لوّح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، بتوسيع نطاق العمليّات العسكريّة والتوغّل في مناطق إضافيّة داخل لبنان، في وقت تواجه فيه الخطّة الأميركيّة للانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الجنوب تعقيدات ميدانيّة وسياسيّة متزايدة، ولا سيّما في ظلّ ربط تنفيذها بنزع سلاح حزب الله.
وقال زامير، خلال جولة ميدانيّة في جنوب لبنان: "إذا تطلّب الأمر، فسنتوغّل إلى عمق أكبر ونصل إلى مناطق إضافيّة"، مؤكّدًا أنّ قوّاته "مستعدّة لأيّ تغيير في الوضع، وجاهزة للتعامل مع طيف واسع من السيناريوهات".
وجاءت تصريحات زامير وسط تقارير إسرائيليّة تحدّثت عن دراسة الجيش تنفيذ ضربات ضدّ أنفاق يُعتقد أنّها تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر، ردًّا على هجوم بمسيّرة مفخّخة استهدف آليّة هندسيّة عسكريّة إسرائيليّة.
الجيش الإسرائيلي ينتظر قرار نتنياهو
ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة حدّدت أنفاقًا تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر ضمن قائمة الأهداف المحتملة، لكنّ تنفيذ العمليّة لا يزال ينتظر موافقة القيادة السياسيّة ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ويعتبر الجيش الإسرائيلي الهجوم بالمسيّرة خرقًا لاتّفاق وقف إطلاق النار في لبنان، فيما لم يصدر عن حزب الله، وفق المعلومات الواردة، تعليق يوضح ملابسات الهجوم أو طبيعته.
وأجرى زامير جولته برفقة قائد المنطقة الشماليّة، اللواء رافي ميلو، وقائد الفرقة 91، العميد يوفال غاز، وعدد من كبار الضبّاط، حيث اطّلع على جاهزيّة القوّات والوحدات المنتشرة في القطاع.
تلويح بتعميق العمليّات العسكريّة
خلال لقائه قادة وجنود لواء كفير، الذي بدأ تنفيذ عمليّات برّيّة في جنوب لبنان بعد فترة طويلة من القتال في قطاع غزّة، شدّد زامير على أنّ "المعركة على جميع الجبهات لم تنتهِ بعد".
وخاطب الجنود قائلًا: "عليكم الحفاظ على أعلى درجات اليقظة، والاستعداد للتكيّف السريع، والتحرّك بسرعة وبروح هجوميّة، وتعميق الضرر الذي يلحق بالعدوّ".
وأشار إلى أنّ القوّات الإسرائيليّة سيطرت على مناطق داخل الأراضي اللبنانيّة، وتعمل، وفق تعبيره، على "تطهيرها من البنى التحتيّة الإرهابيّة"، مدّعيًا أنّ حزب الله استخدمها للتحضير لعمليّات ضدّ بلدات شمال إسرائيل.
وأضاف: "الجيش الإسرائيلي مسؤول عن الأمن، ولن ننسحب من المناطق التي سيطرنا عليها قبل ضمان أمن طويل الأمد"، في موقف يعكس تمسّك إسرائيل بربط الانسحاب بترتيبات أمنيّة واسعة وغير محدّدة زمنيًّا.
"المناطق التجريبيّة" في قلب الاتّفاق
بالتوازي مع التصعيد الإسرائيلي، تواجه الخطّة الأميركيّة للانسحاب التدريجي من جنوب لبنان صعوبات منذ مراحلها الأولى، بعدما كشفت تجربة بلدة زوطر الغربيّة حجم التعقيدات المحيطة بربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله.
وبحسب تقرير نشرته وكالة "رويترز"، يشكّل "برنامج المناطق التجريبيّة" محور اتّفاق الإطار الذي جرى التوصّل إليه في 26 حزيران، بهدف إنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وتهيئة الظروف لإقامة علاقات سلميّة بين لبنان وإسرائيل.
غير أنّ حزب الله لا يزال يرفض التخلّي عن سلاحه، فيما أثارت الخطّة مخاوف لبنانيّة من احتمال اندلاع صدام داخلي، في حال محاولة الدولة تنفيذ عمليّة نزع السلاح بالقوّة.
ونقلت الوكالة عن مسؤول عسكريّ لبنانيّ رفيع قوله إنّ إنشاء المنطقة التجريبيّة الأولى في زوطر الغربيّة استغرق أسابيع من المفاوضات برعاية أميركيّة، إضافة إلى أيّام من العمليّات العسكريّة.
كما رجّح مسؤولون لبنانيّون وأمنيّون أجانب أن تستغرق عمليّة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانيّة أكثر من عام.
توتّرات أعقبت انتشار الجيش اللبناني
عقب انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربيّة وانسحاب القوّات الإسرائيليّة منها، سُجّلت توتّرات ميدانيّة متسارعة، إذ أطلقت القوّات الإسرائيليّة طلقات تحذيريّة، بعدما اتّهمت وحدات الجيش اللبناني بالاقتراب من مواقعها.
ولم يتّضح ما إذا كانت القوّات المنسحبة قد غادرت الأراضي اللبنانيّة فعلًا، أم أعادت تموضعها في مناطق قريبة.
وأمضى الجيش اللبناني يومين في إزالة الأنقاض ومرافقة فرق الإسعاف لانتشال جثامين مقاتلين من حزب الله، قبل السماح للنازحين بالعودة إلى البلدة ضمن قوافل منظّمة في 24 تمّوز.
لكنّ حجم الدمار الواسع حال دون بقاء معظم العائدين، في ظلّ تضرّر المنازل والبنى التحتيّة، وغياب المقوّمات الأساسيّة للحياة.
نصف زوطر الغربيّة تحوّل إلى ركام
قال رئيس بلديّة زوطر الغربيّة، عبد عزّ الدين، إنّ نحو نصف البلدة تحوّل إلى ركام، متسائلًا عن جدوى اعتماد نموذج "المنطقة التجريبيّة"، في ظلّ بقاء عشرات البلدات تحت السيطرة الإسرائيليّة، وعدم توافر ظروف أمنيّة تسمح بإطلاق عمليّة إعادة الإعمار.
ولا تزال القوّات الإسرائيليّة منتشرة في بلدات تقع شمال زوطر الغربيّة وشرقها، إضافة إلى قلعة الشقيف وعشرات القرى الواقعة جنوبًا.
وقد تشكّل منطقة علي الطاهر اختبارًا أساسيًّا للخطّة، في ظلّ المزاعم الإسرائيليّة بشأن وجود مركز قيادة ومخازن أسلحة تابعة لحزب الله فيها، واحتمال استهدافها ضمن أيّ ردّ عسكريّ مرتقب.
غموض يحيط بآليّة التحقّق
بموجب الاتّفاق، يُفترض أن يتولّى طرف ثالث التحقّق من نزع السلاح، قبل أن تبدأ إسرائيل إعادة انتشار تدريجيّة خارج الأراضي اللبنانيّة.
لكنّ هويّة هذا الطرف وآليّة عمله لم تُحدّدا بعد، ما يضيف عقبة جديدة أمام تنفيذ الخطّة، ويفتح الباب أمام خلافات بشأن معايير التحقّق وحدود المناطق المشمولة بالانسحاب.
وفي محاولة لتسريع العمليّة، يعتزم لبنان اقتراح تقسيم الأراضي المحتلّة إلى منطقتين أو ثلاث مناطق تجريبيّة كبيرة، تضمّ كلّ منها عشرات البلدات، بدلًا من اعتماد آليّة الانسحاب التدريجي من قرية إلى أخرى.
في المقابل، يؤكّد مسؤولون إسرائيليّون أنّ القوّات ستبقى في جنوب لبنان ما دام وجودها هناك ضروريًّا من وجهة نظرهم، ما يعكس استمرار التباعد بشأن الجدول الزمني للانسحاب وشروط تنفيذه.
مهامّ متوسّعة وضغوط على القوّات
تطرّق زامير، خلال جولته، إلى الضغوط التي يتعرّض لها الجنود الإسرائيليّون بعد ما يقارب ثلاث سنوات من القتال المتواصل، معتبرًا أنّ هذه المرحلة تفرض تحدّيات قياديّة وعملياتيّة كبيرة.
وأشاد بأداء الكتيبتين 97 و607، وقال إنّ الجيش استثمر في تطوير قدراتهما، وإنّهما أثبتتا كفاءة في ساحات القتال، على حدّ تعبيره.
كما دعا إلى زيادة عدد القوّات المقاتلة، قائلًا: "نحن نعمل داخل لبنان وسوريا وغزّة والضفّة الغربيّة، وفي ساحات إضافيّة. مهامّنا تتوسّع، ولذلك نحتاج إلى توسيع الجيش وزيادة عدد القوّات المقاتلة لتلبية هذه المتطلّبات".
وأشار إلى أنّ قيادة الجيش تسعى إلى منح الألوية النظاميّة فترات راحة، وتقليص مدّة استدعاء قوّات الاحتياط قدر الإمكان، في ظلّ استمرار القتال واتّساع نطاق المهمّات العسكريّة.
وتضع هذه التطوّرات مستقبل الترتيبات الأمنيّة في جنوب لبنان أمام اختبار بالغ التعقيد، إذ تتقاطع تهديدات التوسّع العسكريّ الإسرائيلي مع تعثّر خطّة الانسحاب، وغموض آليّة نزع السلاح، والمخاوف من تحوّل المناطق التجريبيّة إلى بؤر جديدة للتوتّر بدل أن تكون مدخلًا إلى التهدئة.




