يعيش لبنان منذ أيام مستوى عاليًا من القلق، خصوصًا بعد التهديدات الإسرائيلية بشن ضربات جديدة، وتوسيع المدى الجغرافي للحرب. وقد تيقن الجميع، بوضوح، أن لا نية إسرائيلية للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة. ولذلك، تبدو مفاوضات روما المرتقبة في 4 آب وكأنها تدور في حلقة مفرغة، حيث سيتم تكرار المواقف إياها، من دون أي تقدم حقيقي. وأمام هذا الأفق المغلق، أطلق لبنان الرسمي اليوم حراكًا خارجيًا متسارعًا لتوسيع شبكة العلاقات الإقليمية والدولية. وقد ترجمتها زيارة الرئيس جوزاف عون للعاصمة التركية أنقرة. وجاءت هذه الزيارة في خضم اتصالات فرنسية عالية المستوى شملت عين التينة، بعد بعبدا، وحملت تأكيدًا من باريس على دعم لبنان والتمسك بوقف النار وانسحاب إسرائيل.
على الأرض، تتخبط ترتيبات "المناطق التجريبية" في حال مراوحة واستنزاف. واتخذت إسرائيل من حادثة استهداف الجرافة، أمس، بمسيّرة في مرتفعات علي الطاهر ذريعة للتلويح برّد عسكري والتملص من بنود اتفاق الإطار، معلنة صراحة عدم وجود انسحابات إضافية من الجنوب. ولذلك، يحمل الوفد اللبناني إلى روما مطالب بوقف العدوان والدمار وضمان عودة النازحين وبرمجة الانسحاب الشامل، لكن تل أبيب تُصر على تحويل البحث نحو شروط تعجيزية تتعلق بحرية الحركة الأمنيّة وتفكيك البنى التحتية لحزب الله، ما يهدد بإفراغ الجولة التفاوضية المنتظرة من مضمونها.
وتحت هذه الوطأة، تكتسب زيارة عون الأولى لتركيا، ولقاؤه مع الرئيس رجب طيب أردوغان، أهمية استثنائية لكسر محاولة التفرد الإسرائيلي بلبنان. فأنقرة تُشارك بوحدة عسكرية في قوات "اليونيفيل" جنوبًا، ولها عضوية نافذة في حلف شمال الأطلسي ورابطة علاقات إقليمية واسعة، ما يؤهلها ممارسة ضغوط دولية لدعم صيغة الإطار وحشد الدعم للمؤسسة العسكرية اللبنانية لبسط سلطة الدولة حصرًا.
ولا تنفصل التفاهمات اللبنانية- التركية عن ملفات الإقليم الأكثر تعقيدًا، إذ تشمل المحادثات واقع التنسيق الأمني بين بيروت ودمشق لضبط الحدود المشتركة ومنع التهريب، مع التأكيد الرسمي اللبناني على حصر معالجة الملفات الأمنيّة بالمؤسسات الشرعية وحظر أي تدخل خارجي، فضلًا عن تحضير ظروف عودة النازحين السوريين. ويسعى لبنان إلى جذب الاستثمارات التركية لتنشيط القطاعات الإنتاجية والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة جنوبًا، للاستفادة من الإمكانات الاقتصادية التي تتيحها أنقرة لدعم مسار التعافي المالي.
وبذلك، يتحرك لبنان على رقعة شطرنج إقليمية معقدة. ويسعى إلى اعتماد خيارات الضغط الإقليمي والدولي، من خلال بناء شبكة أمان تضم باريس وأنقرة والمجموعة العربية، ورهان أساسي على دعم واشنطن في مواجهة إسرائيل وطموحاتها التوسعية. وتبقى العبرة في مدى قدرة لبنان على تحقيق الغطاء الدبلوماسي المتعدد الأطراف، من أجل إحداث توازن يعطل محاولات التفرد الإسرائيلي به، ويكفل تطبيق اتفاق الإطار، وفق المفهوم اللبناني الدقيق، والقائم على التوازن.
حادثة علي الطاهر: ذريعةٌ لتعديل قواعد التفاوض
لا تكمن خطورة استهداف الآليّة الهندسيّة الإسرائيليّة في مرتفعات علي الطاهر في حجم الخسائر، إذ لم يعلن جيش الاحتلال وقوع إصابات، بل في الطريقة التي تسعى إسرائيل إلى توظيف الحادثة من خلالها. فتل أبيب سارعت إلى وصف ما جرى بأنّه "خرقٌ فادحٌ لاتّفاق وقف إطلاق النار"، واتّهمت "حزب الله" بإطلاق مسيّرة مفخّخة، من دون تقديم أدلّة مستقلّة، وفي ظلّ غياب أيّ تبنٍّ أو تعليق رسميّ من الحزب.
هذا الغموض يمنح إسرائيل مساحةً واسعةً للمناورة. فهي تستطيع استخدام الحادثة لتبرير ردّ عسكريّ محدود، أو لتحسين شروطها قبل مفاوضات روما، أو لتكريس حقّ مزعوم في التحرّك الأمنيّ داخل الأراضي اللبنانيّة. ومن هنا، يصبح السؤال الأساسيّ سياسيًّا لا ميدانيًّا، هل تريد إسرائيل الردّ على عمليّة بعينها، أم تبحث عن واقعة تسمح لها بإعادة تعريف الاتفاق بما يخدم بقاءها العسكريّ جنوبًا؟
الإعلان الإسرائيليّ أنّ الضاحية الجنوبيّة ليست ضمن الأهداف المتداولة لا يمثّل رسالة تهدئة بقدر ما يعكس محاولةً لضبط التصعيد ضمن حدودٍ مدروسة. فإسرائيل تريد الاحتفاظ بحقّ الضرب، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تُربك حساباتها الإقليميّة أو تستجلب ضغوطًا أميركيّة وفرنسيّة أكبر.
الاحتلال يحوّل المؤقّت إلى واقعٍ دائم
تصريحات رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّة، إيال زامير، بأنّ "المعركة لم تنتهِ بعد"، وبأنّ القوّات لن تنسحب قبل ضمان "الأمن الطويل الأمد"، تكشف جوهر المقاربة الإسرائيليّة. فتل أبيب لا تتعامل مع وجودها في جنوب لبنان بوصفه وضعًا مؤقّتًا خاضعًا لاتّفاق، بل باعتباره ورقةً عسكريّةً وسياسيّةً تسمح لها بفرض شروطها على الدولة اللبنانيّة.
وبهذا المعنى، لا يعود الخلاف محصورًا في توقيت الانسحاب أو آليّاته، بل ينتقل إلى تعريف السيادة نفسها. لبنان يرى أنّ الانسحاب الكامل يجب أن يتزامن مع انتشار الجيش وتثبيت وقف النار، فيما تريد إسرائيل ربط أيّ انسحاب بضمانات أمنيّة مفتوحة، تشمل تفكيك بنى "حزب الله"، ومنح قوّاتها هامشًا للتدخّل متى رأت أنّ هناك تهديدًا.
عمليّات النسف والتجريف وإحراق المنازل في المنصوري والقنطرة وكفرتبنيت، والقصف المتواصل في النبطيّة الفوقا وعلي الطاهر، ليست مجرّد إجراءات ميدانيّة. إنّها أدوات ضغط تهدف إلى تعطيل عودة الأهالي، وإبقاء الشريط الحدوديّ منطقةً غير قابلة للحياة، وخلق وقائع ديموغرافيّة وأمنيّة يصعب التراجع عنها لاحقًا.
روما: تفاوضٌ تحت فوهة المدفع
تصل مفاوضات روما بين الرابع والسادس من آب محمّلةً بتناقضٍ أساسيّ. فالوفد اللبنانيّ يذهب لبحث وقف الاعتداءات، وبرمجة الانسحاب، وعودة النازحين، وانتشار الجيش، بينما تذهب إسرائيل لتثبيت حريّة حركتها وربط الانسحاب بإجراءات لبنانيّة أحاديّة.
لذلك، تبدو الجولة مهدّدةً بأن تتحوّل إلى إدارةٍ للأزمة بدل حلّها. فإسرائيل تستخدم التصعيد لتحسين موقعها التفاوضيّ، ثمّ تطلب من لبنان تقديم تنازلات تحت ضغط الميدان. أمّا لبنان، فيحاول منع تحويل "صيغة الإطار" إلى أداةٍ لفرض التزامات عليه وحده، في وقتٍ لا تلتزم فيه إسرائيل بوقف الأعمال العدائيّة أو الانسحاب.
ويشكّل مفهوم "المناطق التجريبيّة" نموذجًا واضحًا لهذا الخلل. فما يُطرح بوصفه ترتيبًا انتقاليًّا يمكن أن يتحوّل إلى صيغة تقسيم أمنيّ غير معلنة، ترسم إسرائيل حدودها بالنار، وتحدّد من يعود إلى أرضه ومتى، وتفرض على الدولة اللبنانيّة مهمّات أمنيّة من دون توفير شروط السيادة اللازمة لتنفيذها.
أنقرة: توسيعٌ لهامش الحركة اللبنانيّة
في هذا التوقيت، لا تبدو زيارة الرئيس جوزاف عون إلى تركيا زيارةً بروتوكوليّة. فلبنان يبحث عن توسيع دائرة الدول القادرة على مخاطبة إسرائيل، والتأثير في واشنطن، والمشاركة في حماية دور "اليونيفيل"، ودعم الجيش اللبنانيّ.
تركيا تملك عناصر قوّة متعدّدة، فهي عضو في حلف شمال الأطلسيّ، وتشارك في "اليونيفيل"، وتحافظ على شبكة علاقات متشعّبة مع قوى الإقليم. ولا يعني ذلك أنّ أنقرة قادرةٌ وحدها على تغيير الموقف الإسرائيليّ، لكنّ انخراطها يمنح بيروت هامشًا إضافيًّا، ويمنع حصر الملفّ اللبنانيّ بين الوسيط الأميركيّ والشروط الإسرائيليّة.
رسالة عون من ضريح مصطفى كمال أتاتورك حول دولة القانون والمؤسّسات لم تكن منفصلةً عن النقاش الداخليّ اللبنانيّ. فقد أراد الرئيس ربط معركة استعادة السيادة بمشروع بناء الدولة، وحصر القرار والسلاح بالمؤسّسات الشرعيّة، من دون القبول بأن يتحوّل هذا الشعار إلى شرطٍ إسرائيليّ يُفرض قبل الانسحاب.
المعادلة التي تطرحها بيروت تقوم على التوازي، انسحاب إسرائيليّ كامل، انتشار للجيش، وقف للخروقات، وآليّة دوليّة للتحقّق. أمّا تنفيذ بند واحد بمعزلٍ عن البنود الأخرى، فيعني عمليًّا منح إسرائيل مكاسب مجانيّة وإبقاء لبنان مكشوفًا.
باريس وعين التينة: محاولة توحيد المظلّة
اتّصال الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون برئيس مجلس النوّاب نبيه برّي يحمل دلالةً تتجاوز الدعم التقليديّ. ففرنسا تحاول تثبيت حضورها في الملفّ اللبنانيّ، ومنع تحوّل المفاوضات إلى مسار أميركيّ إسرائيليّ مغلق.
مطالبة برّي بجهودٍ دوليّة استثنائيّة لوقف الحرب، والانسحاب إلى الحدود الدوليّة، والإبقاء على "اليونيفيل"، تعكس سعيًا إلى توسيع المظلّة السياسيّة المحيطة بالموقف اللبنانيّ. كما أنّ لقاءه مع عون بعد فترة من الفتور يعبّر عن إدراكٍ بأنّ الانقسام الداخليّ يمنح إسرائيل قدرةً أكبر على فرض شروطها.
غير أنّ توحيد الموقف لا يكتمل باللقاءات وحدها. المطلوب صياغة ورقة لبنانيّة واحدة تحدّد أولويّات روما، وترفض الفصل بين الانسحاب وانتشار الجيش، وتربط إعادة الإعمار بعودة الأهالي، وتمنع تحويل المفاوضات إلى نقاشٍ داخليّ حول السلاح بمعزلٍ عن الاحتلال.
الجيش: عنوان السيادة وامتحان القدرة
تتقاطع مواقف عون وبرّي وقائد الجيش العماد رودولف هيكل عند اعتبار المؤسّسة العسكريّة الركيزة التنفيذيّة لأيّ تسوية. لكنّ تحميل الجيش مهمّات ضبط الحدود، والانتشار جنوبًا، ومكافحة التهريب والإرهاب، وحماية الاستقرار الداخليّ، من دون تزويده بالإمكانات اللازمة، يهدّد بتحويل الإجماع السياسيّ عليه إلى شعارٍ غير قابل للترجمة.
دعم الجيش ليس مسألةً تقنيّة، بل شرطٌ لاستعادة الدولة قرارها. فكلّ حديث عن حصر السلاح أو بسط السلطة يبقى ناقصًا ما لم تتوافر للمؤسّسة العسكريّة القدرة الماليّة والتسليحيّة واللوجستيّة على حماية الحدود ومواجهة الخروق وملء أيّ فراغ يخلّفه الانسحاب الإسرائيليّ.
وهنا تبرز أهمّيّة الانفتاح على تركيا وفرنسا والدول العربيّة، ليس للحصول على بيانات دعم، بل لبناء برنامج مستدام لتطوير قدرات الجيش، وإيجاد ضمانات سياسيّة تمنع إسرائيل من استهداف انتشاره أو تعطيل عودة الأهالي.
مظلّةٌ متعدّدة أم سباقٌ مع الوقت؟
يتحرّك لبنان بين أنقرة وباريس وواشنطن وروما بحثًا عن توازنٍ يحدّ من التفوّق الإسرائيليّ. لكنّ نجاح هذه الدبلوماسيّة يبقى مرتبطًا بثلاثة شروط، وحدة الموقف الداخليّ، وضوح الأولويّات التفاوضيّة، والقدرة على تحويل الدعم الخارجيّ إلى التزامات عمليّة.
إسرائيل تراهن على عامل الوقت، وعلى تحوّل الاحتلال المؤقّت إلى أمرٍ واقع، وعلى إنهاك القرى الحدوديّة ومنع سكانها من العودة. أمّا لبنان، فيراهن على تدويل الضغط ومنع تل أبيب من احتكار تفسير الاتفاق.
زيارة عون إلى أنقرة تشكّل خطوةً في بناء شبكة الأمان، لكنّها ليست نهاية المسار. فالمواجهة المقبلة ستكون حول مضمون "صيغة الإطار"، وحول ما إذا كانت ستؤدّي إلى استعادة السيادة، أم إلى شرعنة مناطق أمنيّة تتحكّم إسرائيل بإيقاعها وحدودها.
في المحصّلة، لا تكفي الدبلوماسيّة إن لم تستند إلى موقف داخليّ متماسك، ولا تكفي وحدة الموقف إن بقيت بلا مظلّة دوليّة فاعلة. وبين الميدان المشتعل ومفاوضات روما، يحاول لبنان أن يثبت أنّه ليس ساحةً متروكةً لإسرائيل، بل دولةٌ تبحث عن أدوات القوّة الممكنة لمنع التفرد بها، واستعادة أرضها، وحماية مجتمعها من حرب استنزاف طويلة.




