في الساعات الماضية، كشف بنيامين نتنياهو عن خطته لجنوب لبنان، ولم تعد هذه الخطة في حاجة إلى تكهنات. فقد رسم البيان المشترك الصادر عن نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، مرفقاً ببيان الجيش الإسرائيلي، بعد نسف أنفاق الشقيف بـ 700 طن من المتفجرات، منتصف ليل الخميس- الجمعة، خريطة طريق ميدانية وسياسية للجنوب في المرحلة المقبلة، وهي تقوم على أربعة مرتكزات:
-
البقاء داخل "المنطقة الأمنية" وتدمير "كل" البنى التحتية. وهذا العنوان تستخدمه إسرائيل لتبرير نسف القرى والبيوت وجرفها بذريعة أنها تشكل "حواضن تشغيلية" ومراكز لوجستية لحزب الله.
-
البدء بتدمير الشبكات الرئيسية للأنفاق. وبعد تلة الشقيف، أعلن بيان الجيش، رسمياً، عن النية للانتقال إلى المرحلة التالية التي تبدأ بتلة علي الطاهر التي بقيت تتعرض اليوم لقصف مكثف، فيما أعمال التفجير طاولت اليوم دير سريان.
-
رفض أي انسحابات جديدة وتطبيق مبدأ "الحق في العودة العسكرية" إلى أي منطقة يتم إخلاؤها مؤقتاً للتثبت الأحادي من خلوها من سلاح الحزب وبنيته التحتية.
-
جاء الإعلان الصريح عن أن العملية كانت مجهزة سابقاً وأُرجئت بسبب التهدئة، ليكشف أن حادثة استهداف الآلية الهندسية لم تكن سوى الذريعة التكتيكية لتنفيذ مخطط إستراتيجي معدّ مسبقاً.
البيانان الإسرائيليان يشكلان وثيقة ميدانية واضحة تعترف بالعزم على تدمير القرى، والأنفاق، وحظر الانسحاب، والتمسك بحرية الحركة. وهذا "التمترس" الميداني سيؤدي مباشرة إلى إفراغ مفاوضات روما من مضامينها وتعميق المأزق التفاوضي. ويبدو الرهان على الدور الأميركي، حتى اللحظة، ضعيفاً. فواشنطن المنهكة بالحسابات الإقليمية، والمقبلة على انتخابات الكونغرس النصفية، تتطابق رؤيتها الإستراتيجية مع إسرائيل في الاقتناع بإنهاء نفوذ طهران وحلفائها. وقد تكتفي واشنطن بإدارة شكليات التفاوض في روما والتوسيع البسيط لـ"المناطق التجريبية"، بشرط التزام لبنان بالشروط الأمنية الإسرائيلية، أي نزع السلاح. وفي هذه المناخات، يترقب لبنان بقلق: أي حظوظ لجولة روما المقرر عقدها بعد أيام؟
الشقيف ليست عمليّة أمنيّة بل إعلان مرحلة
لا يمكن التعامل مع تفجير شبكة الأنفاق في مرتفعات الشقيف بوصفه ردًّا ميدانيًّا محدودًا على حادث أمنيّ عابر. فالكمّيّة المستخدمة، ونحو 700 طنّ من المتفجّرات، وطبيعة البيانات السياسيّة والعسكريّة التي رافقت العمليّة، تكشف أنّ إسرائيل أرادت تحويل التفجير إلى إعلان تأسيسيّ لمرحلة جديدة في جنوب لبنان.
المشهد لم يقتصر على تدمير منشأة تحت الأرض. امتدّت الاعتداءات إلى دير سريان، ومحيط المنصوري ومجدل زون، وبلدة طلوسة، فيما تعرّض مرتفع علي الطاهر لقصف مكثّف بالقذائف المضيئة، تسبّب بحرائق متعمّدة. وتزامن ذلك مع تحليق متواصل للمسيّرات الإسرائيليّة فوق الجنوب وبيروت والضاحية الجنوبيّة، بما يؤكّد أنّ ما يجري ليس عمليّة موضعيّة، بل فرضٌ تدريجيّ لواقع مراقبة وسيطرة مفتوح.
الأهمّ أنّ نتنياهو وكاتس اعترفا بأنّ العمليّة كانت جاهزة قبل الحادثة التي استُخدمت لتبريرها، وأنّ تنفيذها أُرجئ بسبب التهدئة. وهذا الاعتراف يسقط الرواية الإسرائيليّة القائلة إنّ التفجير جاء ردًّا فوريًّا على استهداف آليّة هندسيّة. فالقرار كان موجودًا، والخطط وُضعت، والهدف كان ينتظر توقيتًا سياسيًّا مناسبًا.
"المنطقة الأمنيّة" احتلال بمسمّى وظيفيّ جديد
استخدام إسرائيل تعبير "المنطقة الأمنيّة" ليس تفصيلًا لغويًّا. إنّه محاولة لإعادة إنتاج الاحتلال بصيغة مختلفة، تقوم على تحويل الوجود العسكريّ داخل الأراضي اللبنانيّة إلى إجراء وقائيّ مفتوح زمنيًّا، لا إلى احتلال يفترض الانسحاب منه.
وفق هذه المقاربة، تمنح إسرائيل نفسها حقّ تحديد حدود المنطقة، ومدة البقاء فيها، وطبيعة المنشآت التي ينبغي تدميرها، وشروط السماح بعودة السكّان. وهي لا تكتفي بمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته، بل توسّع مفهوم "البنية التحتيّة العسكريّة" ليشمل المنازل والطرق والأنفاق والكهوف والأراضي الزراعيّة، وربّما قرى بأكملها.
هكذا يتحوّل الدمار إلى سياسة، والتجريف إلى أداة تفاوض، والتهجير إلى وسيلة ضغط. فحين تُنسف البيوت وتُمحى المعالم وتتضرّر الأراضي الزراعيّة، لا يعود السؤال متعلّقًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي وحده، بل بإمكان عودة الحياة أصلًا إلى المناطق التي ينسحب منها.
ويصبح التمسّك الإسرائيليّ بما تسمّيه "حرّيّة الحركة" أخطر من الاحتلال الثابت، لأنّه يمنح الجيش حقّ العودة إلى أيّ منطقة، في أيّ وقت، بذريعة التحقّق من خلوّها من السلاح. وهذا يعني عمليًّا إخضاع الجنوب لسيادة إسرائيليّة أمنيّة غير معلنة، تتقدّم على سيادة الدولة اللبنانيّة وعلى دور الجيش وقوّات الأمم المتّحدة.
علي الطاهر الهدف التالي في سلّم التصعيد
الإعلان الإسرائيليّ عن مراقبة شبكة أنفاق كبيرة أسفل تلة علي الطاهر يحمل رسالة مباشرة: الشقيف لم تكن نهاية العمليّة، بل بدايتها. والقصف المكثّف الذي تعرّضت له المنطقة، واستخدام القذائف المضيئة لإشعال الحرائق، يشيران إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ يمهّد ميدانيًّا للانتقال إلى هدف جديد.
تعمل إسرائيل وفق سلّم متدرّج. تبدأ بعزل المنطقة ناريًّا، ثمّ تفرض مراقبة جوّيّة دائمة، وبعدها تقدّم ادّعاءات عن وجود عناصر أو منشآت عسكريّة، لتنتقل لاحقًا إلى النسف والتجريف. وبهذا الأسلوب، يصبح كلّ هدف مقدّمة للهدف الذي يليه، من دون الحاجة إلى إعلان عمليّة عسكريّة واسعة قد تستدعي ضغطًا دوليًّا جدّيًّا.
إنّها حرب متقطّعة زمنيًّا، لكنّها متّصلة سياسيًّا. لا تُقاس فقط بعدد الغارات والتفجيرات، بل بقدرة إسرائيل على تغيير الجغرافيا وفرض قواعد اشتباك تجعل التهدئة مجرّد غطاء لإدارة التوسّع الميدانيّ.
روما تحت ضغط الوقائع الإسرائيليّة
تذهب الدولة اللبنانيّة إلى الجولة السابعة من مفاوضات روما فيما تعمل إسرائيل على تعديل موضوع التفاوض نفسه. كان يفترض أن تتركّز المفاوضات على الانسحاب وتثبيت وقف إطلاق النار وترتيبات العودة، إلّا أنّ تل أبيب تحاول نقل النقاش إلى شروط مختلفة: نزع السلاح أولًا، تثبيت "المنطقة الأمنيّة"، وضمان حرّيّة التدخّل العسكريّ لاحقًا.
بذلك، لا تدخل إسرائيل المفاوضات للبحث عن تسوية، بل لتكريس الوقائع التي صنعتها بالقوّة. وهي تريد من الوساطة الأميركيّة تحويل هذه الوقائع إلى ترتيبات معترف بها، ولو بصورة غير مباشرة. أمّا الحديث عن توسيع "المناطق التجريبيّة" للعودة، فقد يتحوّل إلى أداة لتقسيم الجنوب بين مناطق يُسمح بإعادة إعمارها وأخرى تبقى خاضعة للسيطرة أو الحظر الإسرائيليّ.
المشكلة أنّ لبنان يدخل التفاوض بأوراق ضعيفة. فلا موقف دوليًّا حازمًا يفرض وقف التفجيرات، ولا ضغط أميركيًّا ظاهرًا لإلزام إسرائيل بالانسحاب، ولا خطّة لبنانيّة واضحة تربط أيّ نقاش داخليّ بشأن السلاح بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها وإطلاق إعادة الإعمار.
واشنطن تدير التفاوض ولا تضبط إسرائيل
الرهان على الولايات المتّحدة يصطدم بتطابق استراتيجيّ عميق بينها وبين إسرائيل حول هدف إضعاف النفوذ الإيرانيّ وحلفائه في المنطقة. قد تختلف واشنطن مع تل أبيب على التوقيت أو مستوى التصعيد، لكنّها لا تبدو مختلفة معها على جوهر الشروط الأمنيّة المطلوبة من لبنان.
لهذا، يمكن أن تمارس الإدارة الأميركيّة ضغوطًا لمنع انفجار شامل، من دون أن تضغط بالقدر نفسه لوقف سياسة التدمير البطيء. وقد تحصر دورها بإدارة المفاوضات، وتأمين خطوات محدودة لعودة السكّان، وربط أيّ تقدّم بالتزام لبنانيّ واضح بحصريّة السلاح.
وهنا تكمن المفارقة: يُطلب من الدولة اللبنانيّة تقديم ضمانات نهائيّة، فيما ترفض إسرائيل تقديم التزام نهائيّ بالانسحاب. ويُطلب من لبنان تطبيق اتفاق الإطار، بينما تمنح إسرائيل نفسها حقّ تفسيره وتعليقه والعودة عسكريًّا متى شاءت.
الدولة بين الإدانة وإدارة العجز
دان رئيس الجمهوريّة جوزاف عون الاعتداءات، محذّرًا من أنّ تفجيرات الشقيف، التي أحدثت موجات أرضيّة تعادل هزّة بقوّة 3.8 درجات، تقوّض المسار الدبلوماسيّ. كما دعا المجتمع الدوليّ والجهات الراعية إلى تحمّل مسؤوليّاتها.
بدوره، رأى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أنّ ما جرى لا يجوز السكوت عنه، فيما تحرّكت الحكومة لإطلاق مشاريع التعافي في بعض المناطق التجريبيّة، وتفقّد قائد الجيش رودولف هيكل الوحدات المنتشرة جنوبًا، مؤكّدًا أولويّة الأمن وعودة الأهالي.
لكنّ هذه المواقف، على أهمّيّتها، تبقى أقلّ من مستوى التحوّل الجاري. فالمسألة لم تعد سلسلة خروقات يمكن جمعها في ملفّ دبلوماسيّ، بل محاولة إسرائيليّة لفرض نظام أمنيّ جديد على الجنوب. وإذا لم يتحوّل الموقف اللبنانيّ إلى خطّة تفاوضيّة موحّدة، ومواجهة سياسيّة وقانونيّة ودبلوماسيّة منظّمة، فستبقى الإدانات مجرّد تسجيل اعتراض على وقائع تُفرض تباعًا.
مفاوضات على حافّة الفراغ
لا تبدو جولة روما محكومة بالفشل الكامل، لكنّها مهدّدة بأن تتحوّل إلى مفاوضات تقنيّة حول إدارة الأزمة بدل حلّها. قد تنتج توسيعًا محدودًا لمناطق العودة، أو تفاهمات بشأن انتشار الجيش اللبنانيّ، أو آليّات إضافيّة للمراقبة، إلّا أنّها لن تغيّر المسار ما لم يُحسم السؤال الأساسيّ: هل ستنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانيّة، أم ستُمنح شرعيّة البقاء والتحرّك تحت عنوان "الضرورات الأمنيّة"؟
خطة نتنياهو باتت واضحة: تدمير ما يمكن تدميره، تثبيت الاحتلال تحت اسم "المنطقة الأمنيّة"، منع إعادة بناء قدرات حزب الله، وربط الانسحاب بشروط لا تنتهي. وفي المقابل، يدخل لبنان إلى روما مطالبًا بتطبيق اتفاق تواصل إسرائيل تغيير قواعده على الأرض.
لذلك، فإنّ المعركة المقبلة ليست على صياغة بيان تفاوضيّ جديد، بل على منع تحويل الدمار إلى حدود، والاحتلال إلى ترتيب أمنيّ، والعودة إلى امتياز تمنحه إسرائيل للّبنانيّين داخل أرضهم. ومن دون قلب هذه المعادلة، لن تكون روما طاولة لإنقاذ الجنوب، بل منصّة لتوثيق الخريطة التي رسمها نتنياهو بالمتفجّرات.




