دخل الجنوب مستوى عاليًا من السخونة اليوم، في خضم امتحان "المناطق التجريبية" وقبيل انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية- الإسرائيلية المقررة في روما. ويقف الميدان الجنوبي على حد السيف بين جهود التهدئة وخطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع. ويأتي الإعلان الإسرائيلي عن استهداف آلية هندسية من نوع D9 بمسيّرة انتحارية في مرتفعات علي الطاهر ليضع اتفاق وقف النار أمام الاختبار الأكثر خطورة منذ دخوله حيز التنفيذ. ويزيد المخاوف اتجاه المواجهة الأميركية مع إيران إلى مستوى أعلى. ويتخذ هذا المنحى أبعادًا أكثر خطورة بعد قمة ترامب- نتنياهو.
تكتسب مرتفعات علي الطاهر، المطلة على النبطية وقضاء مرجعيون، أهمية استراتيجية استثنائية. وتشير تقارير عبرية إلى أن القوات الإسرائيلية تحاول فرض طوق عملياتي على هذه المرتفعات لإحكام الحصار على شبكة أنفاق معقدة تعود لـ"قوة الرضوان"، حيث لا يزال عشرات العناصر يتحصنون تحت الأرض، كما تقول إسرائيل. وجاء حادث استهداف الآلية الهندسية الإسرائيلية في تلك المنطقة ليمنح المستوى السياسي في تل أبيب فرصة التهديد بردّ جوي وشيك، مع "إيضاحات" بأن هذا الردّ لن يطال الضاحية الجنوبية لبيروت.
وليس مستبعدًا أن تستغل إسرائيل هذا التطور التكتيكي، ذريعة إضافية، للامتناع عن تقديم أي انسحابات إضافية في روما، مع الإصرار على شرط "حرية الحركة الأمنية والعسكرية" داخل الأراضي اللبنانية لضمان خلو القرى من أي بنى تحتية عسكرية. فالإسرائيليون يريدون الاحتفاظ لأنفسهم بهامش العودة إلى القرى التي انسحبوا منها وانتشر فيها الجيش، للتثبت من خلوها من وجود لحزب الله وسلاحه. وهذا مطلب لا يقبل به لبنان الرسمي بالمطلق، لأنه يعني عملياً بقاء الاحتلال.
في الموازاة، شهدت الساحة الداخلية اليوم حركة تواصل بارزة تجسدت في اللقاء الدافيء في القصر الرئاسي بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وعلى أهمية هذه الخطوة في إرساء تنسيق رسمي بين أركان الحكم ورسم موقف موحد تحمله بيروت إلى مفاوضات روما، يقوم على المطالبة بوقف العدوان وضمان عودة النازحين وبدء الإعمار وبرمجة الانسحاب، فإن هذا التقدم يستدعي التحول إلى مبادرة قوية قادرة على مواجهة الشروط الإسرائيلية، أي إلى حال استنفار طارئ. فالمشهد المتشكل في الجنوب يشي بأنه يقف عند نقطة تحول مفصلية. والشرارة التي انطلقت من علي الطاهر قد تتسبب برد مدروس، ولكن أيضًا ربما تتحول تفجيرًا ميدانيًا واسعًا يطيح المسار السياسي، ويفتح الباب لمواجهة واسعة لا تعرف تداعياتها.
حادثة عسكرية أم ورقة تفاوض إسرائيلية؟
لا تكمن خطورة حادثة علي الطاهر في حجم الأضرار التي لحقت بالآلية الهندسية الإسرائيلية، ولا في حصيلتها البشرية المعدومة وفق الرواية الإسرائيلية، بل في التوقيت السياسي الذي اختارته تل أبيب لإعلانها وتضخيمها. فالحادث وقع عشية جولة روما، وبعد لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفي لحظة تحاول فيها إسرائيل تثبيت قواعد جديدة لوجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية.
وبذلك، يتحوّل استهداف آلية غير مأهولة إلى مادّة سياسية قابلة للاستثمار. إسرائيل لا تتعامل مع الحادث بوصفه خرقًا محدودًا فحسب، بل بوصفه دليلًا تستخدمه لتبرير استمرار احتلالها نقاطًا جنوبية، وإبقاء قواتها داخل ما تسمّيه "المنطقة الأمنية"، ورفضها تقديم جدول زمني واضح للانسحاب.
كما يتيح الحادث لنتنياهو نقل النقاش من الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، بما فيها نسف المنازل وتجريف الأراضي وقصف القرى، إلى سؤال مختلف تمامًا عنوانه "ضمان أمن القوات الإسرائيلية". وهكذا، تصبح الدولة المعتدية في موقع المطالب بالضمانات، فيما يُدفَع لبنان إلى موقع المتّهم العاجز عن ضبط حدوده.
أما الحديث الإسرائيلي عن أن الردّ لن يشمل الضاحية الجنوبية لبيروت، فلا يشكّل رسالة تهدئة بقدر ما يشكّل تحديدًا أوليًّا لسقف الضربة. فالإعلان المسبق عن استبعاد الضاحية يعني، ضمنًا، أن الجنوب بات ميدانًا مفتوحًا لضربات محسوبة، وأن تل أبيب تريد تكريس معادلة تسمح لها بالتصعيد تحت سقف منع الحرب الشاملة.
مرتفعات علي الطاهر ومعركة تغيير الوقائع
تمثّل مرتفعات علي الطاهر عقدة جغرافية وعسكرية تطلّ على النبطية وقلعة الشقيف ومساحات واسعة من قضاء مرجعيون. ولذلك، فإن السيطرة العملياتية عليها لا تقتصر على بعدها التكتيكي، بل تمنح إسرائيل قدرة على المراقبة والضغط والتحكّم بمسارات الحركة في محيط واسع.
وتُظهر الرواية الإسرائيلية بشأن وجود أنفاق وعناصر من "قوة الرضوان" تحت الأرض محاولة واضحة لتقديم الاحتلال باعتباره ضرورة أمنية مؤقتة. غير أن هذه المؤقتية تتحوّل تدريجيًّا إلى واقع دائم، خصوصًا مع تمسّك إسرائيل بالبقاء عند مداخل الأنفاق المزعومة ومنع الجيش اللبناني من بسط سلطته الكاملة على المناطق المعنية.
ويكشف هذا السلوك أن إسرائيل لا تفاوض على انسحاب تقليدي، بل على صيغة تمنحها حقّ العودة إلى الأراضي اللبنانية متى قرّرت أن تهديدًا أمنيًّا قد ظهر. وهذا هو جوهر مطلب "حرية الحركة العسكرية والأمنية"، الذي يعني عمليًّا انتزاع اعتراف لبناني بحقّ التدخّل الإسرائيلي المستمرّ.
إن قبول هذا الشرط سيحوّل أي انسحاب إلى إعادة انتشار قابلة للعكس، وسيجعل السيادة اللبنانية مشروطة بالتقييم الأمني الإسرائيلي. ومن هنا، فإن معركة روما لا تدور فقط حول عدد النقاط التي ستنسحب منها إسرائيل، بل حول طبيعة السلطة التي ستملك القرار النهائي في الجنوب، الدولة اللبنانية أم الجيش الإسرائيلي.
روما أمام اختبار المناطق التجريبية
تذهب بيروت إلى الجولة السابعة من المفاوضات وهي تحمل ملفّات مترابطة، وقف الاعتداءات، توسيع المناطق التجريبية، عودة الأهالي، إطلاق الإعمار، وبرمجة الانسحاب الإسرائيلي الكامل. لكنّ إسرائيل تذهب بأولويّة مختلفة، تثبيت خطوط انتشارها الحالية والحصول على ضمانات تمنحها حقّ إعادة التدخّل.
وقد أبلغت تل أبيب الوسطاء، وفق التقارير الإسرائيلية، أنّها لا تعتزم الانسحاب من مناطق إضافية داخل ما تسمّيه "المنطقة الأمنية"، وأن أي توسّع مستقبلي للانسحاب لن يشمل مواقعها الدفاعية المحاذية لما تصفه بـ"الخط الأصفر". وهذا الموقف يفرغ فكرة المناطق التجريبية من مضمونها، ويحوّلها من مسار يقود إلى انسحاب شامل إلى آليّة لإدارة احتلال طويل الأمد.
وتواجه الدولة اللبنانية هنا خطر الوقوع في فخّ التفاوض الجزئي. فكلّما جرى حصر النقاش بقرية أو نقطة أو مرحلة تجريبية، تراجعت الأولويّة الأساسية المتمثّلة بإنهاء الاحتلال. كما تصبح إسرائيل قادرة على ربط كلّ خطوة انسحابية بشروط أمنية جديدة، أو بحوادث ميدانية يمكن تضخيمها وتوظيفها سياسيًّا.
لذلك، يحتاج الوفد اللبناني إلى موقف يتجاوز طلب توسيع التجربة، ويعيد تثبيت مبدأ أن الانسحاب التزام غير قابل للمقايضة، وأن انتشار الجيش اللبناني لا يمكن أن يجري تحت رحمة النار الإسرائيلية أو ضمن مناطق تسمح تل أبيب لنفسها بالعودة إليها.
الجنوب بين النسف الممنهج وهندسة المنطقة العازلة
لا تبدو عمليات التفجير في المنصوري وكفرتبنيت وحولا والقنطرة، وأعمال التجريف في كفرشوبا، حوادث منفصلة عن المسار السياسي. فإسرائيل تستخدم الوقت الفاصل بين جولات التفاوض لإحداث تغييرات ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقًا.
نسف المنازل لا يحقّق هدفًا عسكريًّا آنيًّا فقط، بل يضرب إمكان عودة السكان ويحوّل القرى الحدودية إلى مساحات خالية أو شبه خالية. وكلّما تأخّرت العودة والإعمار، أصبح الواقع الديموغرافي الجديد عنصرًا مساعدًا لترسيخ منطقة عازلة غير معلنة.
ويأتي العثور على آلاف الكيلوغرامات من المواد المتفجّرة قرب حولا، داخل حاويات قيل إن عليها كتابات عبرية، ليزيد الشكوك بشأن طبيعة عمليات الهدم التي نُفّذت في الجنوب. ومع أن تحديد المسؤولية القانونية والتقنية يحتاج إلى تحقيق رسمي، فإن الحادث يفرض سؤالًا أساسيًّا عن حجم المواد الخطرة التي خلّفتها العمليات العسكرية، وعن قدرة الأهالي على العودة الآمنة.
كما أن تعذّر انتشار الجيش اللبناني الكامل بين زوطر الغربية وزوطر الشرقية يختصر أزمة "المناطق التجريبية". فالجيش يُطلَب منه تثبيت الأمن، لكنه يعمل بمحاذاة أراضٍ محتلة، وتحت طائرات مسيّرة، وفي ظلّ استمرار القصف والتفجيرات. وهذه بيئة تجعل أي تقييم موضوعي للتجربة ناقصًا، لأن نجاحها يحتاج أولًا إلى وقف الاعتداءات وإزالة العوائق الإسرائيلية.
واشنطن تمنح إسرائيل هامشًا أوسع
كان لبنان يراهن على أن يفضي لقاء ترامب ونتنياهو إلى ضغط أميركي يسرّع الانسحاب. غير أن التسريبات الإسرائيلية التي تحدّثت عن عدم مطالبة ترامب بانسحاب إسرائيل من أي جبهة بدّدت جزءًا كبيرًا من هذا الرهان.
ويؤكد خطاب مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الأولويّة الأميركية تتركّز على إنهاء الدور العسكري لـ"حزب الله" وتعزيز سلطة الدولة. لكنّ هذا الخطاب لا يقترن، وفق المعطيات المتاحة، بضغط موازٍ لإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي المحتلة.
وهنا تظهر مشكلة عميقة في المقاربة الأميركية، إذ يجري التعامل مع السيادة اللبنانية بوصفها مطلبًا موجّهًا إلى الداخل اللبناني فقط، فيما يُمنَح الخرق الإسرائيلي للسيادة توصيفًا أمنيًّا أو تفاوضيًّا. وبهذا الاختلال، تصبح المفاوضات وسيلة لفرض التزامات على لبنان، لا إطارًا متوازنًا لتطبيق وقف إطلاق النار.
كما يزيد التوتر الأميركي، الإيراني من هشاشة الساحة اللبنانية. فإذا ارتفعت حدّة المواجهة الإقليمية، قد يتحوّل الجنوب إلى ساحة رسائل متبادلة، وقد تستخدم إسرائيل أي حادث لتوسيع عملياتها تحت عنوان قطع النفوذ الإيراني أو منع إعادة بناء قدرات "حزب الله".
لقاء عون وبري وإعادة ترميم القرار الرسمي
في هذا المناخ، اكتسب لقاء الرئيس جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري أهميّة تتجاوز المصالحة الشكلية بعد فترة من الفتور. فالترحيب الحار بين الرجلين أعاد فتح قناة مباشرة يحتاج إليها لبنان قبل مفاوضات روما، ولا سيّما أن الانقسام بين الرئاستين كان يضعف قدرة الدولة على صياغة موقف واحد.
لكنّ نجاح اللقاء لا يُقاس بحرارة العبارات، بل بقدرته على إنتاج خريطة طريق. المطلوب هو اتفاق رسمي على ثوابت واضحة، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، رفض حرية الحركة الإسرائيلية، تمكين الجيش، حماية عودة الأهالي، ورفض تحويل المناطق التجريبية إلى بديل من السيادة.
كما أن بري، بصفته رئيسًا للمجلس النيابي وممثّلًا سياسيًّا أساسيًّا للبيئة الشيعية، يستطيع لعب دور في تخفيف الهوّة بين بعبدا و"حزب الله". إلا أن هذا الدور يحتاج إلى تفاهم صريح بشأن قرار الحرب والسلم، وحدود الحركة العسكرية، وطريقة التعامل مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
فالفراغ في التواصل بين الحزب ورئاسة الجمهورية يترك مساحة واسعة لسوء التقدير. وإذا كانت الدولة تتفاوض باسم لبنان، فإن نجاحها يتطلّب منع أي ازدواجية ميدانية يمكن أن تستخدمها إسرائيل ذريعة لتعطيل الانسحاب.
عشاء واشنطن واختبار المحظور اللبناني
في موازاة التصعيد، أثارت صورة رجل الأعمال والمصرفي أنطون صحناوي إلى جانب نتنياهو في مأدبة عشاء بواشنطن عاصفة سياسية وقضائية. ولا تنفصل رمزية الصورة عن المسار الجاري لدفع لبنان نحو مفاوضات تتجاوز الترتيبات الأمنية إلى اتفاق سياسي أوسع.
فالمجاهرة بلقاء مسؤول إسرائيلي في المطلق، وخصوصاً فيما تتعرّض قرى لبنانية للقصف والنسف، تطرح أسئلة تتخطّى الحرية الشخصية إلى حدود القوانين اللبنانية ومفهوم التعامل مع إسرائيل. وقد جاء تكليف شعبة المعلومات التدقيق في الصورة، إلى جانب الإخبارات والادعاءات القضائية، ليعيد الملف إلى المرجعية المختصّة.
لكنّ القضية تكشف أيضًا وجود محاولة لكسر المحظور السياسي والاجتماعي المتعلّق بالتطبيع، عبر تقديم العلاقات مع إسرائيل بوصفها خيارًا واقعيًّا أو حتميًّا. وتستفيد هذه المقاربة من الانتقال إلى المفاوضات المباشرة كي تخلط بين التفاوض الذي تفرضه ضرورات وقف العدوان، وبين بناء علاقات طبيعية قبل إنهاء الاحتلال وحسم النزاع.
لبنان أمام لحظة قرار لا جولة تفاوض عادية
لا تبدو جولة روما المقبلة محطة تقنية لتقييم المناطق التجريبية، بل لحظة فاصلة ستحدّد اتجاه المرحلة. فإما أن تنجح بيروت في إعادة النقاش إلى أصل المشكلة، أي الاحتلال والاعتداءات وحقّ الأهالي في العودة، وإما أن تنجرّ إلى تفاوض على تفاصيل أمنية تمنح إسرائيل شرعية الحركة داخل لبنان.
حادثة علي الطاهر رفعت مستوى المخاطر، لكنها كشفت أيضًا هشاشة الاتفاق القائم. فوقف إطلاق النار الذي لا يمنع النسف والتجريف والتوغّل، ولا يضمن انتشار الجيش وعودة السكان، يبقى هدنة غير متوازنة قابلة للانهيار.
ويحتاج لبنان، قبل الذهاب إلى روما، إلى استنفار سياسي ودبلوماسي لا يكتفي بإدارة الأزمة. المطلوب موقف موحّد، وخطاب واضح أمام الوسطاء، وتحريك قانوني ودولي يوثّق الاعتداءات ويمنع تحويل الوقائع العسكرية إلى حقوق مكتسبة لإسرائيل.
فالجنوب اليوم ليس أمام حادث أمني عابر، بل أمام محاولة لإعادة رسم قواعد السيادة والحدود. وإذا لم تحوّل الدولة التنسيق بين عون وبري إلى قرار سياسي متماسك، فقد تصبح مفاوضات روما منصّة لتثبيت ما صنعته إسرائيل بالنار، بدل أن تكون طريقًا لإنهاء الاحتلال واستعادة الاستقرار.




