واصلت إسرائيل تنفيذ تفجيرات ضخمة في مناطق مختلفة من الجنوب، شملت ليلاً كفرتبنيت وحداثا والطيبة، وسُمعت أصداء بعضها في مناطق بعيدة من جبل لبنان، بعد تفجيرات طاولت نهاراً دير سريان ومحيط المنصوري ومجدل زون. وفي الأثناء، بقيت مناطق عدة تستهدف بالقصف المدفعي، ولاسيما علي الطاهر وطلوسة، تزامناً مع تحليق متواصل للطيران المسيّر الإسرائيليّ فوق أجواء الجنوب، وامتدّ إلى بيروت والضاحية الجنوبيّة. وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي نفّذ ليل الخميس- الجمعة تفجيرات ضخمة لأنفاق في محيط قلعة الشقيف.
ويأتي هذا تصعيد قبل أيّام من الجولة الجديدة من المفاوضات، المقرّرة في روما، برعاية الولايات المتّحدة الأميركيّة، في 4 آب. وترافقت الاعتداءات الميدانيّة مع تحرّكات أميركيّة لتوسيع الوفود المشاركة في المفاوضات، وإدراج ملفات سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة على جدول الأعمال، في مقدّمها ترسيم الحدود البرّيّة، ووقف عمليّات التدمير، وإعادة الإعمار، وعودة أهالي الجنوب إلى بلداتهم.
واشنطن تطلب توسيع الوفد اللبنانيّ
وعلمت "المدن" أنّ الولايات المتّحدة سعت إلى توسيع الوفود المشاركة في مفاوضات روما، إذ تعتزم واشنطن إرسال وفد موسّع، وطلبت من لبنان تشكيل وفد مماثل، يضمّ ممثّلين سياسيّين ودبلوماسيّين وعسكريّين، إلى جانب اختصاصيّين مدنيّين وعسكريّين.
ومن المرتقب أن تبحث الوفود ملفات عدّة، من بينها ترسيم الحدود البرّيّة بين لبنان وإسرائيل. وفي هذا الإطار، عمل الجانب اللبنانيّ على اختيار الشخصيّات المعنيّة بمناقشة ملف الترسيم، وبينها خبراء شاركوا سابقًا في مفاوضات ترسيم الحدود البحريّة.
وبحسب المعلومات، تصرّ واشنطن أيضًا على مشاركة وفد اقتصاديّ لبنانيّ يعقد محادثات ثنائيّة مع الجانب الأميركيّ، تتناول ملفات اقتصاديّة تهدف إلى دعم الجنوب، وبحث إعادة الإعمار، وتأمين الظروف الملائمة لعودة الأهالي.
لبنان يتمسّك بالانسحاب ووقف التدمير
ومن المقرّر أن يركّز الوفد اللبنانيّ، خلال المفاوضات، على تطبيق مشروع "المناطق التجريبيّة"، ووقف عمليّات التفجير والتدمير الإسرائيليّة، إضافة إلى اختيار مناطق تجريبيّة جديدة.
كما سيؤكّد لبنان مطلب انسحاب إسرائيل من البلدات والمواقع التي لا تزال تحتلّها، ووضع هذا الملفّ ضمن أولويّات المحادثات المرتقبة في روما.
وتأتي هذه التطوّرات بينما يستعدّ لبنان للمشاركة في جلسة المفاوضات السابعة، وسط انتقادات لأداء الدولة وصمتها إزاء استمرار الاعتداءات، ومخاوف من أن يؤدّي غياب موقف رسميّ حازم إلى منح إسرائيل هامشًا أوسع لمواصلة عمليّاتها العسكريّة.
تدمير واسع في محيط قلعة الشقيف
كانت إسرائيل قد أعلنت، فجر الجمعة، تدمير أنفاق في محيط قلعة الشقيف في جنوب لبنان، بعدما زعمت أنّ حزب الله "أطلق مسيّرة انتحاريّة باتجاه آليّة هندسيّة تابعة للجيش الإسرائيليّ في منطقة تلّة علي الطاهر، ليل الثلاثاء، الأربعاء".
واعتبرت إسرائيل أنّ الحادثة "تُعدّ خرقًا فادحًا لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان من جانب حزب الله"، في وقت لم يعلن فيه الحزب مسؤوليّته عنها.
وأثارت تفجيرات قلعة الشقيف، إلى جانب التفجيرات التي شهدتها بلدتا حداثا ودير ميماس، انتقادات واسعة، باعتبارها انقلابًا على أسس المفاوضات واتفاق الإطار، فضلًا عمّا خلّفته من أضرار في المواقع التاريخيّة والمقابر والأراضي المحيطة بها.
وعاش الجنوب ساعات قاسية، إذ وصلت أصداء التفجيرات إلى مدينتي صيدا وصور، واهتزّت المنازل في عدد من المناطق، في مشهد شبيه بهزّات أرضيّة عنيفة أثارت الخوف والهلع بين السكّان.
إسرائيل تتبنّى تدمير شبكة أنفاق
قال الجيش الإسرائيليّ إنّ قوّاته فجّرت أنفاقًا في محيط قلعة الشقيف، معلنًا أنّه "في إطار نشاط عمليّاتيّ محدّد داخل المنطقة الأمنيّة في لبنان، دمّرت قوّات الفرقة 36، بقيادة المنطقة الشماليّة، عددًا من المسارات الرئيسيّة لشبكة الأنفاق تحت الأرض في منطقة مرتفعات الشقيف، البوفور".
وزعم الجيش أنّ الشبكة استُخدمت مجمّع قيادة مركزيًّا لإدارة المعارك وتوجيه النيران ضدّ قوّاته والمستوطنات الإسرائيليّة، مدّعيًا أنّها تمثّل بنية تحتيّة استراتيجيّة أُنشئت على مدى عقدين، وشكّلت مقرًّا مركزيًّا لوحدة "بدر" التابعة لحزب الله في جنوب لبنان، بتمويل وتخطيط إيرانيّين.
كما ادّعى أنّ المنشأة، الواقعة على بُعد نحو ستّة كيلومترات من مستوطنة المطلة ومنطقة إصبع الجليل، شكّلت تهديدًا لسكّان شمال إسرائيل وقوّاتها، وأنّ عشرات المسيّرات والصواريخ المضادّة للدروع أُطلقت منها.
وأشار إلى أنّ قوّاته استكملت، خلال الأسابيع الأخيرة، إحكام سيطرتها على منطقة مرتفعات الشقيف، والسيطرة على البنى التحتيّة تحت الأرض، وتطهيرها وتجهيزها للتدمير.
سبعمئة طنّ من المتفجّرات
قال رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، إنّ الجيش الإسرائيليّ دمّر شبكة أنفاق تابعة لحزب الله، ممتدّة أسفل تلّة قلعة الشقيف في جنوب لبنان.
وأوضح البيان أنّ الجيش استخدم نحو 700 طنّ من المتفجّرات لتدمير المنشأة الواقعة تحت الأرض، مؤكّدًا أنّ إسرائيل "لن تقبل بأيّ انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار".
وحذّر نتنياهو وكاتس من أنّ أيّ محاولة من جانب حزب الله لإلحاق الأذى بقوّات الجيش الإسرائيليّ "ستُقابل بردّ حازم يُكبّد الحزب خسائر فادحة"، وفق تعبيرهما.
وبحسب البيان، كان مقرّرًا تنفيذ العمليّة في وقت سابق، إلّا أنّها أُرجئت بسبب اتفاق وقف إطلاق النار، قبل أن تقرّر إسرائيل تنفيذها ردًّا على ما وصفته بـ"الانتهاك الصارخ" للاتفاق، والمتمثّل باستهداف جرّافة هندسيّة غير مأهولة بواسطة طائرة مسيّرة مفخّخة.
تهديد بالبقاء داخل "المنطقة الأمنيّة"
زعم البيان الإسرائيليّ أنّ شبكة الأنفاق شكّلت "جزءًا محوريًّا من خطّة حزب الله الهجوميّة للتسلّل إلى بلدات الجليل"، مؤكّدًا أنّ الجيش الإسرائيليّ "سيواصل البقاء داخل المنطقة الأمنيّة في جنوب لبنان، وتدمير جميع البنى التحتيّة لمنع أيّ محاولة من حزب الله لإعادة بناء قدراته العسكريّة".
وفي بيان منفصل، أعلن الجيش الإسرائيليّ أنّه دمّر "عدّة مسارات رئيسيّة تحت الأرض في منطقة تلّة الشقيف"، مشيرًا إلى أنّ قوّاته استكملت خلال الأسابيع الماضية عمليّات السيطرة على المنطقة والبنية التحتيّة تحت الأرض، وتطهيرها وتجهيزها للتدمير.
وأضاف أنّه سبق أن دمّر، في 13 تمّوز، نفقًا يشكّل جزءًا من شبكة الأنفاق في منطقة تلّة الشقيف، وأنّ العمليّة الأخيرة أدّت إلى تدمير معظم الشبكة.
كما أشار إلى أنّه لا يزال يراقب شبكة أنفاق أخرى تابعة لحزب الله أسفل تلّة علي الطاهر، زاعمًا أنّ عشرات من عناصر الحزب لا يزالون يتحصّنون داخلها.
تحذير إسرائيليّ لأهالي دير ميماس
فجرًا، تلقّى أهالي بلدة دير ميماس تحذيرًا من جيش الاحتلال الإسرائيليّ، عبر تسجيل صوتيّ مرفق بخريطة للبلدة.
وطلب الجيش الإسرائيليّ من الأهالي البقاء في منازلهم وفتح النوافذ، داعيًا جميع الموجودين خارج الخطّ الأزرق المحدّد في الخريطة إلى إخلاء المنطقة، في ظلّ مخاوف من تنفيذ اعتداءات أو تفجيرات جديدة.




