يحتفل لبنان اليوم بالذكرى الـ81 لتأسيس الجيش اللبناني، في وقت تجد المؤسسة العسكرية نفسها أمام استحقاقات متزامنة، أبرزها الانتشار في جنوب لبنان، وما يقتضيه ذلك من انسحاب إسرائيلي وحصرية السلاح بيد الدولة. وشهدت بيروت زخماً من المواقف الداعمة للمؤسسة العسكرية وعناصرها، والداعية إلى حصر السلاح بالدولة. وكان أبرزها موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أكد أن «لا شرعية لأي سلاح خارج شرعية الدولة، ولا حماية للوطن إلا بجيشه الوطني الجامع»، مشددًا على أن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية يستوجب انتشار الجيش على كامل الحدود الجنوبية وبسط سلطة الدولة على جميع أراضيها.
وتتزامن ذكرى تأسيس الجيش مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتمادي إسرائيل في عدوانها، وذلك قبل يومين من موعد الجولة التفاوضية السابعة في روما، التي يأمل لبنان أن تؤدي إلى الاتفاق مع إسرائيل على إقامة منطقة تجريبية ثانية تكون في الخيام أو بنت جبيل، ضمن رقعة جغرافية أوسع من تلك التي شملتها المرحلة الأولى، حيث لم تكن البلدات التي انتشر فيها الجيش واقعة تحت الاحتلال.
وكان اللافت اليوم المعلومات التي بثّتها إذاعة الجيش الإسرائيلي عن تصدّي «حزب الله» لقوة من وحدة «إيغوز» حاولت التسلل إلى منطقة علي الطاهر، ما أدى إلى إصابة ضابط إسرائيلي بجروح متوسطة. وتأتي هذه الحادثة عقب التفجيرات التي نفذتها إسرائيل في محيط علي الطاهر. وشكّل الاشتباك إعلانًا من «حزب الله» ورسالة مباشرة عشية مفاوضات روما بأن الدخول إلى علي الطاهر يمثل خطًا أحمر، وأن العمليات ضد الاحتلال ستستمر لمنع تقدمه في المنطقة الواقعة شمال الليطاني.
ولم تكن التفجيرات الإسرائيليّة الواسعة التي سبقت الجولة التفاوضيّة المقرّرة في الرابع من آب مجرّد تصعيدٍ ميدانيّ عابر، ولا حلقة إضافيّة في سلسلة الخروقات اليوميّة لوقف إطلاق النار. ما جرى في محيط قلعة الشقيف وأرنون وكفرتبنيت ودير سريان ويحمر الشقيف وحداثا والطيبة وبني حيّان بدا جزءًا من عمليّة سياسيّة مكتملة العناصر، هدفها إعادة تشكيل شروط التفاوض بالقوّة، وفرض وقائع أمنيّة جديدة قبل أن يجلس الوسطاء والأطراف إلى الطاولة.
إسرائيل لم تكتفِ بالرسائل الناريّة إلى لبنان، بل سعت إلى تكريس معادلة أكثر خطورة، تقوم على التفاوض في ظلّ الاحتلال، وعلى مطالبة الدولة اللبنانيّة بتنفيذ التزامات سياديّة فيما تحتفظ تل أبيب لنفسها بحقّ انتهاك هذه السيادة. بذلك، يصبح لبنان مطالبًا بإثبات قدرته على ضبط الأرض والسلاح والحدود، في حين تُعفى إسرائيل من الانسحاب، ومن وقف اعتداءاتها، ومن احترام الآليّات الدوليّة المفترض أن تنظّم مرحلة ما بعد الحرب.
عمليّة الشقيف أبعد من تدمير الأنفاق
واليوم نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة، تفاصيل عملية تفجير محيط قلعة الشقيف في النبطية، وقالت إن وحدات الهندسة أدخلت نحو سبعمئة طنّ من الموادّ المتفجّرة إلى شبكة أنفاق في مرتفعات الشقيف، قبل تفجيرها في عمليّة حاول الجيش الإسرائيليّ إبقاءها بعيدًا من الأضواء. لكنّ حجم الانفجارات أسقط التكتّم، وحوّل العمليّة إلى استعراض عسكريّ ورسالة سياسيّة في آنٍ واحد.
تقول الرواية الإسرائيليّة إنّ الأنفاق بُنيت على مدى عقدين، وإنّها شكّلت مركزًا قياديًّا ومنشأةً استراتيجيّة لـ"حزب الله". إلّا أنّ جوهر المسألة لا يرتبط فقط بصحّة هذه الادّعاءات، بل بالسابقة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها، منح نفسها حقّ تحديد التهديد، وحقّ اختيار توقيت تدميره، وحقّ التحرّك داخل لبنان من دون الرجوع إلى لجنة مراقبة أو آليّة دوليّة أو سلطة لبنانيّة.
كما أنّ الحديث عن تأخير العمليّة بفعل ضغوط أميركيّة وإيرانيّة، ثمّ تنفيذها بعد حادثة علي الطاهر، يوحي بأنّ التفجير لم يكن ضرورةً ميدانيّة عاجلة. لقد كان ورقةً سياسيّة جرى اختيار توقيتها لرفع سقف الشروط قبل التفاوض، وإبلاغ بيروت وطهران والوسطاء بأنّ إسرائيل لن تنتظر موافقةً دوليّة على ما تسمّيه "احتياجاتها الأمنيّة".
وقف النار يتحوّل إلى إدارة أحاديّة للحرب
المشكلة لم تعد في عدد الخروقات الإسرائيليّة، بل في طبيعة الصيغة التي يُدار بها وقف إطلاق النار. فعبارة "منع إعادة بناء القدرات" تحوّلت إلى تفويض مفتوح، تستخدمه إسرائيل لتبرير القصف والتفجير والاستهداف الجويّ والبرّيّ والبحريّ.
إطلاق النار على صيّادين قبالة المنصوري، وقصف كفرشوبا وأرنون وعلي الطاهر، وتنفيذ تفجيرات في دير سريان وطلوسة، وتحليق المسيّرات فوق جبل لبنان والضاحية الجنوبيّة، ليست حوادث منفصلة. إنّها مكوّنات في منظومة ضغط تريد إبقاء لبنان تحت المراقبة، وإفهام سكّان الجنوب أنّ العودة وإعادة الإعمار والاستقرار ستظلّ رهينة القرار الإسرائيليّ.
بهذا المعنى، لا يعود وقف إطلاق النار مدخلًا لإنهاء الحرب، بل يصبح وسيلةً لإدارتها بوتيرة منخفضة. إسرائيل تحافظ على حريّة الحركة، وتفرض على الطرف الآخر قيودًا صارمة، وتستفيد من غياب التوازن في تطبيق الالتزامات. أمّا لبنان، فيُطلب منه التصرّف كأنّ الحرب انتهت، فيما تبقى القرى والحدود والأجواء تحت التهديد.
فائض القوّة يخفي مأزقًا برّيًّا
وعلى الرغم من الاستعراض الناريّ، تكشف الشهادات الإسرائيليّة نقاط ضعف لا يمكن تجاهلها. فقد أقرّت ضابطة اتصالات في اللواء المدرّع 401 بأنّ التضاريس اللبنانيّة، من الوديان والأحراج إلى القرى المتداخلة، عقدّت قدرة القوّات على حفظ الاتصال وتأمين الإخلاء وإدارة النيران.
هذه الشهادة تؤكّد أنّ التفوّق الإسرائيليّ ليس مطلقًا، وأنّ أيّ دخول برّيّ عميق يفرض أثمانًا بشريّة وعملياتيّة مرتفعة. كما أنّ الحديث عن مسيّرات موجّهة بالألياف البصريّة، يصعب تعطيلها بوسائل التشويش التقليديّة، يشير إلى انتقال المواجهة نحو حرب تقنيّة تستهدف القيادة والاتصالات وتحدّ من فاعليّة التفوّق الإلكترونيّ الإسرائيليّ.
لكنّ إسرائيل تستخدم هذه الصعوبات لتوسيع عمليّاتها، لا لمراجعة أصل وجودها داخل لبنان. كلّ ثغرة أمنيّة تتحوّل إلى ذريعة لتعديل قواعد الاشتباك، وكلّ إصابة في صفوفها تفتح الباب أمام جولة انتقاميّة. وهنا يكمن خطر إنتاج تصعيد دائم، لأنّ الهدوء يصبح مشروطًا بامتناع اللبنانيّين عن مقاومة الاحتلال، لا بانسحاب القوّات المحتلّة.
الجيش اللبنانيّ بين استعادة القرار وفخّ الشروط
وحملت مواقف رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام دلالةً واضحة حيال دور المؤسسة العسكرية وحصرية السلاح. فالقول إنّ الجيش هو "الضامن الأوحد لوحدة لبنان وسيادته واستقلاله"، وإنّه "لا شرعيّة لأيّ سلاح خارج سلطة الدولة"، يعكس توجّهًا رسميًّا لإعادة بناء مفهوم الدولة على قاعدة وحدة القرار الأمنيّ والعسكريّ.
لكنّ هذا المسار يفرض مسؤوليّتين متلازمتين. الأولى، التقدّم الفعليّ نحو حصر القرار بالمؤسّسات الشرعيّة. والثانية، منع تحويل هذا الالتزام إلى أداة ضغط أحاديّة على لبنان، فيما تواصل إسرائيل احتلال الأرض وتنفيذ الاعتداءات.
لا يمكن مطالبة الجيش بانتشار كامل في منطقة تتعرّض يوميًّا للقصف والتفجير، ولا يمكن بناء سلطة الدولة تحت سقف احتلال يتحرّك بلا رادع. لذلك، فإنّ حصر السلاح يحتاج إلى مسار متزامن يشمل انسحابًا إسرائيليًّا كاملًا، ووقفًا موثّقًا للاعتداءات، وتسليحًا نوعيًّا للجيش، وضمانات دوليّة تتجاوز البيانات الدبلوماسيّة.
الخطر أن يُطلب من الجيش أن يتحوّل إلى حارس لترتيبات أمنيّة صاغتها إسرائيل، بدل أن يكون أداةً لاستعادة السيادة. فالدولة لا تبسط سلطتها بالتكليف الدوليّ وحده، بل بامتلاك القدرة على حماية الأرض والسكّان ومنع أيّ طرف خارجيّ من فرض إرادته بالقوّة.
واشنطن تدير التناقض ولا تحلّه
وبرز اليوم تأكيد الولايات المتّحدة دعم الجيش اللبنانيّ وتنفيذ ما تسمّيه "الإطار الثلاثيّ"، لكنّ الاختبار الحقيقيّ يكمن في قدرتها على إلزام إسرائيل بوقف عمليّاتها الأحاديّة. فالدعم الأميركيّ للجيش يفقد جزءًا كبيرًا من معناه عندما تعجز واشنطن، أو تمتنع، عن منع إسرائيل من تفجير المناطق التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش.
حتى الآن، تبدو الإدارة الأميركيّة كأنّها تدير التناقض بدلًا من حلّه. فهي تطالب ببسط سلطة الدولة، وتدعو إلى حصر السلاح، لكنّها لا تربط ذلك صراحةً بانسحاب إسرائيليّ كامل وجدول زمنيّ واضح. وبهذا قد تتحوّل الوساطة إلى آليّة لتكييف لبنان مع الوقائع الإسرائيليّة، لا إلى وسيلة لاستعادة سيادته.
الجولة المقبلة ستكشف ما إذا كانت واشنطن تريد وقفًا متوازنًا للنار، أم ترتيبات أمنيّة تمنح إسرائيل حريّة التدخّل، وتحصر الالتزامات والضغوط بالجانب اللبنانيّ.




