مهما أفضت إليه المفاوضات التي تخوضها الدولة اللبنانية، ومهما نجحت في تثبيت وقف النار، وانتزاع الانسحاب الإسرائيلي، ونشر الجيش في الجنوب، ومهما أصرّ حزب الله على رفض التسوية وإبقاء المنطقة أسيرة السلاح والحرب، فإن حقيقةً واحدة سبقت الجميع إلى نهايتها: لن تكون عودة الجنوبيين نهايةً للنزوح، بل بدايةً للمنفى.
لا يعود النازح لمجرّد أن يسلك الطريق نفسها في الاتجاه المعاكس. العودة تفترض أن يكون في آخر الطريق عالمٌ ظلّ وفيًّا لصاحبه: بيتٌ وقريةٌ، وحياةٌ تنتظره عند اللحظة التي غادرها. لكن ما حدث في الجنوب لم يكن توقّفًا عابرًا يمكن استئناف ما بعده، بل قطيعةً شقّت الزمن إلى نصفين: زمنٍ كان، وزمنٍ سيأتي من دونه. لذلكَ قد يسلك الجنوبيون طريق العودة، لكنهم لن يبلغوا ما غادروه؛ سيصلون إلى أرضٍ تحمل الاسم نفسه، فيما يكون الجنوب الذي عرفوه قد مضى إلى مكانٍ لا تقود إليه الطرق.
الأمكنة تشبه الوجوه؛ حين تتبدّل ملامحها، تفقد هويتها. تشير التقارير إلى أن عشرات آلاف المباني تضررت أو دُمّرت، وأن آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية والغابات أُحرقت أو هُجرت، فيما فقدت قرى أكثر من نصف مبانيها، ومُحيت منازل ومساجد ومقابر وطرقات وبساتين كاملة. الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تقيس ما فُقد فعلًا. لا تستطيع أن تحصي عدد العائدين الذين سيقفون عاجزين عن تحديد موضع بيتهم. إنه شكلٌ آخر من أشكال النفي.
المنفى لا يعني دائمًا أن يكون الإنسان بعيدًا عن أرضه؛ أحيانًا يبدأ المنفى حين يعود إليها فلا يجدها، حين يقف في المكان نفسه ويشعر أن المكان قد تغرّب عنه. الأمكنة أيضًا تنفي أبناءها، لا بإبعادهم عنها، بل بمحو ما كان يجعلهم جزءًا منها. لذلك لن ينتهي تهجير الجنوبيين باستعادة الأرض، لأنهم سيعودون إليها حاملين اغترابهم في داخلهم. سيعودون إلى الجغرافيا، لا إلى الزمن الذي فُقد؛ إلى القرية، لا إلى الحياة التي كانت فيها؛ إلى بقايا البيت، لا إلى الشخص الذي غادره. وسيقف الجنوبي في أرضه كما يقف الغريب أمام صورة قديمة: يعرف أنه كان يومًا جزءًا منها، لكنه لم يعد قادرًا على الدخول إليها.
الأرض التي فقدت معالمها وذاكرتها وبيوتها وأشجارها ومقابرها ومصادر حياة أهلها، لا تستعاد لمجرّد أن يعود أهلها. فالمكان ليس أرضًا وحجرًا فحسب، بل ما تراكم في العمران من زمن وأعمار وحكايات وألفة، وصلات شخصية بين الإنسان وما حوله. الجنوب الذي صنعته الذاكرة، وراكمه التاريخ، وحفظته الحكايات، لن يعود بصب الإسمنت فوق الركام. هذا ما سلبته الحرب وما لا تستطيع إعادة الإعمار إعادته.




