يساريون في مقام الغياب

أحمد جابرالسبت 2026/08/01
Image-1766791789
ما المقياس اليساري لمؤازرة أميركا أو لمساندة إيران (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعيداً من إطلاق حكم الفشل على اليسار اللبناني كحكمٍ استباقي، وبعيداً من تبرئته كحكمٍ استداركي، ننصرف إلى المواضيع التي أهملها أبناء اليسار، عجزاً، أو تخلّياً، أو "توبة" عن ركوب مراكب الصعاب.

ندع البانوراما السياسية العالمية لمن صاروا جلساء الذكريات، ذلك أن الحديث الشامل بات هروباً من الحديث المحدد، وما هو مطلوب في حالة الملموس المباشر، لا ينوب عنه ادعاء "العالمية" النظرية، التي لا تضيف سطر كلمات إلى أسفار ما هو معلوم ومختبر، في داخل البلد وفي خارجه.

مباشرة ومن دون مناورة التفافية، ماذا عن مواضيع الإقلاق التي تنغصّ سيرورة يوميّات اللبنانيين؟ وماذا عن السياسات التي تمنع حياتهم من أن تصير حياة؟ 

 

يتصدر المشهد الواقعي، فعل العدوان الإسرائيلي، وتصفع النظرة والفكرة تداعيّات اجتياحه، وتوقع في الارتباك مجموعات اللبنانيين، من يسارٍ ومن يمين، لدى مقاربة العدوان انطلاقاً من نتائجه، أو مقاربته من أسبابه الأصلية، من دون النظر في مفعول الشرارة الفرعية التي فتحت باب الأسباب.

تتكرر الدعوات إلى تحديد نقاط الخلاف لدى تناول موضوع الصراع مع إسرائيل، لكن الانحياز الأعمى يغلق مجال الجواب على كل دعوة.

ترتفع الأصوات المطالبة بالفصل بين مسألة العداء لإسرائيل ومسألة إدارة سياسات مواجهتها، لكن النمطية الانحيازية، تخلط بين الأمرين فتجعل، من جهة كل نقد للمقاومة الإسلامية خيانة، ومن جهة أخرى، تجعل نقد المقاومة مدخلاً لكل نقد. تقديم النتائج على الأسباب، قول فئة لبنانية واسعة، وتنسيب النتائج إلى خطة العدو الأصلية، تجعل القدريّة قوة قاهرة لنفاذ الأسباب.

يدخل يساريون حومة الجدال، فينحازون اختياريّاً واستنسابيّاً ومن دون قول تأسيسي خاص. انحياز اليساري بلا خطّة ابتدائية، أقرب إلى العشوائية، ومآله الغرف من بئر هذه الكتلة السياسية المنحازة أو تلك، من دون دليل، ومن دون معرفة مرشدة.

 

في سياق مثل السياق المشار إليه، تضيع المقاييس وتختلط "النظريات". مثلاً، كيف لا يطرح اليساري غير المنمّط "فئويّاً" سؤال: هل من الصحيح اليوم ترداد جملة "ما نراه هو الخطة الأصلية للعدو" من دون أن يسأل لماذا أتيحت للعدو فرصة مباشرة تنفيذ هذه الخطة؟

وكيف لا يطرح اليساريّ على ميزان المقابلة بين الحسنات والسيّئات، أسئلة حول نقطة وقف القتال، وحول تسمية الحصيلة، وحول معنى أن تطلع أصوات بالنصر من فوق أطلال البيوت وشواهد القبور؟ لو سألنا هذا اليساري الذي لا يسأل، هل صحيح أننا في حالة نصر؟ كيف ترى ذلك؟ وهل حقيقي أننا خسرنا؟ ما حجم ذلك؟ ثم ألسنا في مرحلة تحديد الخسائر وتحجيمها إن كان ذلك ممكناً؟ إذن كيف يزاوج اللبنانيون بين "الرسمي والشعبي" في سعيهم إلى إيقاف كرة الخسائر المتدحرجة عند حدٍّ معلوم؟

نسأل، ونقول اليساري، ولا نذهب إلى سؤال: لكن من هو اليساريّ اليوم؟ لعلّ الاختصار المفيد هو في صيغة: إن اليساري اليوم هو من ما زال يدّعي "وصْلاً بليلى"، إذن فليؤخذ بقوله، وليُدعَ إلى دائرة الجواب.

على صعيد استطرادي، يكتفي من يعلن أنه ما زال يساريّاً بالتعليق على ما يقول ندُّ رغبته، ولو كان من خطّ سياسيّ مغاير، وبالتعليق على كل مغاير لرغبته، حتى لو كان ذات يومٍ من أهل بيئته الحزبيّة الضيّقة، أو من أبناء جمهرته اليساريّة الواسعة.

 

ربطاً بالاحتلال، يحضر الارتباط بالحالة الإيرانية. على هذا الصعيد يدور لغط كبير في دائرة اليساريين على وجه التحديد. يبدأ اللغط من التعريف، ويمرّ بالتصرّف على الحيثيّات، ثم ينتهي بالنتائج، والخلاصات التي لا يعلم صاحبها أو قارئها إن كانت على صلة "رحم" بالأصل "الديالكتيكي" الماركسي، أو إن كانت من بنات أفكار النظرية الداروينية.

اليساري في مقاربته الإيرانية، يقف على منصة "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" لصاحبها ذي العزّة لينين، ويقف أيضاً على منصة النظرية التآمرية والخطط الصهيو- أميركية وتوحش الرأسمالية، لذلك هو مع السياسة الإيرانية من ألفها إلى يائها.

يساري آخر، يندّد بإيران، فلا يجد لها عذراً في معركتها. هي مستودع شرّ وفق التعريف الأميركي، أمّا القوة الأميركية فعامل تحرير "وطني"، وتحرّر ليبرالي. لدى اليساري هذا ما زالت "الفوضى الخلاّقة" التي دمّرت العراق مثلاً، ممراً إلى نشر الديمقراطية، وطريقاً إلى الإعلاء من شأن "العولمة" الإنسانيّة، إذن لا ضير في تدمير النظام الرجعي في إيران، ما دام دماره يفتح الطريق أمام الديمقراطية "العالمية" الجديدة.

 

نكرر مع هذه القراءة، سؤال اليساري واليساري الآخر، ما مقياسك لمؤازرة أميركا أو لمساندة إيران؟ هل حقيقي أن أميركا ديمقراطية وافدة، وأن إيران قوة تحرَّر وطني؟ أو أن أميركا كناية عن امبريالية توسعية، وإيران دولة سعت وتسعى إلى مشاركة أميركا نفوذها في الخليج العربي، وعلى مستوى الإقليم؟

ونسأل اليساري واليساري ما الرأي في السياسة الإيرانية التي امتدّت إلى الدواخل العربية؟ وهل حقيقة أن النظام الإيراني بصدد التصدي لإسرائيل؟ إذن لماذا عمد إلى تخريب أكثر من دولة عربية؟ فهل بالتخريب تكون المواجهة، أم بتعزيز وحدة "الشركاء" هذا إن كانت الدول العربية شريكة في عرف السياسة الإيرانية. نعطي المساحة الأوسع لمساءلة "يسار" التحرّرية الغريزية، لأن الموقف من السياسات الاستعمارية معلوم، لكن ما هو مضلّل ومسكوت عنه، هو الدور الإيراني الذي شابه الدور الاستعماري لناحية الأضرار التي أحدثها في الديار العربية.

 

في هذا المعرض، نسأل وبهدوء: ماذا عن العروبة اليسارية؟ أما زال لبنان عربيّاً مثلاً؟ أما زالت أشكال التضامن العربي حيوية ومفيدة؟ أم أن للعروبة مقياس نظامي، بحيث تستعدى العروبة بسبب من أداء نظامها؟ وسؤال الأسئلة، هو إن كانت أنظمة العروبة رجعية، فهل الأنظمة الدينية تقدميّة؟ لن نكمل لنسأل اليساري عن برنامجه الاجتماعي، وعن قراءة التحرر المجتمعي، وعن التحديث والحداثة... فهذا له شأن آخر، ولكن التذكير مفيد، ولعل اليساري لم ينس أنه وفي الأصل كانت المسألة الاجتماعية.

الأسئلة كثيرة، وفسحة المعالجة ضيقة، لكن في الوقت متّسعٌ لتقليب الأفكار على "مواجعها"... وفي اليسار واليساريين، الفسيحُ من الأوجاع والآلام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث