لم يعد النقاش المتعلّق بما يُعرف بـ"الخطّ الأصفر" محصورًا في تفاصيل تقنيّة مرتبطة بالمناطق التجريبيّة أو بآليّات انتشار الجيش اللبنانيّ. فطريقة التعاطي الإسرائيليّة مع هذا الخطّ تكشف توجّهًا يتجاوز إدارة مرحلةٍ انتقاليّة، إلى محاولة تثبيت واقعٍ أمنيّ وجغرافيّ جديد، تتعامل فيه إسرائيل مع مواقع احتلالها بوصفها حدودًا قابلةً للترسيخ والتوسّع، لا نقاطًا يُفترض الانسحاب منها تباعًا.
وفي ظلّ غياب أيّ جدولٍ زمنيّ ملزم للانسحاب الكامل، تبدو المفاوضات مرشّحةً لأن تمتدّ سنوات، فيما تُراكم إسرائيل وقائع ميدانيّة وسياسيّة تجعل من "الخطّ الأصفر" حدًّا مطّاطًا، قابلًا للتقدّم كلّما رفعت تل أبيب سقف شروطها الأمنيّة. وهكذا، يصبح المؤقّت دائمًا، ويتحوّل التفاوض من مسارٍ لإنهاء الاحتلال إلى أداةٍ لإدارته وتقليص كلفته.
الخطّ الإسرائيليّ يتجاوز التكتيك إلى قرارٍ استراتيجيّ
يقول الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني، في حديثه إلى "المدن"، إنّ المواقف الإسرائيليّة المتعلّقة بالمنطقة العازلة "لا تبعث على الاطمئنان"، مشيرًا إلى تناقضٍ واضح بين فلسفة المناطق التجريبيّة الواردة في اتفاق الإطار، وبين ما تعلنه القيادة السياسيّة والعسكريّة في إسرائيل.
فالمناطق التجريبيّة، بحسب جوني، طُرحت أساسًا بوصفها مراحل اختباريّة لانسحابٍ متدرّج. ويُفترض أن يؤدّي نجاح كلّ مرحلة إلى الانتقال نحو مرحلةٍ جديدة، وصولًا إلى إعادة تموضع كاملة لجيش الاحتلال وانسحابه النهائيّ من جنوب لبنان.
لكنّ الخطاب الإسرائيليّ المعلن يذهب في اتجاهٍ معاكس. فالتصريحات الصادرة عن رئيس الحكومة ووزير الدفاع ومسؤولين عسكريّين تؤكّد التمسّك بالبقاء في المناطق العازلة في لبنان وسوريا وفلسطين، ضمن ما يصفه جوني بأنّه "فلسفة أمنيّة إسرائيليّة جديدة"، تقوم على اعتبار الوجود العسكريّ المباشر في المناطق الحدوديّة ضمانةً طويلة الأمد.
ولا يرى جوني أنّ هذه التصريحات تندرج في إطار المناورة التفاوضيّة أو الضغط التكتيكيّ. فهي، في رأيه، مواقف استراتيجيّة صادرة عن أعلى المستويات السياسيّة، وتتعارض كلّيًّا مع مضمون اتفاق الإطار. وفي النتيجة، تفاوض إسرائيل على خطواتٍ يفترض أن تقود إلى الانسحاب، فيما تعلن في الوقت نفسه أنّها لا تنوي مغادرة المناطق التي احتلّتها.
هذا التناقض يضرب صدقيّة فكرة المناطق التجريبيّة. إذ يصبح من المشروع السؤال عمّا إذا كانت إسرائيل تنخرط في المسار بهدف إنهاء احتلالها، أم لإعادة تنظيمه وتخفيف كلفته، ومنحه غطاءً تفاوضيًّا ودوليًّا.
ويتوقّف جوني عند الأسئلة المفتوحة المتعلّقة بالمنطقة التجريبيّة الأولى: مَن يتحقّق من نجاحها؟ وفق أيّ معايير؟ ما المدّة المطلوبة للتقييم؟ ومَن يملك قرار الانتقال إلى المرحلة الثانية؟
هذه التفاصيل، بحسب جوني، لم تُحسم ضمن أطرٍ ملزمة، بل تُركت للتجربة ولتقديرات الأطراف. وقد تُناقش في الجولة المرتقبة في روما، التي يُفترض أن يغلب عليها الطابع التقنيّ، من دون أن يعني ذلك أنّها منفصلة عن الحسابات السياسيّة والاستراتيجيّة.
ولا يستبعد جوني أن يكون أقصى ما يمكن تحقيقه في روما الإعلان عن منطقةٍ تجريبيّة ثانية، على أن يبدأ العمل فيها بعد الانتهاء من المنطقة الأولى والتحقّق من نجاحها. لكنّ المشكلة أنّ الانتقال سيكون مرتبطًا بإنجازٍ غير محدّد زمنيًّا، لا بمهلةٍ واضحة وملزمة.
وبذلك، تستطيع إسرائيل إبقاء لبنان داخل مرحلة اختبارٍ مفتوحة، وتعليق الانتقال إلى المرحلة التالية على تقديرها الخاصّ لمستوى التنفيذ. وقد يُعلن عن منطقةٍ ثانية من دون تحديد موعد بدء العمل فيها، أو من دون ربطها بانسحابٍ إسرائيليّ موازٍ.
تنفيذٌ بلا تعريفٍ واضح للمرحلة
الانتقال من التفاوض إلى التنفيذ لا يعني أنّ الغموض المحيط بالصيغة قد تبدّد. على العكس، يضع بدء العمل بالمناطق التجريبيّة لبنان أمام اختبارٍ سياسيّ وعسكريّ، لأنّ الخلاف لا يقتصر على حدود المناطق المختارة أو آليّات انتشار الجيش.
الخلاف يطال تعريف المرحلة نفسها: هل تشكّل المناطق التجريبيّة بداية انسحابٍ إسرائيليّ متدرّج، أم مدخلًا إلى ترتيباتٍ أمنيّة طويلة الأمد تُبقي الاحتلال، وتحمّل الدولة اللبنانيّة وحدها مسؤوليّة التنفيذ؟
منذ طرح الفكرة، تمسّك لبنان بأن تكون نقطة الانطلاق من أراضٍ خاضعة للاحتلال الإسرائيليّ. تنسحب منها القوّات الإسرائيليّة، وينتشر فيها الجيش اللبنانيّ، فتنتقل السيطرة بصورةٍ واضحة من الاحتلال إلى الدولة.
بالنسبة إلى بيروت، لا معنى لأيّ تجربة لا تنتج تغييرًا ملموسًا في خريطة السيطرة. فانتشار الجيش لا يمكن أن يتحوّل إلى بديلٍ من الانسحاب، ولا يجوز أن يُطلب من الدولة تنفيذ التزاماتها فيما تحتفظ إسرائيل بمواقعها وحرّيّة عملها العسكريّ.
تنطلق المقاربة اللبنانيّة من أنّ الانسحاب ليس مكافأةً تمنحها إسرائيل بعد التأكّد من تنفيذ لبنان المطلوب منه. الانسحاب جزءٌ أساسيّ من أيّ مسارٍ متوازن، يربط حصر السلاح بيد الدولة باستعادة الأراضي المحتلّة ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة.
لهذا، أراد لبنان أن تكون المناطق التجريبيّة نموذجًا مصغّرًا عن التسوية النهائيّة: انسحابٌ إسرائيليّ، وانتشارٌ للجيش، وتثبيتٌ لسلطة الدولة، ومنعٌ لأيّ وجودٍ عسكريّ خارج المؤسّسات الشرعيّة.
المهمّة الأصعب للدولة واليد الطولى لإسرائيل
في المقابل، قدّمت إسرائيل قراءةً معاكسة. فهي تطالب الجيش اللبنانيّ بالتحرّك أوّلًا شمال نهر الليطاني، لجمع سلاح حزب الله ومنع إعادة بناء قدراته العسكريّة، فيما تحتفظ لنفسها بحرّيّة العمل جنوب النهر.
وفق هذه المقاربة، يبقى الجنوب مجالًا مفتوحًا للعمليّات الإسرائيليّة ما دامت تل أبيب تعتبر أنّ الأخطار الأمنيّة لم تُعالج وفق شروطها. أي إنّ إسرائيل تريد أن تكون صاحبة الحقّ في تعريف الخطر، وتحديد مستوى معالجته، والحكم على نتائج الإجراءات اللبنانيّة.
كما لا ترى تل أبيب ضرورةً لأن يتولّى الجيش اللبنانيّ وحده تفكيك القدرات العسكريّة للحزب في المناطق التي تستطيع القوّات الإسرائيليّة الوصول إليها أو استهدافها. وبذلك، تقترح فعليًّا تقسيمًا للأدوار: حرّيّة حركةٍ إسرائيليّة جنوب الليطاني، ومهمّة لبنانيّة شديدة التعقيد والحساسيّة شماله.
تعني هذه المعادلة أنّ الدولة اللبنانيّة مطالبةٌ بتحمّل الكلفة السياسيّة والأمنيّة لنزع السلاح، فيما تحتفظ إسرائيل بحقّ التدخّل العسكريّ وبمواقعها داخل الأراضي اللبنانيّة. أي إنّ الالتزامات تقع على لبنان، أمّا الضمانات فتبقى بيد إسرائيل.
تسويةٌ وسطية بموازين إسرائيليّة
أمام التباعد بين الموقفين، برزت منذ محادثات واشنطن تسويةٌ وسطية تقوم على تحرّك الجيش اللبنانيّ على ضفّتَي الليطاني، شمالًا وجنوبًا، وتوزيع المناطق التجريبيّة بين الجانبين.
لكنّ الصيغة، على الرغم من مظهرها التوافقيّ، لم تغيّر جوهر الطرح الأميركيّ والإسرائيليّ. فالمطلوب أن تُثبت الدولة اللبنانيّة، وتحديدًا المؤسّسة العسكريّة، أنّها تملك القرار السياسيّ والقدرة الميدانيّة على جمع سلاح حزب الله، وضبط نقله وتخزينه، ومنع إعادة ترميم البنية العسكريّة للحزب.
أمّا الانسحاب الإسرائيليّ، فلا يزال مرتبطًا بالنتائج التي ستتحقّق، وبالتقييم الأميركيّ والإسرائيليّ لمستوى نجاح الجيش. وهنا يظهر الاختلال في الالتزامات: لبنان مطالبٌ بخطواتٍ قابلة للقياس والمراقبة، بينما لا تقدّم إسرائيل موعدًا محدّدًا للانسحاب.
وبدل أن تكون المناطق التجريبيّة مراحل متزامنة، ينسحب فيها الاحتلال بالتوازي مع انتشار الجيش، تتحوّل إلى امتحانٍ مفتوح للدولة اللبنانيّة. وتحتفظ إسرائيل خلاله بحقّ تحديد معايير النجاح، وتوقيت الانتقال إلى المرحلة التالية، ومدى كفاية الإجراءات المتّخذة.
وبهذا المعنى، لا تكون إسرائيل طرفًا ينفّذ التزاماتٍ مقابلة، بل جهةً تراقب التنفيذ اللبنانيّ وتحكم عليه، ثمّ تقرّر ما إذا كان يستحقّ خطوة انسحابٍ جديدة.
احتلالٌ أقلّ كلفة
لا تتعامل إسرائيل مع المناطق التجريبيّة بوصفها طريقًا مباشرًا إلى الانسحاب الكامل. ما تريده، وفق المسار المطروح، هو إدارة الاحتلال وتقليص كلفته.
فالجيش اللبنانيّ يتولّى ضبط الأرض، ومنع وجود حزب الله، ومراقبة الحركة ونقل السلاح، فيما تحتفظ إسرائيل بمواقعها، وبحقّ التدخّل والاستهداف، وبسلطة تقدير المخاطر.
وهذه ليست صيغة انسحاب، بل صيغة احتلالٍ منخفض الكلفة. فبدل أن تتحمّل إسرائيل أعباء السيطرة المباشرة، تُنقل إلى الدولة اللبنانيّة مهمّة حماية الترتيبات الأمنيّة التي تريدها تل أبيب.
ولا تعود المنطقة العازلة، في هذه الحالة، مجرّد شريطٍ جغرافيّ. تتحوّل إلى صيغةٍ أمنيّة وسياسيّة تضع الجنوب تحت سيادةٍ منقوصة، وتمنح إسرائيل قدرةً دائمة على التدخّل كلّما ادّعت وجود تهديد.
روما: مَن يملك إعلان النجاح؟
تكتسب الجولة المقبلة في روما أهمّيّتها من أنّها ستتناول تقييم المرحلة الأولى وآليّات التحقّق من نجاحها. لكنّ السؤال لا يتعلّق فقط بما إذا كان الجيش اللبنانيّ قد نفّذ المطلوب.
السؤال الأهمّ: مَن يملك حقّ إعلان النجاح؟ وما المعايير المعتمدة؟ وكم تستغرق عمليّة التحقّق؟ وهل يكون الانتقال إلى المرحلة الثانية تلقائيًّا، أم يبقى خاضعًا لموافقةٍ سياسيّة وأمنيّة جديدة؟
إذا بقيت المعايير فضفاضة والمُهل مفتوحة، ستتحوّل كلّ منطقةٍ تجريبيّة إلى حلقةٍ في اختبارٍ لا ينتهي. ويمكن لإسرائيل، عند كلّ مرحلة، أن تعتبر التنفيذ غير كافٍ، أو أن تطلب إجراءاتٍ إضافيّة، أو أن تعلن أنّ الظروف الأمنيّة لا تسمح بالانسحاب.
لذلك، لا يحتاج لبنان في روما إلى زيادة عدد المناطق التجريبيّة فحسب. يحتاج إلى قواعد واضحة: مهلةٌ زمنيّة ملزمة، ومعايير محدّدة للتحقّق، وتلازمٌ بين انتشار الجيش والانسحاب الإسرائيليّ، ورفضٌ صريح لتحويل "الخطّ الأصفر" إلى حدودٍ أمنيّة دائمة.
فالإعلان عن منطقةٍ ثانية لا يشكّل تقدّمًا في ذاته، إذا بقي بدء العمل بها معلّقًا على تقييمٍ مفتوح، وإذا لم يقترن بانسحابٍ إسرائيليّ واضح من المنطقة الأولى.




