توحي الإشارات الواردة من إسرائيل، والتي تترجمها في الميدان جنوبًا، أن ترتيبات اتفاق الإطار تشهد المزيد من التعقيد، وسط تأكيدات إسرائيلية برفض الانسحاب من لبنان، والتخطيط لتثبيت الواقع الأمني الحالي في شكل دائم، بل لتوسيعه بإطلاق العنان لحرب جديدة. وفي هذا الخضم، تجد الحكومة اللبنانية نفسها في موقع الضعيف والمربك، فيما هي مطالبة داخليًا بتحقيق معجزات سياسية وأمنية، بمواجهة إسرائيل، ولو أنها لا تملك أدوات ضغط قوية على الأرض.
وفيما أعلن بنيامين نتنياهو صراحة نيته إبلاغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفضه الانسحاب من المواقع المحتلة في لبنان، جاءت اليوم تسريبات مدروسة جديدة مصدرها مستوطنو الشمال، وجاء فيها أن هؤلاء ما زالوا لا يشعرون بالأمن، وأن خوفهم مستمر من تسلل حزب الله. واستند هؤلاء إلى رصد عملية تسلل جرت قبالة مستوطنة المطلة قبل فترة.
وتُستخدم "مخاوف" المستوطنين، إلى جانب التقارير الاستخباراتية المسربة إعلاميًا، الهادفة إلى التشكيك بقدرات الجيش اللبناني، كذريعة لإبطاء آليات "المناطق التجريبية" التي انطلقت في زوطر الغربية، وتحويلها من جدول انسحاب إلى اختبار تعجيزي قد يستغرق سنوات، فيما تواصل إسرائيل عمليات القصف والتجريف والتفجير الهائلة والمستمرة.
وفي ظل هذا الواقع، جاء نداء أبناء بعض قرى الجنوب الذي حذروا فيه من "إبادة عمرانية كاملة" وسرقة للممتلكات. ويعكس البيان الشعبي نقمة متزايدة وضغوطًا مباشرة على الدولة. فهو يطالب باشتراط معادلة "وقف التدمير مقابل استمرار التفاوض في روما"، ضمن مهلة زمنية محددة. كما أعلن عن حراك مرتقب "تحت سقف القانون" وموجه حصرًا ضد التدمير الإسرائيلي، محذرًا من أن استمرار المراهنة على مسار تفاوضي لا يحمي البيوت، ما يهدد ما تبقى من القرى والبنى التحتية.
في هذه الأجواء، تتموضع السلطة بين المطرقة والسندان. فالرئيسان جوزاف عون ونواف سلام يحاولان استثمار الحراك الدبلوماسي لبذل ما يمكن. لكن المساعي تصطدم بحدود القوة الفعلية للدولة. فمن جهة، تواجه الدولة ضغوط حزب الله الرافض للتفاوض والنقاش في السلاح. وهي تدرك أنها لا تملك أدوات إجبار ميدانية لوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية، كما أنها لا تملك في المقابل سلطة الفرض في ملف سلاح حزب الله. وبالتالي، ينحصر هامش الخيارات المتاحة أمام الحكومة في التمسك بالمظلة الدولية والمطالبة في جولة روما بجدول زمني صارم للانسحاب. وكذلك، استخدام بيان الجيش الأخير، حول العرقلة الإسرائيلية، كوثيقة رسمية لإحراج الإدارة الأميركية والراعين الدوليين وضمان عدم تحويل اتفاق الإطار إلى غطاء لتثبيت الشريط الحدودي. وبذلك، تبقى الحكومة والجيش اللبناني في سباق مع الوقت لانتزاع ضمانات جادة في روما، قبل أن يتحول الحراك الشعبي والجمود التفاوضي إلى انفجار جديد يطيح بآخر ما تبقى من اتفاق الإطار.
نتنياهو في واشنطن: تثبيت الاحتلال قبل التفاوض
تكتسب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن دلالة تتجاوز جدول اللقاءات المعلن. فالتوقيت يسبق جولة روما، ويتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، ما يجعل الزيارة محاولة لانتزاع موافقة أميركية مسبقة على تفسير إسرائيلي خاص لاتفاق الإطار، يقوم على الفصل بين التفاوض والانسحاب.
يريد نتنياهو إبقاء المواقع المحتلّة ورقة ضغط دائمة، لا إجراءً مؤقتًا ينتهي مع تقدّم المفاوضات. وبهذا المعنى، لا تتعامل إسرائيل مع الاتفاق بوصفه مسارًا لتنفيذ انسحاب متدرّج، بل بوصفه مظلّة تسمح لها بإدارة احتلال منخفض الكلفة، محميّ سياسيًّا بالحديث عن المخاطر الأمنيّة وضرورة اختبار قدرات الدولة اللبنانيّة.
وتكشف تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، عن نقل "نموذج غزة" إلى لبنان، جانبًا من العقيدة التي تحكم هذا السلوك. فالمسألة لا تتصل فقط بتأمين الحدود، بل باستخدام التدمير العمراني وسيلةً لتغيير البيئة الحدوديّة، وإفراغ مساحات واسعة من سكّانها، وفرض منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع، حتى من دون إعلانها رسميًّا.
أما التباين بين نتنياهو وترامب، فلا يعني بالضرورة تحوّل واشنطن إلى موقع الضغط الحاسم على إسرائيل. لكنه يكشف أن الإدارة الأميركيّة قد تكون معنيّة بمنع نتنياهو من نسف المسار التفاوضي بالكامل، خصوصًا إذا كانت ترى في اتفاق الإطار مدخلًا لإعادة ترتيب الحدود والسلطة والسلاح في لبنان.
المناطق التجريبيّة تتحوّل إلى فخّ زمني
تسوّق واشنطن "المناطق التجريبيّة" باعتبارها آليّة قابلة للتوسّع التدريجي، تبدأ من منطقة محدّدة، ثم تنتقل إلى مناطق أخرى بعد تقييم الأداء. لكن إسرائيل تعمل على قلب وظيفة هذه الآليّة، من وسيلة لتنظيم الانسحاب واستعادة الدولة سيادتها، إلى امتحان مفتوح للبنان لا سقف زمنيًّا له.
ففي زوطر الغربيّة، لا يُقاس التقدّم فقط بانتشار الجيش اللبناني أو إزالة المظاهر المسلّحة، بل بسلسلة من الشروط الإسرائيليّة المتحرّكة. كلما نفّذ لبنان خطوة، ظهرت مطالب إضافيّة تتعلّق بالمراقبة أو التفتيش أو الضمانات الأمنيّة. وهذا يعني أن إسرائيل تحتفظ بحقّ تقويم أداء الدولة اللبنانيّة، وفي الوقت نفسه تواصل القصف والتفجير والتجريف، بما يعرقل قدرة الجيش نفسه على تنفيذ المهام المطلوبة منه.
تكمن الخطورة في غياب جدول زمني ملزم. فإذا بقي التنفيذ خاضعًا للتقويم الإسرائيلي المنفرد، يمكن أن تستغرق العملية سنوات، فيما يتحوّل الاستثناء الأمني إلى واقع دائم. عندها يصبح اتفاق الإطار أداة لإدارة النزاع، لا لإنهائه، ويُمنح الاحتلال وقتًا إضافيًّا لتثبيت خطوطه وتوسيع نطاق سيطرته.
لذلك، لا تكفي مطالبة الوفد اللبناني في روما بتوسيع المناطق التجريبيّة. المطلوب أولًا إعادة تعريف العلاقة بين التنفيذ والانسحاب، بحيث يقابل كلّ تقدّم لبناني خطوة إسرائيليّة واضحة ومحدّدة زمنيًّا، مع آليّة رقابة دوليّة تمنع إسرائيل من تعطيل المسار ثم تحميل بيروت مسؤوليّة الفشل.
التدمير رسالة سياسيّة تتجاوز الميدان
تدمير المنازل وتجريف القرى ليسا تفصيلًا ميدانيًّا موازيًا للمفاوضات، بل جزء من التفاوض نفسه. فإسرائيل تستخدم القوة لتحديد ما يمكن أن يعود إليه السكّان، وما يمكن للدولة اللبنانيّة أن تستعيده، وما إذا كان الجنوب سيبقى قابلًا للحياة أصلًا.
وعندما يعلن أهالي القرى المتضرّرة رفضهم الوقوف متفرّجين أمام "إبادة عمرانيّة كاملة"، فإنهم يوجّهون رسالة مزدوجة. الأولى إلى إسرائيل، بأن التدمير لن يمرّ بوصفه نتيجة جانبيّة للصراع. والثانية إلى الدولة اللبنانيّة، بأن الشرعيّة السياسيّة للمفاوضات مرتبطة بقدرتها على حماية الأرض والمنازل، لا بمجرد إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
وتطرح معادلة "وقف التدمير مقابل استمرار التفاوض" تحدّيًا مباشرًا أمام السلطة. فالحكومة تخشى تعليق المسار التفاوضي وخسارة المظلّة الأميركيّة، لكنها تواجه في المقابل خطر تحوّل التفاوض إلى غطاء لاستكمال الهدم. ومن هنا، يصبح الحراك الشعبي المرتقب عنصر ضغط يمكن للدولة توظيفه دبلوماسيًّا، بدل التعامل معه بوصفه عبئًا أمنيًّا أو محاولة لإرباك المفاوضات.
نيترات الأمونيوم وسؤال السيطرة على الأرض
يضيف اكتشاف نحو أربعة أطنان من الموادّ القائمة أساسًا على نيترات الأمونيوم قرب حولا طبقة جديدة من التعقيد. فبصرف النظر عن الجهة التي تعود إليها الحاويات، يسلّط العثور عليها الضوء على طبيعة المنطقة الحدوديّة التي تعاقبت عليها العمليات العسكريّة والانسحابات والتحركات غير المنضبطة.
وتزداد حساسيّة الاكتشاف مع المعلومات التي تحدّثت عن وجود كتابات بالعبريّة على الحاويات، وترجيحات باستخدامها في عمليات الهدم. لكن غياب تحقيق معلن وشفّاف يترك الباب مفتوحًا أمام الروايات المتعارضة والاستثمار السياسي. وهنا لا ينبغي أن يقتصر دور الدولة على تسجيل الواقعة، بل يتطلّب الأمر طلب تحقيق تقني دولي يحدّد مصدر الموادّ ومسار انتقالها والغرض من تخزينها.
سياسيًّا، يمسّ الملفّ جوهر النقاش حول السيادة. فالسيادة لا تعني فقط رفع العلم أو انتشار الجيش، بل معرفة ما يوجد على الأرض، ومن أدخله، ومن استخدمه، ومن يتحمل مسؤوليّته. وكلّما بقيت هذه الأسئلة بلا أجوبة، تراجعت قدرة لبنان على تقديم رواية متماسكة أمام المجتمع الدولي.
الدولة بين عجزين وضغطين
تواجه الحكومة اللبنانيّة عجزًا مزدوجًا. فهي لا تستطيع وقف الاعتداءات الإسرائيليّة بالقوة، ولا تستطيع حسم ملفّ سلاح حزب الله بقرار إداري أو أمني. وبين هذين الحدّين، تحاول إدارة توازن شديد الهشاشة، يقوم على منع الحرب الداخليّة، والحفاظ على التفاوض، وتوسيع انتشار الجيش، والحصول على ضمانات دوليّة.
لكن إدارة التوازن لا يمكن أن تتحول إلى سياسة انتظار مفتوحة. فإسرائيل تراهن على الوقت لتثبيت احتلالها، وحزب الله يراهن على تعقيدات الداخل لمنع فتح ملفّ السلاح، فيما يضغط المجتمع الدولي على الدولة لتحقيق نتائج لا تتناسب مع أدواتها. وفي هذه المعادلة، تصبح السلطة مطالبة بإنتاج موقف وطني واضح يربط الانسحاب الإسرائيلي باستعادة قرار الدولة، من دون السماح باستخدام أحد الملفين لتعطيل الآخر.
إن حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعيّة يشكّل شرطًا بنيويًّا لاستعادة الدولة، لكنه لا يمنح إسرائيل حقّ إبقاء قواتها أو تدمير القرى. وفي المقابل، لا يجوز أن يتحوّل استمرار الاحتلال إلى ذريعة لتعليق البحث في مستقبل السلاح إلى أجل غير محدّد. المطلوب مساران متلازمان، انسحاب إسرائيلي كامل ومُلزم، وخطّة لبنانيّة داخليّة لاستعادة القرار الأمني والعسكري.
روما: فرصة أخيرة لمنع تثبيت الشريط الحدودي
تدخل بيروت جولة روما بأوراق محدودة، لكنها ليست معدومة. فالجيش اللبناني يمتلك توثيقًا ميدانيًّا للخروقات والعرقلة الإسرائيليّة، والرئاسة تملك غطاءً دوليًّا يمكن تفعيله، فيما يشكّل غضب الأهالي دليلًا على أن استمرار الوضع الحالي يهدّد الاستقرار الذي تدّعي إسرائيل والولايات المتحدة السعي إليه.
وينبغي أن يتركّز الموقف اللبناني على ثلاثة شروط مترابطة، وقف فوري لعمليات التدمير، تحديد جدول زمني واضح للانسحاب، واعتماد آليّة دوليّة للتحقّق من تنفيذ الالتزامات بالتوازي. أمّا الانتقال إلى مناطق تجريبيّة جديدة قبل حسم مصير المنطقة الأولى، فسيعني توسيع مساحة الاختبار من دون ضمانة للوصول إلى نتيجة.
المعركة الفعليّة في روما ليست على تفاصيل تقنيّة فقط، بل على تعريف اتفاق الإطار نفسه. هل هو طريق إلى إنهاء الاحتلال واستعادة سلطة الدولة، أم صيغة لإدامة منطقة عازلة تتوسّع كلّما رفعت إسرائيل سقف شروطها؟
إذا عجز لبنان عن انتزاع جواب واضح، فقد يجد نفسه أمام تفاوض بلا انسحاب، وانتشار عسكري بلا سيادة، وقرى تُدمّر تحت غطاء البحث عن الأمن. أمّا إذا نجح في تحويل الخروقات الإسرائيليّة إلى كلفة سياسيّة ودبلوماسيّة، فقد تبقى نافذة ضيّقة لإنقاذ الاتفاق قبل أن يسقط نهائيًّا بين ضغط الميدان، وغضب الجنوب، وعجز الدولة عن الاحتمال.




