطار تبديل الوحدات وإعادة توزيعها. فالإعلان عن انتهاء مهمة اللواء تزامن مع تفجيرات وقصف وعمليات إحراق واسعة، ما يوحي بأن إسرائيل تحاول تقديم صورة عن إنجاز مرحلة عسكرية، في مقابل الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على تثبيت النتائج التي حققتها على الأرض.
وتكتسب الإشارة الإسرائيلية إلى تدمير مئات الأمتار من الأنفاق أهمية خاصة، لأنها تتقاطع مع التفجيرات الضخمة التي شهدتها قرى الجنوب خلال الأيام الأخيرة. ويعزز ذلك الاعتقاد بأن إسرائيل لا تنفذ عمليات موضعية رداً على أحداث محددة، بل تستكمل خطة منهجية لتغيير الجغرافيا الأمنية وتدمير كل ما تعتبره بنية عسكرية أو غطاءً مدنياً محيطاً بها، من دون انتظار ما ستنتهي إليه المفاوضات السياسية.
زوطر الغربية بين المسح والعودة
وفي مقابل مشهد التدمير، أنهى مجلس الجنوب المرحلة الأولى من عملية مسح الأضرار في بلدة زوطر الغربية، تمهيداً لإطلاق عملية تسليم المنازل الجاهزة إلى الأهالي. وتندرج الخطوة في إطار التحضير لعودة تدريجية للسكان، بعد انتشار الجيش اللبناني في البلدة وإطلاق التجربة الأولى للمناطق النموذجية.
إلا أن بدء تسليم المنازل، على أهميته بالنسبة إلى الأهالي، يبقى محاطاً بعقبات أمنية وميدانية كبيرة. فنجاح تجربة زوطر لا يتوقف على إنجاز عمليات المسح والترميم، بل يرتبط بوجود ضمانات فعلية تمنع استهداف العائدين أو قطع الطرق المؤدية إلى البلدة، وتتيح للجيش اللبناني التحرك من دون تعرضه للنيران أو الانفجارات.
ومن هنا، تتحول زوطر الغربية إلى اختبار مباشر لاتفاق الإطار ولقدرة لجنة "المراقبة" على فرض ترتيبات قابلة للحياة، وليس مجرد إجراءات مؤقتة تسمح بعودة محدودة تحت خطر الاستهداف. كما أن أي فشل في تثبيت العودة سيضعف الطرح اللبناني الذي سيُقدم في روما بشأن توسيع النموذج إلى قرى أخرى، ويمنح إسرائيل ذريعة للقول إن الظروف الأمنية لم تنضج بعد للانتقال إلى مراحل إضافية.
حزب الله يحمّل الدولة المسؤولية
سياسياً، حمّل النائب حسن عز الدين السلطة مسؤولية الصمت حيال ما يجري في الجنوب، معتبراً أن التفجيرات اليومية تندرج في سياق "ترميد القرى وجعلها غير قابلة للحياة ولعودة أهلها". واتهم السلطة السياسية باتخاذ موقف المتفرج وعدم إصدار حتى بيانات استنكار، معتبراً أن هذا الصمت يجعلها شريكة في الدماء التي تسقط جراء الاعتداءات الإسرائيلية. وربط عز الدين التطورات اللبنانية بالصراع الإقليمي، معتبراً أن الولايات المتحدة تحاول فرض سيطرتها على دول المنطقة وشعوبها بمنطق القوة. وأشاد بخيار إيران في رفض الخضوع والذهاب إلى المواجهة، معتبراً أن هذا الخيار أثبت، وفق تعبيره، جدواه في الدفاع عن استقلالها وسيادتها وقرارها الوطني.
بدوره، رأى النائب حسن فضل الله أن قضية الجنوب يجب أن تتحول إلى قضية وطنية تتجاوز الانقسامات الحزبية والطائفية، في ظل ما وصفه بإبادة إسرائيلية لكل ما يتصل بالحياة المدنية. وحمّل الدولة المسؤولية الأولى عن مواجهة تداعيات الحرب، معتبراً أن الاتفاق الذي وقعته السلطة لم يحقق تطبيقات عملية على الأرض، بل قدم إنجازاً سياسياً ودبلوماسياً للولايات المتحدة وهدية لإسرائيل. وأكد فضل الله أن حزب الله يعمل على توفير الإمكانات المطلوبة للتخفيف من معاناة المتضررين، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن معالجة آثار الحرب وإعادة الإعمار والتعويض على الأهالي تبقى في الدرجة الأولى من مسؤولية الحكومة والدولة اللبنانية.
وتعكس هذه المواقف ارتفاع حدة الاشتباك السياسي الداخلي عشية مفاوضات روما. فبينما تراهن السلطة على المسار التفاوضي وعلى تجربة المناطق النموذجية لإطلاق العودة التدريجية، يرى حزب الله أن الاتفاق لم يوقف الاعتداءات ولم يلزم إسرائيل بالانسحاب أو إعادة السكان، بل أتاح لها استكمال عملياتها العسكرية تحت غطاء المفاوضات.
وعليه، تصل جولة روما وسط تناقض واضح بين مسارين: مسار لبناني يحاول البناء على تجربة زوطر الغربية وتوسيعها، ومسار إسرائيلي يعمل على تفجير الأنفاق وإحراق المنازل وتدمير القرى وفرض وقائع أمنية جديدة. وبين المسارين، يبقى السؤال الأساسي حول قدرة الوسيط الأميركي على انتزاع التزامات متبادلة، أو ما إذا كانت الجولة ستتحول إلى محطة جديدة لمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لاستكمال ما بدأته على الأرض.




