هذا وكان قد شهد الجنوب تصعيدًا إسرائيليًا متواصلًا، توزّع بين الغارات والقصف المدفعي والتفجيرات الميدانية وإحراق المنازل، إلى جانب نشاط جوي وتحركات عسكرية داخل عدد من البلدات الحدودية. وامتدت الاعتداءات من النبطية الفوقا وشمع والمنصوري إلى الطيبة وعدشيت القصير وعيتا الجبل وتلة علي الطاهر، فيما حذّر الجيش الإسرائيلي سكان المستوطنات الشمالية من دوي انفجارات ليلية نتيجة نشاط عسكري داخل الأراضي اللبنانية.
وفي موازاة التصعيد الميداني، جاءت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى تركيا ولقاؤه الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث شدد عون على تمسك لبنان بسيادته وكرامته الوطنية وبناء دولة فاعلة، فيما أعلن أردوغان استعداد بلاده لدعم إعادة إعمار الجنوب، ومواصلة مساندة المؤسسات اللبنانية، والمشاركة في ترتيبات حفظ الأمن بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل".
ووسط استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاق الإطار، يسود الترقّب لبنان حيال طبيعة الاعتداء الإسرائيليّ المحتمل، رداً على تعرّض الآليّة الهندسيّة التابعة للقوات الإسرائيلية لهجوم بمسيّرة مفخّخة في مرتفعات علي الطاهر، علماً أن حزب الله لم يصدر أيّ إعلان بتبنّي العمليّة أو أي تعليق رسميّ على الاتّهامات الإسرائيليّة بتنفيذ العملية. ووفق وسائل إعلام إسرائيليّة، هذا الحادث هو الأوّل من نوعه منذ دخول اتّفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. وقد أعاد مرتفعات علي الطاهر إلى واجهة التطوّرات الميدانيّة.
الضاحية خارج خيارات الردّ المتداولة
وأفادت "القناة 14" الإسرائيليّة بأنّ الجيش يدرس تنفيذ ردّ عسكريّ على استهداف الآليّة، ناقلةً عن مصادر أمنيّة أنّ الخيارات المطروحة لا تشمل الضاحية الجنوبيّة لبيروت.
وقالت القناة: "لإزالة أيّ شكّ، فإنّ الضاحية الجنوبيّة ليست مطروحةً كهدف في الردّ"، من دون الكشف عن طبيعة الأهداف أو توقيت العمليّة المحتملة.
وفي ظلّ غياب تبنٍّ رسميّ من "حزب الله"، تبقى الرواية المتعلّقة بالجهة التي أطلقت المسيّرة مستندةً إلى إعلان الجيش الإسرائيليّ وحده، فيما تتّجه الأنظار إلى التداعيات التي قد تترتّب على الحادث ميدانيًّا وسياسيًّا.
علي الطاهر مجدّدًا في واجهة المواجهة
وتتمتّع مرتفعات علي الطاهر بأهمّيّة عسكريّة واستراتيجيّة، نظرًا إلى موقعها المطلّ على عدد من بلدات قضاء النبطيّة والطرق المحيطة بها. وكانت المنطقة قد تعرّضت لقصف إسرائيليّ متواصل، وسط تضارب في الروايات بشأن مدى سيطرة قوّات الاحتلال عليها.
ويأتي استهداف الآليّة في وقت يواصل الجيش الإسرائيليّ عمليّاته في المنطقة، فيما كانت تقارير قد تحدّثت عن ضغوط أميركيّة للحدّ من التصعيد ومنع توسيع الهجمات، ولا سيّما في المناطق التي تشهد انتشارًا للجيش اللبنانيّ.
جدلٌ حول نترات الأمونيوم في حولا
بالتزامن، علّق الناطق باسم الجيش الإسرائيليّ على إعلان قوّات الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان، "اليونيفيل"، العثور على نحو أربعة أطنان من مركّبات نترات الأمونيوم داخل مبنى مهجور في بلدة حولا الحدوديّة.
وقال إنّ هذه المادّة تُستخدم في أنحاء العالم لأغراض عسكريّة، فضلًا عن استعمالات هندسيّة ومدنيّة، مضيفًا أنّ الجيش الإسرائيليّ يستخدمها في بعض احتياجاته العمليّاتيّة، ومنها تدمير منشآت وبنى تحتيّة في مناطق سبق أن وجّه إليها إنذارات.
وكانت "اليونيفيل" قد أعلنت العثور، خلال عمليّة تفتيش روتينيّة في الثاني من تمّوز، على 385 حاوية تحتوي على نحو أربعة آلاف كيلوغرام من الموادّ المتفجّرة، تتكوّن بصورة أساسيّة من مركّبات نترات الأمونيوم، فيما أفادت تقارير بأنّ بعض الحاويات حمل كتابات باللغة العبريّة.
زامير يلوّح بتوسيع العمليّات
وجاء التصعيد بالتزامن مع جولة أجراها رئيس هيئة الأركان الإسرائيليّة، إيال زامير، في جنوب لبنان، أعلن خلالها أنّ "المعركة لم تنتهِ بعد"، ملوّحًا بتوسيع نطاق العمليّات العسكريّة والإبقاء على القوّات الإسرائيليّة في المناطق التي احتلّتها.
وقال الجيش الإسرائيليّ إنّ زامير أجرى الجولة برفقة قائد المنطقة الشماليّة، اللواء رافي ميلو، وقائد الفرقة 91، العميد يوفال غاز، وعدد من الضبّاط، كما التقى قادةً وجنودًا من لواء "كفير"، واطّلع على جاهزيّة القوّات المنتشرة في المنطقة.
وادّعى زامير أنّ الجيش الإسرائيليّ سيطر على مناطق في جنوب لبنان ويواصل ما سمّاه "تطهيرها من البنى التحتيّة الإرهابيّة"، مضيفًا: "إذا اقتضت الحاجة، فسنوسّع نطاق عمليّاتنا ليشمل مناطق إضافيّة".
كما أعلن أنّ القوّات الإسرائيليّة لن تنسحب من المناطق التي احتلّتها قبل ضمان ما وصفه بـ"الأمن الطويل الأمد"، داعيًا الجنود إلى الاستعداد لتغيّرات سريعة ومجموعة واسعة من السيناريوهات.
اعتداءاتٌ وعمليّات نسف في الجنوب
ميدانيًّا، واصلت قوّات الاحتلال اعتداءاتها على عدد من البلدات الجنوبيّة، منفّذةً عمليّات نسف وتجريف وإحراق للمنازل، إلى جانب القصف المدفعيّ وعمليّات التمشيط بالأسلحة الرشّاشة.
وشملت الاعتداءات، وفق المعلومات الميدانيّة، منطقة المشاع في بلدة المنصوري، حيث عمدت القوّات الإسرائيليّة إلى تفجير ما تبقّى من منازل، إضافةً إلى قصف النبطيّة الفوقا ومرتفعات علي الطاهر.
كما نُفّذت عمليّات تمشيط بين النبطيّة الفوقا وزوطر الشرقيّة، وعلى أطراف المنصوري وحداثا، فيما أقدمت قوّات الاحتلال على إحراق عدد من المنازل في بلدة القنطرة.
مفاوضات روما تحت ضغط الميدان
ويأتي التصعيد قبل جولة جديدة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركيّة، يُنتظر عقدها في العاصمة الإيطاليّة روما بين الرابع والسادس من آب.
وتندرج الجولة في إطار متابعة تنفيذ الاتّفاق الذي توسّطت فيه الولايات المتّحدة، والبحث في إنشاء ما يُعرف بـ"المناطق التجريبيّة"، بالتزامن مع مساعٍ لبنانيّة لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة وأعمال النسف والتجريف، وتسريع انسحاب قوّات الاحتلال وانتشار الجيش اللبنانيّ.
وتثير التطوّرات في علي الطاهر مخاوف من أن ينعكس التصعيد العسكريّ على مسار المفاوضات، أو أن تستخدمه إسرائيل ذريعةً لتوسيع عمليّاتها وفرض وقائع ميدانيّة جديدة قبيل انعقاد الجولة.
لقاء عون وبرّي بعد فتورٍ سياسيّ
سياسيًّا، زار رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في قصر بعبدا، في لقاء أنهى مرحلةً من الفتور في العلاقة بين الرجلين.
وبحسب بيان رئاسة الجمهوريّة، أطلع عون رئيس المجلس على نتائج زيارته إلى الولايات المتّحدة والمحادثات التي أجراها مع المسؤولين الأميركيّين، وفي مقدّمهم الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجيّة ماركو روبيو.
وقال برّي، لدى مغادرته قصر بعبدا، إنّ البحث تناول زيارة عون إلى واشنطن والأوضاع في الجنوب، مؤكّدًا أنّه خرج من اللقاء "مرتاحًا كالمعتاد".
ويكتسب اللقاء أهمّيّةً في ظلّ الاستحقاقات الدبلوماسيّة والأمنيّة المرتقبة، والحاجة إلى توحيد الموقف اللبنانيّ قبيل مفاوضات روما، خصوصًا في ما يتّصل بالانسحاب الإسرائيليّ وانتشار الجيش ووقف الاعتداءات.
عون: الدبلوماسيّة طريق إنهاء الحروب
وفي موقفٍ منفصل، جدّد عون تأكيده أنّ الحروب لا توصل إلى نتائج مستدامة، ولا تترك وراءها سوى الدمار والفقر، مشدّدًا على ضرورة اعتماد الخيار الدبلوماسيّ لمعالجة النزاعات.
وقال إنّ الحروب تنتهي إمّا باقتناع الطرفين بعدم قدرتهما على حسمها والجلوس إلى طاولة التفاوض، وإمّا بغلبة طرف على آخر، معتبرًا أنّ طريق الدبلوماسيّة، على الرغم من صعوبته، ليس مستحيلًا.
وأضاف أنّ على اللبنانيّين بذل الجهود اللازمة لتجنّب تكرار الأخطاء، بعدما اختبر لبنان على مدى سنوات طويلة تداعيات الحروب والخيارات التي أضعفت الدولة وعرّضت البلاد للدمار.
بلاغ بحث وتحرّ بحقّ صحناوي
قضائيًّا، أصدر النائب العام التمييزيّ، القاضي أحمد رامي الحاج، بلاغ بحث وتحرّ لمدّة ثلاثين يومًا بحقّ رجل الأعمال والمصرفيّ اللبنانيّ أنطون صحناوي، على خلفيّة صورة جمعته برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو خلال مأدبة عشاء في واشنطن.
وجاء الإجراء بعد التحقّق الفنّيّ من صحّة الصورة المتداولة، وعدم تعرّضها للتعديل أو التلاعب الرقميّ، فيما يرتبط البلاغ بشبهة "التعامل مع العدوّ الإسرائيليّ" وخرق قانون مقاطعة إسرائيل.
وتعود القضيّة إلى شكوى تقدّم بها المحامي واصف الحركة أمام النيابة العامّة التمييزيّة، طالب فيها بفتح تحقيق في ظروف اللقاء وطبيعته، وتحديد ما إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى صحناوي تشكّل مخالفات يعاقب عليها القانون اللبنانيّ.
ولا يعني صدور بلاغ البحث والتحرّي ثبوت الاتّهامات قضائيًّا، إذ يبقى تحديد المسؤوليّة منوطًا بنتائج التحقيق والإجراءات القضائيّة اللاحقة.




